مسائل السياسة القومية – الرد على خطاب البطريرك الماروني 4


8 ـ الاجتماع
يتقدم بنا غبطة البطريرك من باب الحقوق المدنية والسياسية إلى باب الاجتماع فيطرقه بعنوان “البغاء”.
في هذا الباب يبني لنا غبطته الاجتماع على الدين فيقول: “الزواج هو ترتيب إلهي غايته إيجاد ألفة بشرية وحفظ النسل البشري”. ثم يورد غبطته هذه العبارة المطلقة:”والإحصاء يثبت لنا أنّ بين الذكور والإناث نسبة تكاد تكون متساوية، لأن الذكور هم أكثر من الإناث بنحو العشر. فيتلخص من ذلك أنّ الذكر من الإنسان لا يكون له إلا امراة واحدة والأنثى لا يكون لها إلا ذكر واحد”، بصرف النظر عن زيادة العشر من الذكور.
في المطلقات والعموميات يصبح الكلام سهلاً جداً ويهون إيجاد الحلول الكلامية وتنعكس الآية متى بدأ المرء ينزل من جو المطلقات إلى أرض الحقيقة الواقعة.
فإذا سلّمنا بأن الثابت من الإحصاء هو ما ذكره غبطته، وصرفنا النظر عن الإحصاءات الموضوعة لكل بلاد على حدة في مختلف الظروف، وأخذنا مئة وعشرة رجال لمئة امرأة وتزوج مئة رجل المئة من النساء، فكيف تنحلّ معضلة العشرة من الرجال الذين لا نساء لهم؟
ومع أنّ مسألة الزواج لم تعد في عصرنا هذا مسألة مجرّد ذكورة وأنوثة، بل مسالة معقدة تدخل فيها عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية عديدة، فإننا نريد جدلاً أن نقتصر على الوجهة العددية من الموضوع. فالإحصاءات بعد الحرب تسجل اختلالاً كبيراً في الموازنات العددية بين الذكور والإناث، فلا يكون لكل رجل امرأة ولا يكون لكل امراة رجل، فيختل الترتيب الإلهي وتضطرب الألفة البشرية.
وما كان أغنى غبطته عن الدخول في باب الإحصاءات لتشجيع الزواج ومقاومة البغاء. فلو اقتصر على بيان مضار البغاء الأخلاقية والنفسية، فضلاً عن المضار الجسدية والمادية، مع بيان فضائل الزواج والعائلة، لوفى الموضوع حقه في هذا الباب. ولم يفتح قضية الأحوال الشخصية من أساسها، ومعضلة الاجتماع الكبرى التي نواجهها في بلادنا وعندنا من أسبابها الشيء الكثير المستمد من تقاليدنا الاجتماعية وجمودنا السياسي والاجتماعي وظروفنا الاقتصادية، وما ينطوي تحت ذلك من أسباب فرعية كالمهاجرة وتقييد الحريات الاجتماعية وتقاليد الزواج من صدقة ومهر وما إلى ذلك.
إننا نرى رأي غبطته في فساد البغاء ولكننا لا نرى العلاج الذي يصفه كافياً لاستئصال الفساد. فالتطهر من البغاء لا يتم “بالمنع”، بل بإعادة النظر في الشيء الكثير من أحوالنا الاجتماعية وتعديل شؤوننا الاجتماعية والاقتصادية وإيجاد التربية الصحيحة، خصوصاً التربية القومية التي تغرس الفضائل القومية في النفوس وتهيىء الأسباب الكافية لرفع المجتمع إلى مستوى أفضل من مستواه الحالي من الوجهة الاجتماعية والمناقبية. وهذا من جملة الشؤون الهامة التي تعنى بمعالجتها الثقافية القومية، التي جاء بها الحزب القومي.
9 ـ التربية القومية
يقول غبطة البطريرك بوجوب العناية بالتربية التي يجعلها موضوعه الثامن بعنوان: “التربية الوطنية”. وفي هذا الباب يبتدىء غبطته بقاعدة مطلقة كقوله: “إنّ الطفل يخلق خالي المعرفة من كل شيء”. ويأخذ عن مار أفرام السوري شكره لله على ولادته في بيت أهله مسيحيون ليخرج مسيحياً، ليدل على مبلغ تأثير التربية ونتائجها. وقول غبطته إنّ من تربى في وسط مسيحيي ينشأ ويبقى مسيحياً، ومن تربى في وسط إسلامي ينشأ ويبقى مسلماً، يوافق قول الشاعر السوري الخالد المعري القائل:
وينشأ ناشىء الفتيان منا
على ما كان عودّه أبوه
وطفل الفارسي له ولاة
بأفعال التمجّس درّبوه
وغبطته يريد أن تبقى التربية القومية مقسمة بين الأديان المتعددة. ويقول إنه لا يجوز للحكومة أن تؤسس أو تشجع تأسيس مدارس لا دينية، أي علمانية. وإنه يجب على الحكومة أن تكِلَ لرجال الدين التعليم المدني أيضاً. فنخرج من نصائح غبطته بتربية دينية، مذهبية، طائفية، لا قومية تزيد مصائب الميعان القومي النازلة بنا، فلا نكون أمة واحدة مطلقاً، ويظل مصيرنا مربوطاً باستفادة الأجنبي من انقساماتنا الدينية.
ثم ينتقل غبطته في الباب نفسه إلى معالجة مسألة التعليم من وجهة دينية بحتة فيسمح لنفسه أن “يضحك من اعتراض بعضهم على المنح المدرسية”، ويختم باب “التربية الوطنية” بهذه الصورة الدينية الرائعة:
“فالمسيحيون يجوزون عن المنح المدرسية إذا كانوا ينصفونهم في غيرها وهم لا يرومون إلا عدلاً في توزيع المنافع العامة. وإذا سكتوا وغيرهم ضج فسكوتهم لا يُعدُّ رضى واكتفاء بما لهم. وضجيج الغير لا يعبّر عن حقوق مبخوسة، بل عن زيادة في الطمع وعن قحة لا تعرف الخجل”.
10 ـ الختام
يختم غبطة البطريرك خطابه بتلخيص المطالب التي عرض لها في خطابه وما يعدّه واجبات الحكومة التي يقتصر على ما ذكره منها ويهمل “واجبات أخرى” لا لسبب جوهري في مثل هذا الموقف، بل “حذراً من ملل السامعين”. ثم يبدي خشية من ذهاب نصائح غبطته في سبيل النصائح السابقة ورجاء أن تكون نصائحه هذه المرة ذات فاعلية لدى أرباب الأمر “إذا كانوا يريدون نجاحهم المستمر وخير الشعب”.
يا صاحب الغبطة
ترون من تشريحنا خطابكم مبلغ الفرق العظيم بين معالجة الشؤون الروحية، التي انحطت كثيراً هذه الأيام من إهمال رجال الدين العمل ضمن نطاق اختصاصهم واهتمامهم بأمور الدولة، ومعالجة الشؤون الزمنية التي تتطلب اختصاصاً غير اختصاص رجال الدين.
وقد رأينا، يا صاحب الغبطة، أنكم دافعتم عن أحزاب، ولدت عند رتاج المقام البطريركي، مستعدة لتكون دائماً صنيعة المشيئة الدينية في أمور الدولة. فهي لا تترك فرصة تمرّ إلا وأظهرت تمسكها بمقامكن. إننا نترك لغبطتكم تقدير مبلغ الرجاء بهذه الأحزاب.
ثم إنكم، يا صاحب الغبطة، هاجمتم، في خطابكم، حزبين: الواحد منهما حر منذ ولادته لا يخضع ولا يخنع، لأن رسالته هي رسالة القوة والنصر، هو الحزب السوري القومي، الذي لم تكن حملتكم هذه عليه أول حملة مقدسة تسوقونها ضده، وتشرّف بمواجهة الاضطهادات من كل لون وصنف في سبيل الضعف والاستسلام والانقياد للإرادات الأجنبية.
إنّ الحزب العبد قد أعلن خضوعه بعد حملة غبطتكم عليه ، لأنه لا ثقة له بنفسه، فإذا شئتم أن تضموا بين طيات أثوابكم أفاعٍ سامة لا تدرون متى تنفث سمومها بكم فضموا الشيوعيين إليكم وأقبلوا خضوعهم وأشملوهم برعايتكم.
أما الحزب الحر فيظل يناضل في سبيل الحق حتى يتم له النصر. وبانتصار الحزب الحر لا خوف على الذين يعملون الصلاح ولا هم يحزنون.

أنطون سعاده

النهضة،بيروت
العدد 61، 14/12/1937

وملحق العدد 61، 25/12/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير