بدايةُ تاريخِ سورية.. الحقيقيّ

وجدي عبد الصمد

يحتفلُ السّوريّون القوميّون الاجتماعيّون في السّادس عشر من تشرين الثّاني من كل عام في ذكرى مقدّسة وهي تأسيس الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ.
تعلمون أن انبثاق الفجر لا يكون شمساً كاملةً ونوراً مبهراً دفعةً واحدةً، انبثاق الفجر يأتي رويداً رويداً،
يأتي شعاعات خفيفةً تصارعُ السّوادَ الدّامس وتقهر الظّلام، وهكذا انبثق الحزب تماماً.
فعندما صوّر “سعاده” تأسيس الحزب في خطابه “المنهاجيّ الأوّل” بأنّه “كما ينبثق الفجر من أشدّ ساعات اللّيل حلكاً” لم يقلْ شعراً وخيالات، لم يقلْ إلّا الحقيقة المطلقة.
إنّ عمليّة تأسيس الحزب لم تحدث باحتفال جماهيري كباقي الأحزاب، حيث يقسمُ الآلاف اليمين في مهرجانٍ ضخمٍ وينطلقون في ورشة العمل، أبداً، فقد تأسس الحزب تحت طبقة الثّرثرة والصّياح، تحت طبقة الخوف والجبن، والعمالة والارتهان للدّولة الفرنسيّة المحتلّة، تأسس باتصالٍ فرديّ بين الزّعيم كصاحب دعوة وكلّ مقبلٍ عليها، تأسّس هذا الصرح العظيم حجراً حجراً، ومدماكاً مدماكاً. “وفي بدء عهد الحزب كنت أسير بنفسي أحياناً كثيرة مسافات تحت المطر لأجلب عضواً إلى اجتماع تأخّر عنه. وكنت آخذ الفرد، كما يأخذ المعماريّ الحجر، فأصرفُ ساعات وساعات في إفهامه الأمور والعقيدة الّتي أضرب لها ألف مثلٍ ومثل، وأستمر على ذلك حتّى أشعر أنّه أصبح صالحاً ليوضع في المدماك.” (من رسالة الزعيم إلى وليم بحليس في 1941/08/12).
هذا يعني أنّ السّادس عشر من تشرين الثّاني عام 1932 ليس تاريخاً محدّداً للتّأسيس، فالفجر انبثق “بين أواسط تشرين الأوّل وأواسط تشرين الثّاني من سنة 1932” (سعاده – في 1941/11/15)، وبقيت شعاعات النّور تخترقُ جدرانَ العتمة هنا وهناك خلسةً وفي السّرّ إلى أن كان البريق، حيث أعلنت الشّمس عن نفسها وسطعت أنوارها على الوطن السّوري كلّه، بل على العالم أجمع.
وقع هذا الحدث في السّادس عشر من تشرين الثّاني عام 1935 يوم انكشف أمر الحزب واقتيدَ سعاده والقيادة إلى السّجن، فاعتبر الزّعيم ذلك اليوم، ولأنّه في ذات الفترة الّتي انبثق فيها فجر النّهضة، عيد التّأسيس. وهكذا أصبح عيد التّأسيس في السادس عشر من تشرين الثّاني 1932.
ومنذ ذلك التّاريخ أصبح عيداً للّذين “اعتنقوا الإيمان القومي” نقف فيه لنتذكّر نعمة انبثاق فجر النّهضة القوميّة الاجتماعيّة، عيد بكلِّ ما للكلمة من معنى، أو “ذكرى مقدّسة” كما أسماها سعاده “إنّ السّوريّين القوميّين الّذين يدركون ويفهمون ولو بعض معنى هذه الحقائق التاريخيّة يشعرون أنّهم يقفون في هذا اليوم من كلِّ سنة أمام ذكرى مقدّسة.” (سعاده – في 1941/11/15).
بهذا المعنى نحتفل بهذا اليوم وبهذا المعنى نقول للعالم أن سورية ابتدأت اليوم عامها التّسعين، فهي، ومنذ انبثاق فجر النّهضة، بدأت تاريخها الجديد، تاريخ تعمّد بالسّجون وتقدّس بآلام الزّعيم ودمائه ودماء شهدائنا الأبطال، تاريخ ملأناه وقفات عزٍّ وأفعال غيّرت وجهه تماماً.
“منذ تلك السّاعة نقضنا بالفعل حكم التّاريخ وابتدأنا تاريخنا الصّحيح، تاريخ الحريّة والواجب والنّظام والقوّة، تاريخ الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ، تاريخ الأمّة السّوريّة الحقيقيّ.” (سعاده – الخطاب المنهاجيّ الأوّل).
نعلم أنّ في سيرنا سنواجه صعوبات عديدة، نعلم أنّنا سنُضطهد ونُسجن، سنُجرح ونستشهد.
نعلم أنّهم سيحاولون إضعافنا وتفتيتنا، سيحاولون تغيير وجهة نهجنا وسلبنا ثقتنا بأنفسنا التي زُرعت فينا. سيحاولون إطفاء نور النّهضة وإعادة الأمّة إلى ليلها، سيحاولون ضربنا في الألم تماماً، لكنهم لا يعلمون بأنّنا “نتألّم لكنّنا لا نُذلّ ولا نُسحق”.(من رسالة الزّعيم إلى وليم بحليس في 17/03/1941).
نعم، سنسير ونمضي، ونشبع التّاريخ مجداً وعزّاً، سنكتب تاريخ أمّتنا بأحرف من ذهب، ونعيد إليها حيويّتها وقوّتها وكرامتها، سنعيدها إلى مصاف الأمم الحيّة في العالم، أو… نموت ونحن نحاول.


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى