قيمة التّأسيس


د. ادمون ملحم

كُتب الكثير عن حدث تأسيس الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ الذي شكّلَ بداية تاريخ جديد في حياة الأمّة السّوريّة، تاريخ وصفه المؤسس بالتّاريخ “الصّحيح” و”الحقيقي” لأنه كان بالفعل نقضاً لحكم التّاريخ الأجنبي وأطواره القاسية التي جعلت الأمّة مشلّعة لا بل جثة هامدة لا روح فيها ولا حياة، أمّة غارقة في مستنقعات الجّهل تعاني من الضّعف والإنحلال وفقدان الثّقة والخنوع والتّبعية للإرادات الخارجية.. في ذلك الوقت، “انبثق الفجر من اللّيل وخرجت الحركة من الجمود” معبِّرة عن إرادة أمّة حيّة تريد الحياة الحرة الجميلة ومعلِّنة قيام دولتها الجديدة المرتكزة على دعائم “الحريّة والواجب والنّظام والقوّة.”

الحزب حركة شعبية:
وبهذا التّأسيس التّاريخي أراد سعاده أن يكون حزبه “حركة شعبية واسعة النّطاق” تلمُّ شمل قوات الشّباب الغارقة في أوحال الجّهل والفوضى والطّائفية وتصّهر في بوتقتها مختلف العقليات والنّفسيات الشّخصيّة لتكّون منها نفسية قوميّة إجتماعيّة واحدة لها قصد واحد وإرادة قوميّة واحدة في الحياة.. نفسية تواقة الى الخلق والعطاء والإبداع والجمال وإلى إحياء المناقب الجميلة السّامية لتحي أمّة عظيمة “حياة أجود في عالم أجمل وقيّم أعلى.” أراد سعاده حزبه أن يكون منظمة عقائدية فاعلة وحركة صراع مرتكزة على عقيدة أخلاقية جديدة هي العقيدة القوميّة الإجتماعيّة الشّاملة للمبادىء الفلسفيّة المتمحورة حول حياة الأمّة وهويّتها وقضيّتها ومصالحها.. أراده حركة هجومية تهاجم بالفكر وبالأعمال كل الأغراض الأنانيّة والطائفيّة والفوضى والإقطاع والرّأسمالية الجشعة وكل الأوضاع الفاسدة في مجتمعنا وتسعى لتحسين حياة الشّعب وتأمين مصالحه وتحقيق آماله وأحلامه بحياة حرّة وكريمة.

القضيّة القوميّة:
هذا الحزب العقائدي الذي تأسس على الأساس القومي وكوّن قضية حياة الأمّة ونهوضها وبناء مستقبلها اللائق تكويناً مكتملاً في المبادىء المناقبيّة الجديدة وحمل لواء هذه القضيّة الجامعة لكل أبناء الأمّة والمعبّرة عن إرادتها ومصالحها ومطالبها العليا ظهرَ للملأ معلناً قيامة الأمّة السّوريّة من قبرها في التّاريخ ومبتدئأ نهضتها القوميّة الجبّارة وبناء دولتها الديمقراطيّة المستقلة، الحديثة، والقادرة على توفير الخير والبحبوحة والتّقدم والإزدهار.

حزب المؤسسات القوميّة:
والعمل الإنشائي العظيم الذي قام به سعاده بعد تأسيس قضيّة الأمّة تمثّلَ بإيجاد المؤسسات القوميّة الجديدة القادرة على إدارة العمل وضمانه لتحقيق القضيّة القوميّة والسّير بها باتجاه الغايات السّامية. فهذا الحزب الذي عّرفه المؤسس بأنه “فكرة وحركة تتناولان حياة أمّة بأسرها” هو حزب مؤسسات دولة الأمّة الجديدة الصالحة لتجديد حياتها وخدمة مصلحتها بديلاً عن المؤسسات اللاقوميّة الطّائفيّة والخصوصيّة والتقليديّة العتيقة القائمة في المجتمع السّوريّ والتي تتضارب في أهدافها ومصالحها ولا تصلح لحاجات الأمّة ولتحسين حياتها وفلاحها. وأهميّة المؤسسات القوميّة الجديدة انها مرتبطة بعقيدة الحزب وغايته، ووظيفتها الأساسية هي معالجة قضايا المجتمع والنّهوض بأوضاع الشّعب وخدمة قضيّته القوميّة.. فالمؤسسات بلا قضية تخدمها لا فائدة منها ولا معنى لوجودها. ولقد أوضح سعاده ان أهم عمل أساسي قام به بعد تأسيس القضيّة القوميّة كان “إيجاد المؤسسات الصالحة لحمل مبادىء الحياة الجديدة وحفظ مطاليبها العليا وخططها الأساسية”.

غاية التّأسيس:
وفعل التّأسيس، مهما حاولنا أن نكتب عنه، فغايته الأساسيّة الواضحة هي بناء الحياة القوميّة الجديدة المثلى لأمّتنا.. هي النّهوض بهذه الأمّة من واقع تخلّفها وجُهلِها وإنقساماتها والإنتقال بها إلى المكان اللائق بها تحت الشّمس لتنعم بالحياة الراقية الجميلة، حياة العز والكرامة والحرية والسيادة والإستقلال، حياة الخير والبحبوحة والرقي والفلاح.
إن تأسيس الحزب القوميّ بما يعنيه من مبادىء مناقبية جديدة ومن تنظيم بديع ومؤسسات متنوعة توثّق مصالح المجتمع وتوحّد جهود المنتجين والعاملين للقضيّة القوميّة الإجتماعيّة وتقضي على المفاسد في المجتمع، هذا التّأسيس لا يهدف خدمة أغراض شخصية ومنافع خصوصية بل تحقيق النّهوض القوميّ والإصلاح الحقيقي في المجتمع لترتقي حياتنا القوميّة وليعود “النبوغ السّوريّ إلى عمله في إصلاح المجتمع الإنساني وترقيته.” لذلك يقول سعاده “إن في المبدأ السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ إنقاذاً لا يقتصر على سوريّة بل يتناول وضعية المجتمع الإنساني كله، ونهضتنا لا تعبر عن حاجاتنا نحن فقط بل عن حاجات إنسانيّة عامة.”

فعل التّأسيس مستمر:
فعل التّأسيس الذي بدأه سعاده قي السّادس عشر من تشرين الثّاني 1932 لتكوين جيل جديد بنفسيّة جديدة ولإطلاق الحياة القوميّة في جسم الأمّة الصّريعة “التي تعاقبت عليها الفتوحات البربريّة وقبضت عليها يد الاستعمار المنظّم، وفككتها العصبيات الدّينيّة، وقطع الرّجاء بنهوضها فساد الأخلاق وانحطاط المناقب وذهاب الثّقة..” ، هذا الفعل التّأسيسي ما زال مستمراً مع أبناء العقيدة القوميّة الاجتماعيّة الذين يصارعون في كل المواقع والسّاحات لدحر أعداء الأمّة وتثبيت سيادتها وتحقيق حياتها الجميلة الحرّة.. فهم يدافعون عن سيادتها واستقلالها وحقها في الوجود ويبذلون أنفسهم في سبيل انتصار المبادىء المعبِّرة عن حقيقتها ووجودها ومطامحها العليا في الحياة.

1- فكرة الأمّة:
وفعل التّأسيس سيبقى مستمراً لتثبيت فكرة الأمّة التي وضعها سعاده في صدر المقاصد الواضحة من غاية الحزب واعتبرها من أولويات العمل القوميّ لأنه بدون إيضاح هذه الفكرة بمعناها العلمي المستند إلى حقائق العلوم الإجتماعيّة والإنسانيّة وغرسها في عقول أبناء الشّعب، فسيبقى الوعي القوميّ غائباً وسيبقى مجموعنا القوميّ منقسماً على نفسه تتقاذفه العصبيات المذهبيّة والأحقاد الطّائفية والإرادات الأجنبيّة. يقول سعاده: “بدون تأسيس فكرة الأمّة بوضوح لا يمكن القيام بنهضة قوميّة..” ويضيف: “العمل لإيضاح فكرة الأمّة لا يزال قائماً، ولا يزال العراك قائماً في هذا الوطن على تأسيس فكرة الأمّة وسيظل العراك قائماً إلى أن يجد المجموع السّوريّ كله نفسه بمفهوم ومدلول واحد، يجمعه في شعور واحد، بنفسيته، بحقيقته، بإرادته ومقاصده العليا في الحياة.”

2- فكرة العطاء:
وفعل التّأسيس سيبقى مستمراً يُعبِّدُ طريق الصّراع ويزرع في النّفوس قيّم التّضحيّة والبذل والعطاء. “فالأمّة التي لا تعرف التّضحيّة”، يقول العلامة الدّكتور خليل سعاده، “لا تعرف الإستقلال ولا تعرف الحريّة”. لذك فأن عقيدة سعاده تغرسُ في النّفوس روح العطاء الصّادق وتدفعنا لأن “نبذل أنفسنا أفراداً في سبيل تحقيق المبادىء التي في تحقيقها تحقيق لحياة الأمّة”. إن العطاء الحقيقيّ هو تضحيّة وتفاني في سبيل خير المجتمع ورقيه. وسعاده يؤكد أن “كل ما فينا هو من الأمّة وكل ما فينا هو للأمّة، الدّماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكنا هي وديعة الأمّة فينا ومتى طلبتها وجدتها”.
بهذا التّعليم المناقبي وبوقفة العز في الثّامن من تموز، علّمنا سعاده القدوة معنى الحياة وعلَّمنا أن نعتمد البطولة المؤمنة وان نسلك طريقَ الصّراع لكي ينتصرَ الحقُ وينهزمَ الباطلُ لأنَ الغلبةَ في النّهاية هي للمصارعين أبناءِ الحياةِ وليست للمتخاذلينَ الرّافضين الصّراع والمعتمدينَ نهجَ الإستسلامِ والتّنازلِ عن الأرض والحقوق.

3- فكرة الثّقة:
الحياة القوميّة الجديدة المثلى التي حصل من أجلها التّأسيس تقوم على ركيزة متينة ألا وهي الثّقة. فكما يقول سعاده: “إن مبدأً أساسياً من مبادىء الحزب السّوريّ القوميّ المناقبيّة هو مبدأ الثّقة. فعلى أساس الثّقة تقوم حركتنا وبالثّقة نعمل.” والحقّ يقال أن الثّقة هي من أجمل الأخلاق وأشرفها. فهي شرط أساسي لنجاح الجماعات والمؤسسات ولتقدم الأمم. وهذا الشرط يمنح نظام الهيئة الإجتماعيّة قوّة ومتانة ويقوي وحدة الجماعة وتماسكها ويدفع بالأفراد المؤمنين للعطاء والتّضحيّة في سبيل قضيّتهم المشتركة. ومتى أصيبت الثّقة بالضعف أو المرض، أدى ذلك إلى تضعضع الجماعة وتفككها. فبغياب الثّقة يسيطر الشّك وتعم البلبلة ويضعف الإيمان وتغيب التّضحيّة وتتسلط النّزاعات الفردية عل حساب المصلحة العامّة. والتّضحيّة لا تبذل بدون الثّقة، ثقة الشّعب بنفسه، بقيادته، وبالقضيّة التي يناضل من أجلها.
لذلك فأن الفلسفة القوميّة الاجتماعيّة تعلّمنا ان نثق بأنفسنا وقدراتنا لتحقيق طموحاتنا. “ليست القوميّة”، يقول سعاده، “إلا ثقة القوم بأنفسهم وإعتماد الامّة على نفسها”.
ولأن الثّقة هي حجر الأساس في عملية البناء القوميّ لا بل لحمة البناء وطينه، فالمطلوب العمل على زرعها في النّفوس وتعزيزها وتوفير كل شروطها ومستلزماتها. المطلوب أن نزرع الثّقة المرتكزة على النّظام الدّقيق والصّراحة الكليّة والجلاء التّام..
فتعالوا نعزز الثّقة بالوضوح والجلاء والقدوة والعمل المثمر..
تعالوا نعزز الثّقة وروح العطاء من خلال التّعقدن بالتّعاليم القوميّة الاجتماعيّة وأخلاقها التي نجد فيها كل الحق وكل الخير وكل الجمال لأمتنا. فالنّهوض الحقيقيّ لا يكون إلا ﺒ “الخروج من التّفسخ والتّضارب والشّك إلى الوضوح والجلاء والثّقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة”. هذا هو معنى النّهضة لنا كما يحدده سعاده.
تعالو نعزز الثّقة بزرع بذور اليقين والإيمان والوجدان القوميّ وبتعميق الثّقافة القوميّة الاجتماعيّة، ثقافة الواجب القوميّ والوحدة الرّوحية والإرادة الواحدة، ثقافة العطاء والتّضحيّة والإخلاص، ثقافة الإصلاح والأمل والإنتصار.
بروح العطاء وبالثّقة ننهض ونبني وطناً وحياة كريمة تليق بالشّرفاء والأحرار… وبالثّقة وحدها نحقق النّجاح والرّقي والنّصر الذي لا مفر منه. أمّا إذا غابت الثّقة عن مجموعنا، فلن نحقق إلا الفشل والمآسي…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى