اتّفاق 17 أيّار بين السّقوط ومحاولات الإنعاش

رئيس المؤتمر القوميّ الأمين وليد زيتوني

يبدو أنّ الاتّفاق الّذي عقد بين العدوّ “الإسرائيليّ” وحكومة “فيشي” اللّبنانيّة كنتيجةً مباشرة لاجتياح لبنان وصولاً إلى عاصمته بيروت، كان بالواقع وثيقة إذعان بل استسلام لهذا العدوّ.

السّلطة القائمة آنذاك “الممثّلة” لفئة شعبيّة يسيطر عليها بالقوّة، حزبا القوّات والكتائب اللّبنانيّة تنطلق من إيديولوجيا تتناغم وترتبط بعلاقات قديمة مع الدّولة اليهوديّة الزّائلة، وثّقتها العديد من الكتابات الّتي تؤرّخ لهذه المرحلة، وبالتّالي لا يمكن نكرانها، منها كتابات صادرة عن العدوّ نفسه (عدوّ عدوّي، لورا روزنبرغ)، وأخرى صادرة عن القوى نفسها (سوريا ولبنان مشقّة الأخوة، جوزيف أبو خليل). تفضح الوثائق جذور هذه العلاقة وتطوّرها بأمديّة زمنيّة متواصلة حتّى يومنا هذا، متذرّعةً مرّة بالوجود الفلسطينيّ وأخرى بقوى المقاومة الوطنيّة على أصنافها، الّتي تقاتل من أجل السّيادة والحرّيّة الحقيقيّين.

إنّ هذه العلاقات كانت تخبو حينا وتطفح على الوجه كلّما كان المشروع الخارجيّ بحاجةٍ لها، وكلّما كانت الدّولة المصطنعة الزّائلة قادرة على توظيفها لخدمة أغراضها.

توطّدت هذه الارتباطات وتوسّع حجمها تدريباً وتسليحاً وتمويلاً، ودعماً سياسيّاً وأمنيّاً أثناء الحرب الأهليّة وصولاً إلى الاجتياح كناتج عن تخطيط مشترك وتعاون في التّنفيذ على حساب الوطن والمواطن وحساب كرامته واستقلاله.

إنّ هذا الاتّفاق كان صكّ استسلام وتقييد لحرّيّة لبنان وربطه بالمشروع الصّهيونيّ، على المستويات كافّة، ليس العسكريّة والسّياسيّة فقط، إنّما أيضاً على المستويين الاقتصاديّ والإعلاميّ. وهو بمثابة اختراق للبنية الاجتماعيّة الحضاريّة والثّقافيّة، حيث ما زلنا نحصد تبعاته من فوضى وعبثيّة في التّعاطي بالمسائل المصيريّة الكبرى.

بالطّبع لم يسقط اتّفاق 17 أيّار، نتيجة تراجع أو توبة من أمين الجميل وأتباعه في السّلطة آنذاك، ولم يكن اقتناعاً بخطأ المسار الّذي انتهجه، ولم يكن توازناً مع اتّفاق القاهرة كما أُشيع حينها. بل سقط نتيجة النّضال الشّعبيّ للقوى الوطنيّة، ونتيجةً للدّماء السخيّة الّتي بُذلت على مذبح الوطن، ونتيجةً لتصاعد عمليّات المقاومة الوطنيّة جنوباً وبقاعاً، ونتيجةً لعمليّات خالد علوان ورفقائه في بيروت وغاليري سمعان ودوّار عاليه، وتلّة حنينة في الحدث وكفرشيما، وقتال القوى الوطنيّة في الجبل منها الحيّ الغربي لعاليه ومعصريتي والشّحّار، وانتفاضة الضّاحية الأبيّة، والعمليّات الكبرى الّتي استهدفت المارينز الأميركاني، وقوّات “الفوج الأجنبيّ” الفرنسيّة حيث تم بعدها جلائهم عن بيروت، وتلاحقت العمليّات وصولاً إلى انتفاضة 6 شباط المجيدة.

بالطّبع كانت انتفاضة 6 شباط الضربة الّتي قصمت ظهر السّلطة، فخرج الجيش من بيروت الغربيّة وتحرّر القسم الأكبر من بيروت والجبل. وحصلت انسحابات واسعة للجيش الغازي، أجبرت أمين الجميل اللّجوء إلى الخطّة البديلة، وهي الدّعوة إلى حوار وطنيّ في لوزان بالإضافة إلى زيارات متكرّرة إلى دمشق في محاولة لاسترضاء القيادة الشّاميّة الدّاعمة الأساس للقوى الوطنيّة. غير أنّ محاولاته باءت بالفشل فرضخ إلى إلغاء هذا الاتّفاق تزامناً مع اتّفاق القاهرة في 5 آذار 1985.

إن أخطر ما أفرزه اتّفاق 17 أيار هو التّشريع القانونيّ للعمالة مع مفعول رجعيّ يعود إلى مرحلة ما قبل نشوء “لبنان الكبير”. وأقول تشريع قانوني لأنّ المعاهدات الدّوليّة، عادةً، تتمتع بقوّة تسبق القوانين العاديّة الصّادرة عن المجلس النّيابيّ، وبالتّالي إن قوانين مقاطعة “إسرائيل” تقع في مرتبة دونه قوّة.

صحيح أنّ هذا الاتّفاق لم يعد موجوداً في النّصوص القانونيّة، إلّا أنّه بقي راسخاً في نفوس البعض. نرى تجليّاته الواضحة في الأدبيّات والمواقف الصّادرة عن الجماعة الّتي تحمل هذه الإيديولوجيا المدمّرة للبلد والمجتمع. إيديولوجيا “قوّة لبنان في ضعفه” المتجدّدة تحت عناوين شتّى، ربما أهمّها مقولة الحياد.

إن هذا العصر وهو عصر تنازع الأمم البقاء، يدعو حزبنا إلى تراصّ الصّفوف عبر الوعي لمخططات العدوّ الّذي يحاول أن يدخل من كلّ المنافذ المشرّعة على الخارج.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى