ذكرى صديق – يوسف إبراهيم اليازجي

لماذا يَختطِف الموت بعض الأفراد قبل أوان رحيلهم، ويبقى على بعض الأفراد الذين شبعوا من الحياة ووقفوا على عتبة باب الأبدية ينظرون من يقول لهم «ادخلوا» ليلجوا الباب ويقضوا؟ لماذا يأخذ الوطني الذي يعمل في سبيل الوطنية والإنسانية، ويَترك الخائن الذي يبيع الوطن والإنسانية؟ لماذا يجرع الغصص بعض من لم يأتِ دور كأسه، ويسقى خمراً بعض الذين هم أولى بتجرع الغصص؟

لا أدري ــــ ولكني أدري أنّ الموت لا يميز بين الشجاع والجبان، ولا بين الكريم والشحيح، ولا بين الوطني وعاق الوطن، ولا بين الرجل الغيري الفاضل والرجل الأناني اللئيم، ولكن البشر يميزون!

ليست قيمة الأديب في عين الموت بأكبر من قيمة الغني، ولا قيمة العالم بأكبر من قيمة الجاهل. فا لناس في عين الموت سواء. لذلك تراه يأخذ ولا يدري من يأخذ، ويترك ولا يدري من يترك.

منذ بضعة أسابيع توفي في الحاضرة شاب هو الأديب يوسف إبراهيم اليازجي. اختطفه الموت وهو لا يزال في مقتبل العمر وريعان الشباب. ولقد كان من الوطنيين الأحرار المتقدمين غيرة على الوطن، وجندياً مدافعاً عن الحرية الوطنية ومؤيداً الحقوق الإنسانية، حسامه القلم وجواده الإخلاص.

كان أحد أولئك الأفراد الذين عرفوا أنّ مصير الدنيا إلى الفناء، فلم يجتهد في إقامة الصروح وتشييد القصور. ولكنه كان يعمل لأجل الوطن وفائدة الإنسانية، وقد قدم لهما خدمات كثيرة. وهنالك شيء من هذه الخدمات التي قام بها الفقيد مثبوت في صفحات الجرائد والمجلات.

كان لا يزال في بدء جهاده وأول عزمه سائراً في أعماله بهمة صادقة، وأمانة شديدة، وأمل كبير. ولكن المنية لم تمهله إلى أن يكون قد أتم ما بدأه بل اختطفته من وسط جيشه وإخوانه، وهي لو درت ما فعلت لانتحرت
.
منذ عرفت الفقيد عرفت فيه صديقاً صادقاً ورجلاً شهماً وأديباً ذكياً ذا مبادىء سامية ومقاصد شريفة. وكان بيني وبينه صداقة لن يمحوها من ذاكرتي مرور الأيام وكرور الأعوام، كان الفقيد فيها مثالاً للصداقة المتينة الشريفة.

الموت لم يدر من أخذ ولا الخسارة التي ألحقها بالأدب والوطن والإنسانية. ولكني أنا دريت، والأدباء الوطنيون ومحبو الإنسانية الذين عرفوا الفقيد دروا.

ولقد جرى له مأتم مهيب تجلت فيه منزلة الأديب عند عارفي قدره. لم يكن فيه شيء من المجاملات العزائية التي تقام أحياناً لبعض عبدة المال حباً بأموالهم، بل كان فيه أسى شديد وحزن حقيقي عميق.

أما أنا فقد شيعت الفقيد إلى مثواه الأخير وأنا أحرى بأن أعزى مني بأن أعزي. وبعد أن وُري التراب عدت وأنا أفكر في حال هذه الدنيا، وأردد لنفسي هذه العبارات: البقاء في هذه الدنيا محال. والرجل الباقي هو الذي يبقى ذكره. فلئن كنت أيها الصديق العزيز يوسف قد سبقتنا وذهبت إلى دار الأبدية، فإن ذكرك باقٍ فينا ما حيينا.

الأسيف: أنطون سعاده
المجلة، سان باولو
السنة 9، الجزء 7، 1/8/1923

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى