مباحث عمرانية – نظام الحكومات

لا يُغتفر اليوم لأحد، عالِماً كان أو بسيطاً، أن يجهل تركيب الحكومات الراقية ونظامها. فكل واحد من الناس يعتبر نفسه واحداً من المجموع الذي ينتمي إليه، يجب أن يكون على بيّنة من أمر الحكومات التي يطالع أخبار مناقشاتها البرلمانية وانقسامات أحزابها السياسية لكي يتمكن من فهم الشؤون الدولية الأولية التي لا غنى لكل من يريد أن يعيش ويسير في النور عن معرفتها، لما لها من التأثير في حياة الشعوب والأمم الاستقلالية.

ومتى كانت أمة قائمة بنهضة إستقلالية جديدة مثلنا نحن السوريين، كان من أهم واجباتها أن تّعنى بدرس نظام الحكومات الراقية الذي يختلف باختلاف الشعوب والبلدان. وقليلون منا يدركون أنّ نظام الحكومات. جمهورية كانت أو ملكية، يختلف في البلاد الواحدة عن غيرها من البلدان. لذلك رأينا أن نأتي في هذا العدد على تركيب أهم الحكومات التي هي في مقدمة حكومات العالم.

الحكومة البريطانية:

رأس الامبراطورية البريطانية هي «الملك والامبراطور الحاكم». ولكن كتاب «السياسي السنوي»، الذي نستند إليه في تدوين هذه الحقائق، يفيدنا أنّ السلطة التشريعية العليا منوطة بــ«البرلمان»، فالرئيس الحالي الحقيقي للحكومة البريطانية هو رئيس الوزارة. ورئاسة الوزارة بمعناها الحالي ليست من المناصب القديمة في نظام الحكومة البريطانية. بل هي، كما يقول الشريف كليف بغهان في كتاب «رؤساء وزارات بريطانية»، نظام جديد عصري. ففي زمن الملوك النورمانيين وسواهم كان الملك نفسه يدير حكومة البلاد بمعاونة ونصائح مجلسه. ويقول صاحب الكتاب المشار إليه بشأن النظام الحالي ما يأتي:
«إنّ رئيس الوزارة، فضلاً عن كونه قائد الحكومة ومجلس التشريع الذي فيه كرسيه، هو بصفة تكاد تكون دائمة قائد أحد الأحزاب السياسية الرئيسية أو قائد قسم منه. وهذا يعرض [يفرض] عليه واجبات تتميز تماماً عن واجبات مجلسه. لذلك لا يندر أن تتعاكس الفكرتان. فمن الوجهة الواحدة هو القيّم على مبادىء معاضديه الذين ساعدوا على وضعه في المركز الذي هو فيه، والذين هم وحدهم يتمكنون من إبقائه فيه. ومن الوجهة الأخرى هو المسؤول أمام التاج عن إدارة المسائل العمومية. فإذا نقض هو الثقة الموضوعة فيه من أحد هذين الفريقين يجب أن يقدرّ الثمن الذي يدفعه… يوجد مركز واحد يتمكن رئيس الوزارة من تثبيته لنفسه إذا قام هو بما عهد إليه بأمانة وهو المركز الأول بعد ملكه من الاعتبار في أعين مواطنيه. وهذا إذا تمكن هو منه ينكر عليه دائماً،
وإن يكن هنالك بعض من بلغوا تلك الدرجة من المحبة التي تظهر في الكتابات الوطنية مثل «بيلي بت» و«الدوق» وغير ذلك».

يتألف البرلمان من مجلسي التشريع وهما مجلس اللوردات ومجلس العموم. ومدة التئام البرلمان السنوية كانت سابقاً بين منتصف شهر فبراير/شباط ومنتصف شهر أغسطس/آب. ولكن منذ سنة 1914 أصبحت جلسات البرلمان لا تنقطع إلا في فرص قصيرة. كل جلسة يجب أن تنتهي بإعطاء فرصة، وكل التقارير التي لم يصادق عليها في الجلسة يجري البحث فيها مرة أخرى بعد الفرصة.

والبرلمان يُفضّ إما عملاً بمشيئة الملك وإما أثناء العطلة بناءً على استدعاء، وهو الأكثر حدوثاً، وإما بعد انتهاء المدة. والمدة القانونية لبقاء أي برلمان لا تزيد على خمس سنوات. ويتألف مجلس اللوردات من الأمراء والأشراف الذين يحفظون كراسيهم: أولاً بحقوق الوراثة، ثانياً بإنعام الملك، ثالثاً بالأهلية للمجلس، اللوردات القانونيون ورؤساء الأساقفة الإنكليز (2) والأساقفة (24). رابعاً بالانتخاب لمدة الحياة، أشراف إيرلنديون (28). خامساً بالانتخاب لمدة البرلمان، أشراف إسكوتلنديون (16). والمجلس بكامله يتألف من 740 عضواً، ولكن قوة التصويت تكون نحو 720.

أما مجلس العموم فيتألف من أعضاء يمثلون الولايات والمقاطعات ومنتخبي الجامعات. وما نعلمه هو أنه لا يجوز لمن هو دون الحادية والعشرين أن يكون عضواً فيه. ويحرم من حق العضوية في هذا المجلس خَدَمة الدين من الكنيسة الإنكليزية وقسس الكنيسة الإسكوتلندية وخَدَمة الكنيسة الكاثوليكية. ويُحرم أيضاً من هذا الحق مقاولو الحكومة ومأمورو الأحكام المدنية والضباط المعادون إلى الأماكن التي يقومون بواجباتهم فيها. ولا يمكن أن يُنتخب شريف إنكليزي أو إسكوتلندي لمجلس العموم، ولكن الأشراف الإيرلنديين غير الممثلين يصلحون لذلك. ومنذ سنة 1918 صار يحق للنساء الدخول في عضوية هذا المجلس. والمرأة الأولى التي صارت عضواً فيه نالت كرسيها في ديسمبر/كانون الأول سنة 1919.

الحكومة الفرنسية:

رأس الحكومة الفرنسية هو رئيس الجمهورية. بيد أنّ شريعة الدستور تضع السلطة التشريعية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ اللذين يتألف منهما البرلمان، والسلطة التنفيذية في رئيس الجمهورية والوزارة. والأهم في الحكومة الفعلية هو رئيس الوزارة. يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة سبع سنين بأكثرية ساحقة من مجلس الشيوخ ومجلس النواب متّحِدَين في مجمع وطني. ويقوم رئيس الجمهورية بإعلان القوانين المصادق عليها من المجلسين ويضمن تنفيذها، ويقوم أيضاً بانتخاب وزارة من المجلسين يوكل إلى كل وزير منها دائرة من دوائر الحكومة مثل الشؤون الخارجية والداخلية والعدلية والحربية، الخ. ويمكن رئيس الجمهورية أن يطلب مثلاً وضع قائد حربي في وزارة الحربية وأميرال في وزارة البحرية، في حين أنه قد ينتخب رجلاً مدنياً ليكون وزير الخارجية. كل وزير مسؤول أمام المجلسين عن الأعمال التي يقوم بها. والوزارة كلها مسؤولة عن السياسة العامة التي تسير بموجبها الحكومة.

لا يمكن رئيس الجمهورية أن يعلن حرباً بدون موافقة المجلسين. وكل عمل يقوم هو به يجب أن يكون مصادقاً عليه من وزير ما. ولكن يمكنه بعد موافقة مجلس الشيوخ أن يحلِّ مجلس النواب. وعندما يخلو كرسي الرئاسة، ينتخب المجلسان مجتمعين رئيساً جديداً. رئيس الوزارة هو الذي ينتخب الوزراء الذين يرافقونه بالاتفاق مع رئيس الجمهورية. أما فيما يختص بانتخاب النواب والشيوخ فنأخذ عن كتاب «السياسي السنوي» ما يأتي:
يُنتخب مجلس النواب لمدة أربع سنوات بتصويت من الرجال. وكل فرد بالغ من العمر الحادية والعشرين وليس حالاً في الخدمة الجندية، ويتمكن من إثبات الإقامة مدة ستة أشهر في بلدة أو ولاية وليس من الذين لا صلاحية لهم، له حق التصويت. والنواب يجب أن يكونوا من الرعايا البالغين لا أقل من الخامسة والعشرين من العمر، وعددهم الكامل 577 نائباً.

أما مجلس الشيوخ فيتألف من 314 عضواً منتخبين لمدة تسع سنين من رعايا بالغين من العمر أربعين سنة، يرتاح الثلث الواحد منهم كل ثلاث سنوات. ولا يكون انتخاب الشيوخ مباشرة بل بواسطة هيئة إنتخابية مؤلفة أولاً: من وفود المجالس البلدية لكل «كومون» على نسبة عدد السكان، وثانياً من النواب والمستشارين العامين والمستشارين المحليين في الدائرة. وزيادة على الشيوخ الذين ينتخبون على هذه الكيفية، ينتخب بموجب شريعة سنة 1875، سبعة وخمسون شيخاً لمدة الحياة ويكون انتخابهم بواسطة المجلسين معاً. ولكن مجلس الشيوخ أصدر قراراً في سنة 1884 يقضي بأن يُملأ الفراغ الذي يحدث بين الشيوخ المنتخبين لمدة الحياة بانتخاب شيوخ عاديين لمدة تسع سنوات فقط، والدائرة التي يحق لها نوال الكرسي الفارغ تعيّن بالقرعة. ويُحرم من الجلوس في أحد هذين المجلسين أمراء الحكومات المخلوعة. ولفرنسة نظام خاص بإقامة مجلس ثالث هو مجلس الشورى الذي ابتدأ منذ أيام نابليون الأول. ووظيفة هذا المجلس هي أن يُبدي آراءه في الشؤون الإدارية ويعد القوانين والقواعد للإدارة العمومية.

حكومة الولايات المتحدة:

تتشابه الحكومات الجمهورية من حيث القصد منها، ولكنها تختلف من حيث الأساليب. حكومة الولايات المتحدة حكومة جمهورية مثل حكومة فرنسة، ولكنها تختلف عن هذه قليلاً في الصلاحيات والتشكيل. رأس حكومة الولايات المتحدة هو رئيس الجمهورية، وهو القائد الحقيقي للحكومة إذ له من السلطة واتساع الصلاحية ما يعادل سلطة وصلاحية رئيس الوزارة في البلدان الأخرى. وأعباء الحكومة ملقاة على الرئيس ومجلس النواب والمجلس الأعلى، وهذان المجلسان يقابلان مجلس النواب ومجلس الشيوخ في فرنسة، ويختلفان عن هذين قليلاً في كيفية الانتخاب. يُنتخب رئيس الجمهورية من مصوتي البلاد. وفي الولايات المتحدة اليوم ثلاثة أحزاب، وهم الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي والحزب الحر، وهذا الأخير نشأ في هذه السنة. وكل من هذه الأحزاب يرشح رجلين من قبله الواحد لرئاسة الجمهورية والآخر لنيابة الرئاسة، ثم يجري التصويت في كل البلاد. والحزب الأقوى والمرغوب أكثر هو الذي يربح مرشحاه. والانتخاب في الولايات المتحدة غير مباشر.

يقوم رئيس الجمهورية بأعباء إدارة الحكومة تبعاً لمساق حزبه الذي ائتمنه وانتخبه. ولكنه لا يتمكن من تنفيذ مسألة من المسائل الدقيقة كمسألة إعلان الحرب وما شاكل إلا بعد مصادقة المجلسين. وينتخب الرئيس لمدة أربع سنوات وهي مدة الحكومة. والوزارة في الولايات المتحدة هي كغيرها من الوزارات في البلدان الأخرى.

الحكومة الألمانية:

بناءً على تنازل الامبراطور الألماني في 9 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1918، أصبحت ألمانية جمهورية يرأسها رئيس الجمهورية الذي ينتخب من الشعب الألماني كله لمدة سبع سنوات. والرئيس الأول للجمهورية الألمانية هو فريدريك أبرت الذي تنتهي مدة رئاسته في 30 يونيو/حزيران سنة 1925. وللحكومة الألمانية مركزان رئيسيان آخران هما المجلس المسمى «ريخشتاغ»، وهو مجلس متشرعين منتخبين بصورة عامة، ومجلس شورى الامبراطورية أو ما يسمونه «ريخشرات» تمثل فيهما البلاد من مختلف ولاياتها ومقاطعاتها. وكل التقارير التي ترسل إلى الريخشتاغ يجب أن يكون مصادقاً عليها من الريخشرات. ومما جاء أيضاً في كتاب «السياسي السنوي» أنّ مبدأ «الرفرندوم»، أو رسالة السفير، منصوص عليه في القانون الأساسي أنّ كل الألمان متساوون أمام الشريعة. ويزيل كل الامتيازات أو عدم الصلاحيات في الوراثة أو الطبقة أو المعتقد. وحرية الخطابة والصحافة مضمونة وكذلك حق الاجتماعات. وأعضاء المجلس التشريعي أو الريخشتاغ ينتخبون لمدة أربع سنوات بتصويت عمومي متساوٍ مباشر سري من الذكور والإناث على الطريقة النسبية. ومسألة إعلان الحرب وتصديق السلام يعمل فيها بموجب قانون من الجمهورية. والوزارة التي يعهد إليها العمل رئيس الجمهورية يجب أن تحصل على مصادقة الريخشتاغ.

يتألف الريخشرات من 66 عضواً (لبروسية 26، ولبافاريا 10، ولسكسونيا 7، ولفورتمبرغ 4، ولبادن 3، وللولايات الأخرى 16). والريخ أو الامبراطورية تتألف من 18 ولاية. ويوجب القانون الأساسي على كل ولاية داخلة في الاتحاد أن يكون لها دستور جمهوري يجعل التصويت عاماً متساوياً مباشراً سرياً بملء حرية الذكور والإناث وعلى الطريقة النسبية. وفضلاً عما تقدم فإن القانون الأساسي للجمهورية يجعل العلاقات الخارجية والدفاع الوطني والرسوم والضرائب وأعمال الخطوط الحديدية مسائل من شأن الحكومة الاتحادية.

أنطون سعاده
المجلة، سان باولو
السنة 10، الجزء 8، 1/9/1924

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير