التّأسيس لمفاهيم النّهج الثوريّ

الأمين وليد زيتوني

ليس التّأسيس يوماً في تاريخ الأمّة، وليس حدثاً عابراً في مسارها. بل هو محطّة ومنارةَ استرشاد وإرشاد للتاريخ نفسه، هو بداية العزم والإرادة الواعيّة للتّغيير. من التّأسيس استقينا مفاهيم العمل الثّوريّ والنّهج الثّوريّ.
وتحدّدت بالتّأسيس مسالك وسلوك المؤمنين لتحقيق الثّورة الآيلة للتّجدّد والاستنهاض، ومن خلال التّأسيس وُلد الإنسان الجديد، السّاعي لترسيخ قيم الحقّ والخير والجمال.
فما هي المفاهيم الثّورية الّتي نراها نحن السّوريّون القوميّون الاجتماعيّون؟
ربما أصبح الخوض في مفهوم الثّورة، مغامرة غير محسوبة، على المستويين الفكريّ والعمليّ، نظراً لاختلاف الرؤى الّتي تتناوله، خاصّة بعد الفورات الجماهيريّة، والحراك السّياسيّ الّذي تناول مجتمعات متعدّدة في العالم، بعد إنمام الهيمنة والسّيطرة الأميركيّة كقوّةٍ منفردة على السّاحة الدّوليّة. فالثّورات الملوّنة في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبيّة، إضافةً إلى ما سُمي بـ”الرّبيع العربيّ” قد أغدقها بمضامين أُخر، جعلها تدور خارج مسارها الطّبيعيّ.
فالثّورة، من حيث موقعها هي فعل تغييريّ يستهدف الأرقى والأحسن والأفضل، بتنوّع الوسائل والأدوات والمناهج. غير أنّ التّغيير بحدّ ذاته ليس عملاً ثوريّاً إذا لم يقترن بأهداف إيجابيّة لصالح المجتمع أو الدّولة. الثّورة إذن هي تغيير إيجابي، أمّا التّغيير للتّغيير، فلا يمكن تسميته بالثّورة. كثيراً ما يحصل التّغيير لصالح القوى المحافظة، وفي حالات أخرى يؤدي إلى أوضاع أكثر تخلّفاً وظلاميّة ورجعيّة، وهو ما يحصل الآن على مستوى العالم العربي.
أولى مفاهيم الثّورة هي وحدة الهدف الاستراتيجي ضمن منظومة توزيع الأدوار التّكتيكيّة، الملائمة للقدرة، على القوى الثّورية المعنية إن كانت ضمن التّنظيم الموحّد، أو في إطار تحالف عريض.
إنّ تعدّد الأهداف الاستراتيجيّة يجعل هذه القوى تفقد البوصلة، وبالتالي تتشتّت وتنقسم، ومن ثمّ تتصارع فيما بينها، لتصبح الثّورة مجموعة من العصابات غير المنضبطة تؤدّي بالتّأكيد إلى خسارة الثّورة.
ثاني هذه المفاهيم، المسألة الأخلاقيّة، والمقصود هنا بالأخلاق كمنظومة للقيم الجماعيّة التي تتّصف بها الثّورة، ومن خلالها تتميّز الثّورة، إن كان لناحية السّلوك العام، أو من ناحية فهمها للواقع وضرورة تغييره. فالثّورة تستهدف الانتصار بالشّعب وليس على الشّعب، وبالتالي العمل بالأوساط الشّعبية. وهذا ما يتطلّب فهماً دقيقاً لكيفيّة الاستفادة من القيم الإيجابيّة، والعمل على التّخلّص من العادات والأفكار والتّقاليد الدّخيلة الّتي لا تتناسب مع أهداف الثّورة. فالحريّة والنّظام والواجب والقوّة مجتمعةً تشكّل رافعةً لتحقيق المثل العليا المتمثّلة بالحقّ والحقيقة والخير والجمال، إلّا أنّ الاستعمار الغربي بأشكاله القديمة والحديثة كافّة، عمل ومن خلال إعلامه على تدمير قيمنا وأخلاقنا، واستبدالها بقيم تؤمّن مصالحه الماديّة والسّياسيّة والعسكريّة. ولم أقصد بالإعلام هنا الإعلام المباشر رغم أهمّيته، وإنّما بالوسائل القديمة والحديثة الّتي يمتلكها. فمن المثل الشّعبي الذي يدعو إلى الخنوع، ومحاباة الأقوى، إلى الرّواية والأدب الهادف، وصولاً إلى السينما ذات المضامين التّرميزيّة، ومنها إلى العلوم المزيّفة للواقع، كالإنتروبولوجيا والإتنولوجيا وبعض العلوم الإنسانيّة الأخرى، سياقٌ واحدٌ محكومٌ بأمر عمليات تمهيديّ يستهدف ضرب كلّ ما يمتّ إلى قمنا الإيجابيّة وحضارتنا، بل في كثير من الحالات يستهدف سرقة هذه الحضارة لوسمنا بالتّخلّف، وجعلنا نلتحق بقشور حضارته.
أما ثالث المفاهيم، ويرتبط بالمفهوم الثّاني بشكلٍ عضويّ، وينبع عنه، ألا وهو الأنانيّة والغيرة. فالثّوريّ هو من يعمل للمشروع، أو لهدف الثّورة الأساس، وعلى هذه القاعدة يكون النّضال والاندفاع بعيداً عن أيّ مكسب شخصيّ. ولعلّ الفداء هو أروع وأعلى الأمثلة على الغيرة. هذا لا يلغي الطّموح الفرديّ متى كان طريقاً حقيقياً لدفع الثّورة إلى الأمام. أمّا الانكفاء عن العمل لدواعي تقدّم الآخر، فهي أنانيّة وليست طموحاً. إنّ الثّورة تتسع لجميع مناضليها كل بحسب قدرته، وكل لدور يلعبه من أجل انتصارها.
إنّ مأسسة الثّورة ضرورة يفرضها العمل لأجل التّنظيم، وبالتّالي المسؤوليّة تكون على قاعدة التّكليف لا التّشريف. كون الثّورة العظيمة تتطلّب أخلاقاً عظيمة، كما أن أكتاف المناضلين أكتاف جبابرة، وعلى هذه الأكتاف الصّامدة الصّابرة تنتصر الثّورة. من هنا يكون التّنافس على الإدارة وليس على السّلطة هو قاعدة لمشروع واضح المعالم، بيّن السبل، نقيّ الخطوات، شفّاف كعين الشّمس.
نحن مدعوّون الآن، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، لنستعيد حالة النّقاء الثّوري، ونبرهن كل حسب قدرته على العطاء.
مدعوّون أن نستعيد ثقافتنا ومفاهيمنا من الزيف الخارجيّ.
مدعوّون أن نسترجع قوّتنا بالتّضامن والدّفاع عن بعضنا البعض.
مدعوّون للجهاد مجدداً، كون الزمن، زمن صراع، وأمّتنا بين الموت والحياة.
فلنكن أمل الأمّة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى