بين الهوس والتدين

رأينا مما أثبتناه في الحلقة السابقة أن القول في خلاف المسيحية والإسلام وتفضيل هذا الدين على ذلك ليس مجرد قول يقوله أحمق، بل اعتقادات شاعت في أوساط واسعة بين المسلمين والمسيحيين. وقد ذكرنا الشائعات في الأوساط الإسلامية لأن في هذه الأوساط تنتشر حركة هذا التفكير الرجعي الذي يغذيه عدد من المفكرين المسلمين الذين خلطوا الوطنية والقومية بالدين. وسنأتي، في سياق البحث، على ما وقفنا عليه من الشائعات في الأوساط المسيحية. وكون هذه المعتقدات الخاطئة ذات جذور في أوساط واسعة، ولها شبه مدرسة فكرية كان في طليعة أساتذتها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا والسيد محمد كرد علي، ومن تلامذتها المجلّين السيد شكيب أرسلان وغيره الذين يرون الرجوع إلى الدولة الدينية ويرون أن الوطنية هي النعرة الدينية عينها، يبرر كل التبرير الأهمية التي أعطيناها لحارضة رشيد سليم الخوري التي ليست في الحقيقة سوى فسيفساء أفكار التقطها، على عادته، من بعض الصحف والمجلات أو الكتب ووجد لها مجرى في بعض الأوساط. وهذه الحقيقة تكفي لإفهام الذين أظهروا إشفاقاً على «القروي» أننا لم نهتم هذا الاهتمام إلا لما هو أهم بكثير من كبح جماح مهووس بالخلود والمال.


إذا دققنا أكثر فأكثر في كلام (العروة الوثقى)1 المتعلق بغاية الدين المسيحي وغاية الدين الإسلامي ووقفنا على بُعد تأويله عن الاتجاه الصحيح المؤيد بالشواهد وعن الطريقة الاستقرائية التاريخية، على ما أوضحناه في الحلقات الأخيرة المتقدمة، تبين أنه كلام بُني على روح الحزبية الدينية أكثر كثيراً مما بُني على تدّبر القرآن والإنجيل.


إن القرآن نفسه يعدَّ الإنجيل كلاماً منزلاً، ومحصّل كلام (العروة الوثقى) أنه كتاب يعلّم الخنوع والاستسلام على ما قال الخوري بالاستناد إلى كلامها، فهل يتفق هذا الكلام مع ما فرضه القرآن على المسلمين من الإيمان بقولبه: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم}2. وهل يجوز تصور أن الله أرسل روحه إلى مريم لتلد المسيح ليعلّم الناس الذل والخنوع؟، وهل يتفق مع انطباق التعاليم الإسلامية الروحية على التعاليم المسيحية كل الانطباق كما بيّنا؟ هذا من جهة تدبّر القرآن، أما من جهة تدبّر الإنجيل فهل ينطبق الكلام المذكور على نص الإنجيل الصريح؟، وقد رأينا أنه لا ينطبق على نص الإنجيل وغرض التعليم المسيحي، كما أوضحناه بالشواهد الكثيرة، ورأينا أيضاً أنه لا ينطبق على الشواهد القرآنية العديدة التي أثبتناها في هذا البحث، ولكن تقرير هذه الحقيقة لا يعني أنه كلام غير مستند إلى بعض الآيات القرآنية وبعض تقاليد صدر الإسلام من غير تدبّر لكل ذلك كما يجب، ومن غير فهم للقواعد الاجتماعية ــــ الاقتصادية التي هي أهم من العقائد الدينية في تعيين اتجاه المجتمعات الإنسانية وتقرير مصيرها، والتي هي سبب نشوء الأمم والقوميات، ومن غير فهم لمجرى التاريخ ومن غير فهم لحقيقة الدين على الإطلاق وغير معرفة بمحله من التطور الإنساني.


الرجعة هي مذهب الرجوع إلى حال سابقة، وعندما أطلقنا على الكاتبين الكبيرين السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده نعت الرجعة لم نكن ملقين الكلام اعتباطاً، بل عنينا أنهما رجعيان بكل ما في هذه الكلمة من المعنى، لأنهما قصدا وناديا بالرجوع إلى عهد الدولة الدينية وتأسيس الدولة على الدين. فلم يعتبرا بالأحداث التاريخية العظمى التي كانت دروساً خطيرةً تنقض الشي الكثير من الاعتقادات القديمة في ما هو غرض الدين وغرض الدولة وطبيعة كل منهما، وظلا يعتقدان أن ذهاب دولة الدين لم يكن إلا لأسباب عارضة أو نسبية أو لضعف الأديان غير الإسلامية، فعلّلا تقهقر الدولة الدينية الإسلامية بضعف الإيمان أو نسيان الوعد أو بتقصير المسلمين عن الأخذ بإنماء العلوم أو بشغل أفكار عامتهم بالمغالبات الداخلية بين أمرائهم، أو غير ذلك من الأسباب الواهية المقصرة عن إدراك العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والنفسية في التطور الإنساني. وهذه العوامل هي التي لها الغلبة في الأخير.

والظاهر أنهما لم يكونا على اطلاع في ذلك ولهذا السبب أو لسبب غيره كغلبة التربية الدينية المذهبية عليهما قالا: «إن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم»1، والصحيح هو غير ذلك. وقد ظن المسيحيون أيضاً من قبل أن جنسيتهم في دينهم ولكن الواقع نقض هذا الظن ليس فقط في المسيحية، بل في الإسلام أيضاً وفي كل دين آخر. ومن أراد درس هذا الموضوع فعليه بكتاب (نشوء الأمم) تأليف سعاده، وهو كتاب في علم الاجتماع جمع أحدث الحقائق العلمية في تطور الإنسانية وأقوامها وقدّم نظريات جديدة غاية في الأهمية، وللزعيم أيضاً محاضرة في مبادىءالتربية القومية الأساسية (انظر ج 1 ص 381) عرض فيها لأسباب سقوط الجامعة الدينية في المسيحية والإسلام.


والغفلة عن التضارب الأساسي، الجوهري بين مبادىء«الجنسية الدينية» ومبادىء«الجنسية الاجتماعية» التي ظهرت بالمظهر الذي أطلق عليه اسم «القومية»، هي ما جعل كاتبي (العروة الوثقى) يعجبان «كل العجب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي (المسيحية)» (انظر مقالة «النصرانية والإسلام وأهلهما»1). فعجبهما الذي أعلناه لا يدل إلا على عدم تدبرهما أمر الدين المسيحي كما بيّنا، وعدم تدبرهما أمر الدين على الإطلاق من وجهة التاريخ الاجتماعي، لا من وجهة تقاليد أحد الأديان، وعلى عدم إدراكهما الفرق بين «الجنسية الدينية» و«الجنسية الاجتماعية». ولو أنهما أدركا الفرق بين هاتين الجنسيتين لزال عجبهما من تقدم الأمم المسيحية ومظاهر الروحية الحزبية فيها التي لا تتضارب مطلقاً مع تعاليم الدين في المسيحية. فالأمم المسيحية ما نهضت إلا بترك مبدأ «الجنسية الدينية» ومبدأ «الدولة الدينية» (التيوكراتية Theocracy ) وبالأخذ بمبدأ «الجنسية الاجتماعية» ومبدأ «الدولة القومية» من غير أن يعني ذلك التخلي عن تعاليم دينها المناقبية التي توثق أواصر وحدتها الداخلية وتجعل كل أمة منها يداً واحدةً في طلب الفلاح. والأمم الإسلامية لا تزال متأخرة، لأنها لمّا تجتز طور العمل بمبدأ «الجنسية الدينية»، وهي ما دامت متمسكة بهذا المبدأ الذي لا يتفق مع الواقع الاجتماعي فلا أمل لها بمجاراة الأمم المسيحية التي تقدمت باسم الجامعة القومية المنفصلة عن الدين، من غير أن يتخلى أي مؤمن عن دينه وتعاليمه.


إن خروج المجاميع الإسلامية إلى العمل بمبدأ «الجنسية الاجتماعية» بدلاً من مبدأ «الجنسية الدينية» قد يبدو أمراً صعباً جداً دونه ما هو أشق من خرط القتاد. أما أنه صعب وشاق فقد كان صعباً وشاقاً للمجاميع المسيحية أيضاً، بل إنه كان أصعب وأشق لأنه لم يكن لهذه المجاميع مثل تقتدي به. والمجاميع الإسلامية ترى الآن مثل الأمم الناهضة وتجد أمامها الأمم الراقية والاختراعات والفنون التي تسهّل لها ما لم يكن سهلاً للمجاميع التي تقدمتها، ومع ذلك فللمجاميع الإسلامية صعوبة من نوع آخر داخلي، من قواعد الدين، فلا يكاد مفكر إسلامي يجهر بفكر جديدة تنطبق على أصول التطور الاجتماعي حتى يهبّ زعماء الدين ينعتونه بالكفر والزندقة. وقد جرى مثل ذلك عند المسيحيين من قبل. فرؤساء الدين والمتمسكون بمبدأ «الجنسية الدينية» من المسلمين يقولون إن العمل بمبدأ «الجنسية الاجتماعية» يهدّ أركان الدين. وهم يحتجون بأن غرض الإسلام هو أن يرث المسلمون، الذين هم «العباد الصالحون» الذين يعنيهم القرآن، الأرض كلها من غير المسلمين وأن من الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تنمية ملّتهم بالميل إلى التغلب على سواهم، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }1. ويحتجون أيضاً بأن معظم أحكام دينهم موقوف إجراؤه على قوة الولاية الشرعية التي توازي السلطة الزمنية عند المسيحيين. وجميع هذه الحجج مسندة إلى آيات قرآنية وإلى السيرة المحمدية.


بناءً على هذه الحجج يحارب الرجعيون المسلمون النهضة السورية القومية القائلة إن لا نهضة للأمة السورية إلا بأخذ بمبدأ «الجنسية الاجتماعية» بدلاً من «الجنسية الدينية». وبناءً على مثل هذه الحجج يحارب الرجعيون المسيحيون هذه النهضة القومية (راجع خطاب البطريريك الماروني سنة 1937م وردّ الزعيم عليه) (انظر ج 2 ص 339).
هنا لا بد من إلقاء سؤال يفتح أمامنا باب القضية في صلبها وهو: أصحيح أن الدين الإسلامي لا يتم إلا بإعلائه على الأديان الأخرى وبيع المسلمين أنفسهم حتى يتم انتصار الإسلام ويعم العالم؟ وأن هذا هو غرضه الأساسي؟


هذا ما يظهر أن الذين فهموا الدين فهماً أولياً في حالات نشأته يعتقدون أنه الصحيح الذي لا جدال فيه، وهذا أيضاً ما ذهب إليه إمامان كبيران كالسيد الأفغاني والشيخ محمد عبده، مع العلم أنهما كانا يُحسبان من طلاب الإصلاح في الدين، وأنه كان لهما مناوئون في مقصدهما الإصلاحي الذي لم يبلغ إلى ما بلغه كاتب آخر هو [عبد الرحمن] الكواكبي الذي كان من المؤسف أن صيته لم يذهب ذهاب صيتهما. ولا نريد أن نتوسع كثيراً في هذه الشروح الآن ولا نعرض لتفاصيل مذاهب السُنَّة والشيعة والمتصوفة وغيرها في ذلك، بل نذهب رأساً إلى اعتماد الأساس وهو القرآن، كما اعتمدنا الإنجيل أساساً في كلامنا على المسيحية، وإلى فهم عوامل نشأة الدين الإسلامي وتطوره في بيئته التي هي العُربة، من غير الدخول في التفاصيل الثانوية وشروحها في المدارس الأربعة: أبي حنيفة، مالك بن أنس، محمد بن إدريس الشافعي، أحمد بن حنبل.


وقبل أن نبدأ بدرس صحة الاعتقاد المذكور آنفاً وفساده نريد أن نظهر مبلغ خطر النتيجة الحاصلة منه على النهضة القومية في سورية والأقطار العربية فنلقي هذا السؤال: إلى أين يقودنا الاعتقاد بأن صحة الديانة الإسلامية هي في محاربة أهل الأديان الأخرى حتى يدينوا بها أو يخضعوا للمسلمين، وبأن الدين المسيحي دين يعلّم أتباعه الخضوع لكل سلطان أجنبي يحكمهم؟
أإلى شي آخر غير الانشقاق الداخلي وإفناء التعاليم الدينية السامية في قتال لا نهاية له؟


إن هذا الاعتقاد الذي سنبين فساد القسم الأول منه في ما يلي، كما بيّنا فساد القسم الثاني في ما تقدم والاعتقاد الذي يقابله عند مسيحي سورية، هما وحدهما العقبة الكؤود في طريق نهضة الأمة السورية القومية. ولا شك في أن نهضة الأقطار العربية جملة، أو بقاءها في خمولها، تتوقف على نتيجة الصراع حول هذا الاعتقاد. ولما كنا قد بدأنا بتفنيد الاعتقادات الرجعية في الأوساط الإسلامية فسنتابع ذلك قبل الانتقال إلى الاعتقادات المسيحية في هذا الباب.
ولا بد لنا من العطف على ما بيّناه من فساد الاجتهاد القائل بأن الدين المسيحي يقول بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدينين به بإظهار مضاره الاجتماعية والقومية فهو تعليم مغرض وخيم العواقب:
في الدرجة الأولى تأتي النتائج الاجتماعية الوبيلة التي يمكن أن تُجمع في كلمتي: البغض والعداوة بين المسلمين والمسيحيين في الأمة الواحدة. فالمسيحيون يبغضون المسلمين، اجتماعياً، لأنهم يشعرون بمحاولة تحقيرهم بهذا الاعتقاد الفاسد. والمسلمون يبغضون المسيحيين، اجتماعياً، لأن هذا الاجتهاد الباطل يجعلهم يعتقدون أن المسيحي لا يمكنه أن يكون قومياً صحيحاً ووطنياً صادقاً، لأن تعاليم دينه، حسبما شرحها لهم الاجتهاد الفاسد، تمنعه من ذلك وتوجب عليه إباحة عرضه، فتستحكم العداوة باستحكام الاعتقادات الباطلة. والعداوة يستغلها الأجنبي المتيقظ لقوميته ومصالحها والنتيجة الأكيدة هي العبودية الحتمية التي يشترك المسلمون والمسيحيون في جريمة دفع بعضهم بعضاً إليها. وما هو السبب؟


السبب هو الاعتقادات الفاسدة والاجتهادات المغرضة من الفريقين، المبنية بدورها على اعتقادات دينية واجتهادات فقهية أو لاهوتية هي أيضاً فاسدة أو لا موجب حتمي لها من الوجهة الاجتماعية ــــ الدينية، كما سنبينه.
وهذه الوجهة القومية ــــ الاجتماعية هي أعظم الدوافع التي دفعت كاتب هذا البحث إلى تناول الموضوع ومعالجته بهذه الصراحة الكلية، ولقد قال محمد قولاً نطلب من جميع متتبعي هذا الموضوع الخطير أن يجعلوه نصب أعينهم، لأن فيه حكمة اجتماعية تسهل الشي الكثير من الصعوبات. وقوله هو: «لو تكاشفتم لما تراقبتم». وإننا نقول لجميع السوريين، مسلمين ومسيحيين: يجب عليكم أن تتكاشفوا فتعلم كل فئة ما تضمر لها الفئة الأخرى بكل ما فيه من جميل وقبيح، فإذا تكاشفتم فهو أول الطريق إلى إصلاح حالكم وإقالة عثاركم، وحلّ كل قضية يتطلب معرفة جميع أضلاعها وإلا كان حلاً فاسداً لا يثبت.


والآن نعود إلى حجج الجانب الإسلامي الرجعية التي أثارت كل هذا البحث المسهب، ولكي يكون البحث مفيداً يجب أن يكون مصنفاً وواضحاً في ترتيب متناسق، ولذلك نبدأ بالتصنيف الأساسي فنقول إن الإسلام من حيث هو عقيدة وملّة يقسم إلى قسمين: الأول هو الإسلام كدين، والثاني هو الإسلام كنظام اجتماعي ودولة.
فالإسلام من حيث هو دين يرمي إلى ثلاثة أغراض أخيرة:
1) إحلال الاعتقاد بالله الواحد محل عبادة الأصنام.
2) فرض عمل الخير وتجنب الشر.
3) تقرير خلود النفس والثواب والعقاب (الحشر).


على هذه الأغراض الأخيرة قام الإسلام كدين فهي أساس دعوة محمد وصلبها، وما تبقى فهو الأمور الشكلية التي تُتخذ وسائل لبلوغ هذه الأغراض وهي أيضاً جوهرية ولكن أهميتها نسبية من الوجه الدينية البحتة، ولكي نقتنع بأن هذه الأغراض لا تتم إلا بواسطة الديانة الإسلامية وحدها يجب علينا أن نقتنع بأن الإسلام هو الذي جاء بها وأنه هو أساسها فهل نتحقق ذلك من الوجهة التاريخية؟


إننا نتحقق العكس تماماً بشهادة الكلام القرآني نفسه الذي عزاه محمد إلى الله ، فكون الله واحداً، غير منظور، يرى كل شي قادراً على كل شي هي فكرة حملها اليهود أولاً واتخذوها عقيدة، وكذلك فكرة البعث والثواب والعقاب، وفرض عمل الخير والابتعاد عن الشر. ولكن اليهود الذين كانوا في حالة أولية وظروف خصوصية فهموا الله ووحدانيته بطريقة أولية فجعلوه أشبه شي بطوطم (Totem) أو صنم حي، غير منظور، خاص بالقبيلة الإسرائيلية التي يظهر أنه لم يكن لها طوطم أو إله خاص يرمز إلى شخصيتها، فرأوا أن تكون فكرة الله طوطمهم الخاص بهم الرامز إلى شخصيتهم أسوة بالقبائل أو الشعوب الأخرى التي احتكوا بها، ووجدوا أن الطوطمية قد تحولت عندها إلى تقديس أصنام بشرية الهيئة أو ممتزجة، وهو خطوة فوق طوطمية الحيوانات والنباتات والمادة (الطوطمية ميل نشأ عند الشعوب الفطرية لعد حيوان ما، كلب أو بقرة أو ذئب، مثلاً، أو نبات ما سنديانة أو أرزة، مثلاً، أو مادة ما، صخر أو جبل، ممثلاً، شخصية القبيلة ورامزاً لنفسيتها فيكون مقدساً عندها). انظر كتاب (نشوء الأمم). (أنظر ج3 ص 76).
رأى اليهود أن فكرة إله حي يرى ويفكر ويخلق تقوّي معنوياتهم وترهب أعداءهم لما فيها من هيبة الخفاء وقوة الحياة تجاه جمود الأصنام، فضلاً عن الضرورة الداخلية للالتجاء إلى سلطان يؤيد التشريع والحكم.


ولكن الله لم يكن عندهم أرقى كثيراً من الأصنام فكانت عبادتهم له واتصالهم به أشبه بعبادة الوثنيين الأصنام واتصالهم بها. فكانوا يشاورونه في حروبهم كما كان الوثنيون يشاورون آلهتهم في حروبهم وكان الله خاصاً بهم كما كان لكل شعب أو أمة أو قبيلة إله خاص به. فهو لهم «إله إسرائيل» أو «إله يعقوب ونسله» وهما واحد. وكما كان الصنم يحارب عن عباده أو يشير عليهم بالحرب أو السلم كذلك كان يهوه يحارب عن اليهود أو يشير عليهم بالحرب أو السلم، حسبما يرى أنه موافق مصلحة اليهود، لأنه إلهم وحدهم من دون الناس. وعلى هذه الكيفية لم تكن مرتبته أعلى كثيراً من مرتبة صنم، ووظيفته لم تكن أرقى كثيراً من وظيفة صنم. هو الذي «وساق مثل الغنم شعبه [وقادهم مثل قطيع في البرية وطرد الأمم من قدامهم»1.


ولم ترتِقِ فكرة الله عن فكرة الأصنام إلا بتعليم المسيح. فقد نسخ المسيح فكرة كون الله مختصاً بشعب دون شعب يحارب حروبه ضد الشعوب الأخرى. فصار الله في المسيحية إله جميع البشر على السواء لا يفرق بين سوري وهندي وإغريقي. ورفض المسيح أن يكون من نسل «الشعب المختار» من صلب داود ولم يبقَ في المسيحية من فضل لإنسان على إنسان إلا بالعمل بالرحمة في المجتمع والعدل في الحكم.


وفي المسيحية واليهودية على السواء فرض عمل الخير وتجنب الشر وخلود النفس والثواب والعقاب. ولكن المسيحية واليهودية اختلفتا في الخير العام فجعله اليهود مقتصراً على بني إسرائيل وأطلقته المسيحية ليشمل جميع الأمم. وبناً عليه خرجت اليهودية من الاعتبار كدين إنساني عام. وبقي اليهود في العالم الحلقة الموجودة بين الآلهة الشعوبية والإله الإنساني العام. ولكنها لم تخرج من غرض فكرة وحدانية الله وغرض فعل الخير وتجنب الشر. وإذا أخرجنا اليهودية من غرض الخير الإنساني العام فلا يمكننا إخراج المسيحية منه فإنها أساسه وفكرة خلود النفس والثواب والعقاب فيها هي فكرة واضحة ملازمة لجميع تعاليمها. فتحقيق أغراض الإسلام النهائية المذكورة آنفاً لا يكون، في الحقيقة، سوى تحقيق أغراض المسيحية عينها التي تقدمته. فالأغراض الدينية الأخيرة، إذن، ليست أغراض الإسلام وحده، فلماذا لا يمكن أن تتمّ إلا به ولماذا لا يمكن عدّها، كما هي بالفعل، مشترك بين المسيحية والإسلام تامة بوجود الدينين وبانتشارهما كل في البيئات الأكثر موافقة لتعاليمه وقبولاً لها؟


هذا السؤال يفتح مسألة النصوص القرآنية التي قلنا إن أكثر المهيمنين على الجماعات الإسلامية لا يتدبرونها أو لا يريدون أن يتدبروها، إلا وفاقاً لفكرة جامدة أوجدتها تقاليد صدر الإسلام وفتوحاته، وأكثرها مستمد من نصوص القسم الثاني من الإسلام كدولة. وإلى هذه النصوص يلجأ جميع الذين يريدون إقامة القومية على الدين كمدرسة التفكير التي أسسها السيد الأفغاني والشيخ محمد عبده.


هل يعني ذلك أن نص الرسالة القرآنية على نوعين؟
الجواب العلمي (وليس الديني) على هذا السؤال هو: نعم، إن النصوص القرآنية على نوعين ويجب أن تدرس من وجهتي الدين والدولة. وبهذه الطريقة فقط يمكن فهم الإسلام فهماً صحيحاً من الوجهة التاريخية، وبهذه الطريقة فقط يمكن الاستفادة من مرونة الإسلام لمنع جموده وتحجره كما تحجرت اليهودية.


وبهذه الطريقة يوضع حد لمشعوذي الدين فلا يستشهدون بآيات القسم الديني في غرض الدولة وبآيات القسم الدولي في غرض الدين فتتضارب أغراض الإسلام من دين ودولة كما هو حادث إلى اليوم وتضطرب سكينة المؤمنين المسلمين، الذين يجدون أنفسهم مسوقين أحياناً لتضحية بعض آيات الدين في سبيل إقامة بعض آيات الدولة، وهو الأكثر ضرراً، وأحياناً لتضحية بعض آيات الدولة في سبيل بعض آيات الدين، من غير معرفة صحيحة لما هو الواجب حسب حقيقة الدين.


هذا التحليل لا يوافق هوى الذين يريدون أن تظل عامة المسلمين جاهلة هذه الحقائق ليتمكنوا من تسييرها وفاقاً لرغائبهم الخصوصية، كما لم يوافق تحليل مسائل الدين المسيحي هوى الذين أرادوا إبقاء عامة المسيحيين جاهلة حقائق تفسد أغراضهم، فترى الرجعيين وتسمعهم يصيحون: إن هذا إلا كلام يقصد به «نقض بناء الملّة الإسلامية وتمزيقها شيعاً وأحزاباً» كما قال صاحبا (العروة الوثقى). ولكننا نقول إن معرفة الحقائق هي طريق ارتقاء الأمم الوحيدة من جميع الأديان.
هاني بعل
للبحث استئناف

(الزوبعة)، بوينُس آيرس

العدد (28)، 15/9/1941

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير