الجامعة الأميركانية – سياسية لا سياسية


عندما صار من المؤكد أن يتقدم الدكتور رئيف أبي اللمع لترشيح نفسه للنيابة عن بيروت نزولاً عند رغبة المتعلقين به ورده كتاب، على قول رواة ثقات متصلين به، من الجامعة الأميركانية يخيّر فيه الدكتور أبي اللمع بين مكان أستاذ في الجامعة والترشيح للنيابة.
وحجة الجامعة في هذا الموقف السياسي أنّ قانون الجامعة يحظّر التدخل في الأحزاب والحركات السياسية.
وظاهر من هذه الحجة أنّ أركان الجامعة لا يفرّقون بين النيابة عن الشعب لخدمة مصالحه والتشريع لحياته العامة وبين الأعمال السياسية البحتة. ولو أنهم كانوا يدركون الفرق بين حمل أمانة الناخبين وممارسة الحقوق المدنية من جهة والقيام بحملات سياسية لأغراض سياسية من جهة أخرى، لما وجدوا في قوانينهم حجة تمنع عضو الدولة من استعمال حقه وفعل واجبه القومي، خصوصاً وأنّ الدكتور رئيف أبي اللمع بعيد عن السياسة ولم يُعرف أنه تلوّن بألوانها. وكل ما عرف عنه أنه رجل وطني يحب مواطنيه ويريد أن يخدمهم بمواهبه العقلية من غير دخول في التحزبات السياسية.
الحقيقة أنّ الجامعة الأميركانية قد أخذت في المدة الأخيرة تتطرف بفرض أنظمة واتجاهات على التابعين لمؤسساتها وذوي العلاقة بها حتى أنها تكاد تجرّدهم من حرية الفكر والقول التي كانت الجامعة نفسها تفخر فيما مضى أنها صفة أساسية لها. ويظهر هذا التطرف بالتحيّز في تطبيق قوانين منع السياسة، فبينا نراها تحظّر على أحد اساتذتها الدكتور أبي اللمع ممارسة حقوقه المدنية الدستورية نراها تجيز للدكتور طبوريان أن يمارس هذه الحقوق عينها. وبينا هي تقبل في عداد طلبتها بعض الذين اشتركوا في حوادث مخلّة بالأمن العام وكانوا هم المحرضين عليها كالسيد عادل عسيران، إذا بها ترفض أحد طلبة الطب لأنه اشترك في مظاهرة احتجاج. وهي في الوقت نفسه تتساهل مع بعض جماعات الفكر بصورة لا قانونية وتتشدد مع جماعة فكر أخرى على شكلين قانوني ولا قانوني.
إنّ النيابة ليست سياسة فمبدأ النيابة تمثيل إرادة الشعب ومصالحه. أما السياسة فهي شيء له علاقة ثانوية بالنيابة.
وفي حين الجامعة تجاهر بالابتعاد عن السياسة، نرى بعض أساتذتها المؤيدين يحاولون أن يثبتوا لك ولي أنّ هذه المدرسة الفكرية ضد سياسة الجامعة، وأنّ تلك المدرسة الفكرية التي هي من الصنف نفسه تتفق مع سياسة الجامعة الأميركانية وأهدافها.
المعروف عن الجامعات في العالم أنّ الفكر فيها حر على أساس العلم، فتتفاعل الأفكار. لا تقاوم النظريات والآراء المتولدة من هذا التفاعل إلا بالنظريات والآراء. أما التحيّز في سياسة الطلاب ومحاولة بعض الدوائر فرض عقلية خاصة عليهم فسياسة تخرج عن الأمانة الدراسية.
وبعد كتابة ما تقدم تلقّينا من رائدنا المحلي الخبر التالي:
“تتبّعت مساء الخميس الماضي اجتماعات المرشحين المعارضين للائتلاف في بيروت وكانت متعددة متوالية وانتهت بزيارة للجامعة الأميركانية وقد علمتُ أنّ الغرض من هذه الزيارة كان للاجتماع برئيس الجامعة والبحث معه بقضية ترشيح الدكتور رئيف أبي اللمع.
وعلمت أخيراً أنّ هذا الاجتماع لم يؤدِّ إلى نتيجة مرضية…”

أنطون سعاده
النهضة، بيروت
العدد 3، 16/10/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير