السياسة الخارجية: أوروبة بين السلم والحرب

ما كادت الحرب العالمية تضع أوزارها وتختم بمعاهدة فرساي المشؤومة، حتى ابتدأت في العالم. أزمة سياسية هائلة لا مثيل لها في تاريخ الأزمات السياسية العامة السابقة. فقد خرجت أوروبة من مؤتمر الصلح وهي لا تدري حقيقة ما قامت به فيه، ولا دليل على أنها قد أدركت ذلك الآن بعد مرور إحدى عشرة سنة على انعقاد مؤتمر الصلح!

غيّر مؤتمر الصلح خريطة أوروبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغييراً شوهها كل التشويه، وأفقدها التوازن الضروري لإيجاد حالة طبيعية ثابتة تتمكن فيها الأمم من القيام بالأعمال العمرانية المفيدة التي تعود عليها بالخير العام.

ولم يحسب الحلفاء حساب روسية حين أخذوا يسوّون شؤون العالم على ما يهوون، فكان ذلك جريمة سياسية من الطراز الأول لا يمكن الباحث السياسي إغفالها حين درس العداء المستحكم بين روسية من جهة وفرنسة وبريطانية وإيطالية من جهة أخرى.

ففي مؤتمر الصلح تشبثت فرنسة بفرض غرامة حربية عظيمة تقصم ظهر ألمانية وتقضي على معنويتها إلى الأبد إذا أمكن، وإلى مدى بعيد على الأقل وقد ظن الحلفاء أنّ ذلك أفضل حل لمسألة ديونهم للولايات المتحدة ولتحسين شؤونهم الاقتصادية الخاصة. أما الآن فقد ظهر جلياً أنّ هذه المسألة تتضمن خطأً سيآسية كبيراً.

نشأ عن هذه التسوية الشاذة التي قام بها الحلفاء في مؤتمر الصلح معضلة سياسية عظيمة لعبت الدور الأكبر في التأثير على شؤون العالم الاقتصادية. وليست الأزمة الاقتصادية العامة الحالية سوى نتيجة مباشرة للمعضلة السياسية التي خلَّفها مؤتمر الصلح والمؤتمرات الأخرى التابعة له كمؤتمر سانت جرمان ومؤتمر سان ريمو.

إنّ في انفصال روسية عن أوروبة ووضع ما يزيد على مئة مليون نفس من الشعوب الأوروبية في حالة لا تتمكن معها من القيام بأود أنفسها، أسباباً كافية لإحداث أزمة اقتصادية مالية عام. فإن روسية كانت تقوم، قبل الحرب، بتموين نصف سكان أوروبة على الأقل، بالحبوب مقابل ما كانت تستهلكه منها من المصنوعات، فانقطعت منذ انعزال روسية هذه المعاملات الاقتصادية الكبيرة، وبدلاً من أن تكون روسية عاملاً في سبيل تحسين أحوال أوروبة الاقتصادية أصبحت عاملاً عظيماً على خرابها، وهي تدأب الآن ليل نهار للقضاء على نظامها المالي. وكانت ألمانية والنمسة وبلاد المجر، قبل الحرب أمماً غنية، صناعاتها وتجاراتها في ازدهار يجعلها تقوم بنصيب كبير من الأعمال الاقتصادية العامة، فضربتها التجربة السياسية التي أجريت في مؤتمر الصلح بالشلل العام، حتى لم تعد تقدر على القيام بوظائفها. وكانت النمسة أولى هذه الأمم التي اضطرت جمعية الأمم أن تعقد لها القروض المستعجلة أنقاذاً لها من الحالة السيئة التي صارت إليها حالاً على الأثر، ثم جاء دور ألمانية التي عقدت لها قروض كبيرة في الولايات المتحدة.

كان ذلك من العلاجات الوقتية الطفيفة التي تُسكِّن معظم الألم ولكنها تترك أصل الداء على حاله، وحتى هذه الساعة لم تدرك أوروبة أنّ أسباب الداء منها هي. وأنّ البحث عن العلاج يجب أن يكون فيها لا بين النجوم. فإذا لم يعقد مؤتمر يتناول الشؤون السياسية، قبل الشؤون الاقتصادية البحتة، ويسوي المشاكل السياسية تسوية عامة عادلة تسمح بالقيام بخطط تعاونية بين جميع الشعوب الأوروبية، يبقى الداء الحقيقي متأصلاً فيها وتذهب جميع العلاجات الوقتية بلا جدوى.

إذا لم تتوصل أوروبة إلى حل قضاياها الاقتصادية من وجهتها السياسية المعقدة أولاً، فالمرجح أن تجرها الأزمة العامة إلى يأس ينتهي بكارثة أعظم من كارثة سنة 1914.

إننا نرجو أن يكون هذا الخاطر قد مر ببال اللورد ردنغ، وزير خارجية بريطانية، بمناسبة زيارته باريس منذ بضعة أيام ومقابلته فيها السيد بريان والسيد لافال رئيس الوزارة الفرنسية، ونرجو أن تكون أحاديث هؤلاء الوزراء الكبار قد تناولت أصل الداء الذي تتألم منه أوروبة بأسرها ألماً مبرحاً، وأن يكون ذلك خير تمهيد لزيارة لافال الولايات المتحدة ومحادثاته مع رئيسها السيد هوفر.

إننا نشعر مع أوروبة فيما يتعلق بمخاوفها التي تمنعها من التقرب إلى روسية البلشفية، وتدرك مبلغ الخطر الشيوعي الذي يهددها. ولكننا في نفس الوقت نعلم أنّ أوروبة نفسها قد ساعدت على توطيد الشيوعية في روسية، من حيث تدري ولا تدري، وأنها تتحمل قسماً كبيراً من المسؤولية في انتشار الشيوعية في العالم عموماً وتفشيها في الأمم الأوروبية خصوصاً.

فهل بقي أمام ألمانية والنمسة إلا الشيوعية؟

وهل بقي أمام طبقات العمال والصنّاع الرازحة تحت أثقال الأزمة الاقتصادية العامة شيء تعلق عليه آمالها؟

وهل أبقت السياسة الأوروبية على شيء من الصداقة القديمة التي كانت تربط الشعب الروسي بالأمم الأوروبية؟

إنّ أوروبة تتراوح الآن بين السلم والحرب، وهي تعلم ذلك، ولكنها حتى هذه الساعة لم تجزم بترجيح إحدى الكفتين.

وسنرى ما يكون من المناورات السياسية الجديدة.

أنطون سعاده
اليوم، دمشق 
العدد 57/5، 18/10/1931

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير