راي النهضة – قضية الأحزاب الببغائية في المجلس 9

بين الماضي والمستقبل


بعد كلام كثير عن قيمة المؤسسات المنحلّة مؤخراً التي حاول السادة عواد وعمون وعازار وفرنجية رفعها إلى مرتبة عالية، يفرد رصيفنا السيد جبران التويني نحو دزينة من الفقرات المتتابعة ليبيّن أنّ مظاهر الشباب في هذه المؤسسات المخترعة المحاكية كانت خاضعة لتلاعب المستغلين والنفعيين من كل لون وصنف، واسهب السيد تويني في تصنيف المستغلين والمستائين حسب أغراضهم وميولهم، وبيّن أنّ حركات شباب الأحزاب الببغائية لم تكن حركات نهضة أصلية، وأنّ الحوادث الأخيرة التي تلت حل هذه الأحزاب لم تكن صادرة عن إرادة الشباب، بل كانت نتيجة عمل المستائين المستغلين المضحين بالشباب على مذبح أهوائهم. فيكون السيد تويني قد وافق كل الموافقة على أنّ هذه المنظمات المخترعة لم تكن ذات أهداف واضحة وخطط مدروسة منظمة، بل كانت مجرّد “تجمهرات” معرّضة لعمل كل طارىء من غير روية ولا تفكير صحيح.
إذن فلا أسف على هذه المنظمات تنحلّ عن مجمع المآرب، ويتفرق الشباب المخدوعون ليعودوا إلى نفوسهم ويعيدوا النظر في أعمالهم، ويبحثوا عن الهدف القومي الصحيح والمبادىء القومية التي تمثّل حاجة الشعب ويعتنقوها ويحرروا نفوسهم من عبودية المآرب والغايات ومن قيود التعصب الديني الذميم وقيادة الإكليريكية والمؤسسات الدينية.
ولكن السيد محي الدين النصولي يقف ويقول ببدعة جديدة هي أنه يحق للحكومة أن تهدم وأن تبني وأنّ الحكومة هي مصدر المؤسسات والحركات وأنها يجب أن تكون كذلك.
يقول السيد محي الدين النصولي:
“إنّ الذي يعتزم الهدم يجب أن يعرف كيف يبني. وإنّ الذي يود أن يبعثر المؤسسات التي بعثرت يجب أن يعرف كيف ينظّم عقد غيرها، مخافة أن تتحول هذه القوى إلى غير ما خلقت له فتصبح أداة تدمير بدلاً من أن تكون أداة تعمير وتثير الشغب والفوضى بدلاً من أن تكون عاملاً قوياً في المحافظة على النظام والأمن”.
يحملنا هذا الكلام على الذهاب بعيداً جداً عن إدارة الدولة وعن الندوة النيابية، إلى نادٍ أدبي أو حفلة أدبية يلقي فيها رجل طيب القلب محاضرة في المعاني المناقبية البعيدة جداً عن إدارة الدولة وسياسة الحكومة.
يتكلم السيد محي الدين نصولي كلاماً طيب العرف الأدبي، ساذجاً كل السذاجة، صادراً عن رجل طيب القلب لا يعرف ما هي إدارة الدولة ولا ما هي الحكومة ولا ما هي الدولة ولا ما هو الشعب ولا ما هو المجلس النيابي ولا ما هي مبادىء الحكم ولا ما هي السياسة.
لقد هدمت الحكومة شيئاً بنته الحكومة بنفسها إلا “النجادة” فقد كانت أشبه بردّ فعل لما بنته الحكومة. وطبيعي أن يشعر الباني بأنه يحق له هدم ما بناه وأن يغضب لرؤيته الذين استفادوا من البنيان يغتاظون من الهدم ويحاولون منعه.
يطلب السيد محي الدين من الحكومة أن تعرف كيف تنظّم عقد غير المؤسسات التي حلّتها، أي أن تنظّم عقد غيرها، كأن السيد نصولي يجهل أنّ ما تنظمه إحدى الحكومات يكون حكومياً بحتاً، خصوصاً في حالة حكم كالحكم اللبناني وحالة حزبيات كالحزبيات اللبنانية الشخصية الضيقة. وبعد فمن يدري فلعل السيد نصولي يقصد أن تعود الحكومة فتبني لها حزباً بدلاً من الأحزاب التي أرادتها لها وشذت عن منهاجها. ففي عبارة السيد النصولي ما يؤيد هذا الاستنتاج تأييداً قوياً، خصوصاً قوله “مخافة أن تتحول هذه القوى إلى غير ما خلقت له”؟.
ما هو هذا الشيء الذي خلقت له هذه القوى؟ أهو ما أرادته الحكومة السابقة من هذه المؤسسات المخلوقة ولم يكن لها؟ أم هو الشيء الذي ارادته منها المقامات الدينية؟ وهل هذا الشيء هو سياسي أم اجتماعي أم اقتصادي أم حزبي؟ أم هو كل هذه الأشياء وكل التخيلات الممكنة وغير الممكنة المزدحمة وراء هذا التعبير الغامض “ما خلقت له”؟

ويعود السيد النصولي فيقول:
“لقد كان الأجدر بالحكومة، بعد أن وقّعت قرار حل منشآت الشباب، أن تعدّ في الوقت نفسه قراراً ثانياً تنظم به مؤسسة تضم الشباب على اختلاف عناصره ونزعاته وترعاها وتشجعها بشتى الوسائل”.

الحق أنّ هذا الكلام جميل: فالرعاية والتشجيع بشتى الوسائل وتنظيم مؤسسة تضم الشباب على اختلاف عناصره ونزعاته كلام جميل جداً. ولكنه ككل كلام آخر جميل، بعيد عن فهم طبيعة الاجتماع والعوامل الاجتماعية والسياسية، كلام يزول كل جماله متى بدأ يتحول إلى أفكار جديدة، لأنه يقوم على افتراضات لا وجود لها إلا في دماغ منشئه.
أيمتى كانت الحكومة مصدراً صالحاً لإنشاء المؤسسات [التي] تضم “الشباب على اختلاف عناصره ونزعاته”؟ ألا يرى السيد نصولي أنّ الحكومة قد قامت بتجربتها ورأت النتيجة التي يوصل إليها فرض الإرادة الحكومية على الشعب في حالتي الإنشاء والهدم؟
ألا يرى السيد نصولي أنّ المؤسسة الوحيدة التي تتمكن من ضم الشباب على اختلاف عناصره ونزعاته هي المؤسسة التي تنشأ من صميم الأمة ومن صلب الشعب على مبادىء تشمل كل الحاجات القومية، النفسية والمادية؟ وأنّ أمر تقدير هذه المبادىء وحاجة الشعب إليها يجب أن يترك لمجموع الأمة ولتطور الرأي العام، لا أن يكون عائداً لإرادة الحكومة ومعرفتها؟
إنّ واجب الحكومة هو عدم التصدي لمنع تطور الشعب حسب مزاياه ومؤهلاته، لا أن تصنع للعقلية القومية قوالب من حديد تضعها فيها فلا تستطيع الانفلات من المحيط الحديدي الحكومي الموضوع لها.
إنّ شأن الحكومة هو أن تقف على الحياد في كل ما يتعلق بتطور العقائد الأساسية في الشعب، خصوصاً متى كانت هذه الحكومة لا قومية، أي ليست ذات برنامج قومي وغير صادرة عن حزب قومي نشأ من صميم الأمة ليعبّر عن حاجاتها ومثلها العليا ويشق لها طريق الحياة ويصهر عناصرها في بوتقة مبادئه الأساسية والإصلاحية الضرورية لحياتها، أما أن تقف حكومة وليدة ظروف سياسية معينة لتفرض على الشعب المؤسسات التي تريدها وتحل المؤسسات التي لا تريدها فهذا ليس عملاً قومياً، بل عملاً سياسياً ضيقاً خاصاً لا يمكنه مطلقاً “ضم الشباب على اختلاف عناصره ونزعاته”.
يجوز “لحزب الحكومة” أن تنشىء مؤسسة يدعو الشعب إلى الانخراط فيها، كما يجوز لكل حزب آخر فعل ذلك. أما أن تنشيء الحكومة هي عينها مؤسسة وحيدة تضم العناصر المختلفة بتوجيهها هي فأمر يجب أن يسبقه افتراض آخر هو: أنّ الحكومة الكلية القدرة، الكلية الحكمة، الكلية العلم، الكلية الفهم، قد جاءها السلطان المنزل لفعل ما ترى وترك مما لا ترى وتصريف شؤون الشعب بحكمتها ودرايتها، فهي تمثل الإرادة الإلهية والوصي الرباني، فسلموا إليها أموركم!
ومتى تمت هذه المعجزة التي يتنبأ بها السيد نصولي والتي تفوق كل معقول ومنقول في باب المعجزات، تقدمت هذه الحكومة الإلهية إلى الشباب وقالت لهم: لقد هدمت مؤسساتكم التي ترتكز إلى أساس واهٍ، هو أساس الطائفية، وهيأت لكم منشأة جديدة ترتكز إلى أساس متين الدعائم، هو أساس القومية لأني لا أريد أن أسمع بعد اليوم أنّ في لبنان أدياناً وطوائف ومذاهب يود معتنقوها لو يوقع بعضهم ببعض، بل أريد أن اسمع أنّ هنالك وطنيين لبنانيين فحسب.
ومتى فعلت الحكومة لم تبقَ بها حاجة للتقدم إلى المجلس النيابي بمشروع تعديل الدستور الطائفي والأساليب الدستورية وتتم المعجزة وتخلق الحكومة الدينية المذهبية الطائفية مؤسسة لا دينية، لا مذهبية، لا طائفية غارقة في السياسة الحكومية.
ولكن متى تمت هذه المعجزة الفائقة التصور كيف يعود يتمكن الأستاذ نصولي من الوقوف على المنبر والقول: إنّ سورية بلاد إسلامية، بدلاً من أن يقول: إنّ سورية بلاد سورية؟
إنّ الذين يريدون إخضاع مستقبل الأمة لإراددة “الحكومة” يريدون أن يكون مستقبل الأمة كماضيها.
إنّ مستقبل الأمة يجب أن تقرره الأمة لا الحكومة!

1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى