مشروع موازنة 2022: موازنة الضّرائب بامتياز وتقويض القدرة الحياتيّة

عميد الاقتصاد الرّفيق فادي قانصو

إن إقرار موازنة عامّة يُعدّ حاجة ملحّة لانتظام الماليّة العامّة في اقتصاديّات الدّول، ويحمل في طيّاته بلا أدنى شكّ إشارات مؤاتية للأسواق وللمستثمرين ويساهم في تعزيز عامل ثقة المواطنين والعالم الخارجيّ بالاقتصاد الوطنيّ. إلّا أنّ الموازنة العامّة في المطلق ليست فقط وسيلة لحصر احتياجات الحكومة وإيراداتها، أو ما يعرف بجردة حساب، بل لها وظائف جوهريّة أخرى وبالأخصّ ينبغي أن تكون وسيلة لضبط السّياسة الماليّة للبلاد ولتحقيق أهداف الدّولة وتنفيذ سياساتها الاقتصاديّة. وتكمن أهميّة الموازنة العامّة في دورها كأداة رئيسيّة للتّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ويشكّل إعدادها رافداً أساسيّاً في الجهد التّنمويّ وفي تلمّس احتياجات الدّولة ومواطنيها. أضف إلى ذلك، إنّ إقرار موازنة عامّة بحدّ ذاته ليس كافٍ إذ يجب أن تتضمّن مساراً من الإصلاحات الهيكليّة، الاقتصاديّة منها والماليّة والإداريّة، والّتي من شأنها أن تعزّز النّمو الاقتصاديّ وتحفّز كلّ من الإنتاجيّة والعجلة الاقتصاديّة وتحدّ بالتّالي من الاختلالات القائمة على صعيد القطاعات الاقتصاديّة كافّة.

من هنا، لا شكّ في أن إعداد مشروع موازنة في الكيان اللّبناني يشكّل في حدّ ذاته تطوّراً جيّداً، ومطلباً اقتصاديّاً، وإلّا فسنعود إلى الإنفاق على قاعدة الإثني عشريّة الّتي أوجدت فوضى ماليّة ملحوظة منذ العام 2006، حين كان يُدار البلد بدون موازنة عامّة. في هذا السّياق، تنعقد الحكومة اللّبنانية يوم الاثنين في 24 كانون الثّاني الجاري من أجل بدء التّمهيد لبحث بنود الموازنة لعام 2022، والّتي بلغت فيها قيمة النّفقات نحو 49,416 مليار ليرة (أي ما يقارب 2.1 مليار دولار وفق سعر صرف السوق)، بزيادة قدرها 30,844 مليار ليرة مقارنة مع مشروع موازنة 2021 (من ما يقارب 18.6 مليار دولار على أساس سعر صرف الـ1,500). أما الإيرادات العامّة فبلغت 39,154 مليار ليرة (أي ما يقارب 1.7 مليار دولار وفق سعر صرف السوق) بزيادة قيمتها 25,582 مليار ليرة عن مشروع موازنة 2021 (من ما يقارب 9.0 مليار دولار على أساس سعر صرف الـ1,500). عليه، يبلغ عجز الموازنة المقترحة نحو 10,262 مليار ليرة مقابل 4,687 ملياراً في مشروع موازنة 2021. وإذا أُضيفت سلفة الخزينة لمؤسسة كهرباء لبنان المحدّدة بــ5250 مليار ليرة كحدّ أقصى، فإنّ عجز الموازنة يصبح 15,512 مليار ليرة، أي ما يوازي 31% من الموازنة.

في قراءة أوليّة لمشروع الموازنة العامّة المؤلف من 1,282 صفحة، يبتيّن لنا أنّها موازنة بعيدة كلّ البعد، من حيث الشّكل والمضمون، عن موازنة بلد على شفير الإفلاس، وكأنّ من صاغ المشروع تناسى تماماً حدّة الأزمة الاقتصاديّة وتداعياتها على الواقع الحياتيّ المؤلم، لا بل تتضمّن هذه الموازنة عدد كبير من البنود الضّريبيّة التي من شأنها أنّ ترفع أسعار السّلع والخدمات الأساسيّة وبالتّالي المزيد من إفقار النّاس في ظلّ حرمانهم من أيّ شبكة أمان اجتماعيّ ومن دون الاهتمام بتأمين الاحتياجات الرّئيسيّة اللّازمة لأبسط مقوّمات الحياة.

في التّفاصيل، أولاً، إنّ موازنة 2022 هي موازنة الضّرائب والرّسوم بامتياز، قد لا تتضمّن هذه الموازنة الكثير من الضّرائب الجديدة ولكن تعديلها عبر رفع سعر الدّولار الضّريبيّ إلى ما بين 15 و20 يشكّل بحدّ ذاته جريمة اقتصاديّة في وقت يعاني الاقتصاد من انكماش حادّ، ما يعني المزيد من التّضخم المفرط في أسعار السّلع والخدمات والمزيد من التآكل في القدرة الشّرائيّة، وكأن المواطنين لا يكفيهم نسب تضخّم تجاوزت الـ500% خلال العامين المنصرمين، وفق أرقام الإحصاء المركزيّ، ما جعل لبنان يحتلّ المرتبة الثّالثة عالمياً بعد فنزويلا وزيمبابوي. أبرز الإجراءات الضّريبية الّتي قد تنعكس ارتفاعاً في أسعار السّلع تتضمّن ما يلي:

  • فرض رسوم جمركيّة بنسبة 10% على البضائع والسّلع الّتي يصنع لها مثيل في لبنان، فرض رسم بنسبة 3% على واردات السّلع الخاضعة لضريبة القيمة المضافة باستثناء البنزين لمدة عشر سنوات، ما من شأن ذلك أن يؤدي إلى مزيد من الزيادة على الأسعار وخاصّةً أن الرّسوم الجمركيّة ستخضع أساساً إلى زيادة كبيرة في تحديد سعر الصّرف عليها، ما سينذر بتفلّت كبير في الأسعار وخاصةً في غياب الرّقابة الفعليّة على آليّة التّسعير المعتمدة.
  • زيادة التّنزيل السّكنيّ على ضريبة إيرادات الأملاك المبنيّة لغاية 40 مليون ليرة، زيادة شطور ضريبة إيرادات الأملاك المبنيّة وتعديل معدّلات الضّريبة، رفع رسم التفرّغ والانتقال، زيادة كلّ من رسوم الطّابع المالي على المعاملات ورسوم خروج المسافرين ورسوم جوازات السّفر ورسوم المرافئ والمطارات، وغيرها من الرّسوم الأخرى.

ثانياً، ينبغي ألّا تفرض الموازنة إجراءات ضريبيّة في غياب رؤية إصلاحيّة طويلة الأمد للتّصحيح الماليّ، إذ أنّ رفع الضّرائب في خضمّ ركود اقتصادي حادّ وقبل تفعيل العجلة الإنتاجيّة، يعتبر غير مجدي على صعيد عمليّة التّحصيل، فكثرة الضّرائب تقتل الضّرائب. عليه، يجب أن تقوم الرّؤية المنشودة على تخفيض تدريجيّ لحاجات الدّولة الاقتراضيّة من خلال تقليص عجزها المالي بشكلٍ ملموس، والّذي يمثّل نقطة الوهن الرّئيسية للدّولة اللّبنانيّة في الوقت الحاضر.

ثالثاً، تفتقر هذه الموازنة بشكلٍ تامّ إلى الإصلاحات الهيكليّة الّتي تهدف إلى ترسيخ مناعة الاقتصاد الوطنيّ وقطاعاته الماليّة على المدى المتوسّط والطّويل، والّتي لا طالما طولبت الحكومات المتعاقبة بضرورة القيام بالإصلاحات البنيويّة المرجوّة من أجل خفض نسب العجز والمديونيّة العامّة إلى مستويات قابلة للاستمرار خصوصاً في ظلّ بروز مسائل اختلالات الماليّة العامّة على رأس قائمة أولويّات مجتمع الأعمال والاستثمار في مختلف أنحاء العالم.

رابعاً، لا تلحظ الموازنة العامّة نفقات استثماريّة وهي اكتفت فقط بتحديد نفقات متدنّية في قطاعي الزّراعة والصّناعة بقيمة 2,200 مليار ليرة من أصل 49,416 كنفقات إجماليّة ما يتعارض مع إمكانيّة وضع خطّة تعافٍ اقتصاديّ مبنيّة على تعزيز الاستثمار في المجال الإنتاجي، لا سيما وأنّ التّحدي المحوريّ في سبيل تحفيز النّمو الخاص يكمن في تحفيز الاستثمارات الخاصّة المرتبط بتحسّن بيئة الأعمال من خلال تخفيض التّكاليف التّشغيليّة وتحسين سهولة مزاولة الأعمال والأهم تعزيز عامل الثّقة بالتّوازي مع استقرار سياسيّ وأمنيّ، والانتقال من الاقتصاد الرّيعي إلى الاقتصاد المنتج. مع الإشارة إلى أنّ الاستثمار له التّأثير الأكبر على النّمو الاقتصادي الكلّيّ من خلال مفعول مضاعف الاستثمار بشكلٍ عام. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نمو الاستثمار يعزّز مكوّن العمالة في النّمو الاقتصادي الّذي يتطلّب خلق وظائف جديدة لاستيعاب أكثر من 30,000 مواطن ينضمّون كلّ سنة إلى القوى العاملة في الكيان اللّبناني، خاصةً وأن معضلة خلق الوظائف في البلاد من بين القضايا الأساسيّة نظراً إلى أن معدل البطالة قد تجاوز مستويات مقلقة.

خامساً، تشكّل هذه الموازنة صفعة لأجراء القطاع العام في محاولة واضحة لإفقارهم، فاتحةً المجال أمام الاستقالات من القطاع العام، وهو ما تجلّى من خلال منع العسكريين من الجمع بين رواتبهم التّقاعديّة ومخصّصات أخرى، وتعديل ملاك السّلك العسكري وتعديل شروط التّرقيّة، وتقليص اعتمادات الجامعة اللّبنانيّة. أضف إلى ذلك، عدم منح موظّفي القطاع العام تصحيحاً للأجور بل الاكتفاء بمنحهم مساعدة اجتماعيّة هزيلة تساوي راتب شهر لمدّة سنة، كما منحت الفئات الأكثر حاجة، أي المتقاعدين، مساعدة أقل بقيمة 50% من الرّاتب التّقاعدي، ناهيك عن خفض التّقديمات التّقاعديّة لورثة المتقاعد وتصعيب شروط الاستفادة.

سادساً، تفتقر هذه الموازنة إلى الإنقاق الاجتماعيّ أو الصّحيّ مع تقليص اعتمادات وزارة الصّحّة. ويأتي ذلك في وقت يتداعى فيه نظام الرّعاية الصّحيّة اللّبنانيّ وسط أزمة اقتصاديّة طاحنة أدّت لنزوح جماعيّ لآلاف الأطباء والممرضين وإجبار مستشفيات خاصّة على إغلاق بعض أقسامها بما شكّل مزيداً من الضّغوط على القطاع الصّحّي الحكوميّ الّذي يتعرّض بالفعل لما يفوق طاقته.

سابعاً، رصدت موازنة 2022 مبلغاً قدره 5,250 مليار ليرة لتمويل مؤسّسة كهرباء لبنان، أي ما يعادل 230 مليون دولار على أساس سعر صرف السّوق. إلا أنّه وفي حين يصحّ القول أنّ التّكلفة السّنويّة لمؤسسة كهرباء لبنان تبلغ حوالي مليار دولار لاستيراد الفيول، فإنّ فاتورة الاستيراد تلك تعادل 23,000 مليار ليرة لبنانيّة إذا تمّ احتسابها بشكلٍ صحيح. وبالتّالي فإنّ الفارق بين مبلغ 5,250 مليار ليرة و23,000 مليار سيتحمّله حُكماً مصرف لبنان بالكامل. ما يعني بأنّنا أمام استمرار لسياسة الاستنزاف في دعم قطاع الكهرباء طوال ثلاثة عقود، بدلاً من إصلاح هذا القطاع المفلس عبر بناء محطات الطّاقة اللّازمة وتشغيلها على الغاز بدلاً من الفيول وبالتّالي تقليص الخسائر التّقنيّة وغير التّقنيّة.

ثامناً، من الواضح بأنّ هذه الموازنة تحاول تحييد القطاع المصرفيّ عن تحمّل أي تبعات للخسائر النّاتجة عن الأزمة، وتسمح بالاقتطاع المقنّع على الودائع مما سيضيّع حقوق المودعين بشكلٍ تام. على سبيل المثال، تنصّ المادة 132 على إلزام المصارف في تسديد الودائع الجديدة فقط بالعملة المودعة فيها دون ذكر الودائع القديمة مما يشرّع للمصارف ومصرف لبنان الاستمرار بعملية الاقتطاع على الودائع الدّولاريّة ما قبل 17 تشرين، وبالتّالي يمهّد الطّريق أمام تحويل نسبة منها من دولار إلى ليرة لبنانيّة. كما تفرض الموازنة على موظّفي القطاع العامّ والمؤسسات العامّة والإدارات إلزامهم بتوطين الرّواتب لدى مصرف، أي لا خيار أمامهم سوى القيود وسقوف السّحب الّتي تحدّدها لهم المصارف.

تاسعاً، إنّ موازنة 2022 تحمي رؤوس الأموال على حساب المواطن، إذ استثنت عمليّاً أي زيادات ضريبيّة استهدافيّة كالّتي طرحها الوزير السّابق غازي وزني، أي ضريبة التّضامن الوطني الّتي فرضت ضريبة على الثّروة ضمن شطور محدّدة ولمرّة واحدة فقط. كما كان لافتاً أن تكون الزيادات الضّريبيّة محصورة بالضّرائب غير المباشرة واستثناء الضّرائب على الأرباح ورؤوس الأموال من زيادات كبيرة كالّتي لحقت بفئات الشّعب كافةً، مع الانخراط بقوّة في منح الإعفاءات لرجال الأعمال وكبريات الشّركات والمستثمرين، أي كلّ كبار المكلّفين بالضّريبة، وإعفاءات من نوع التّسويات الضّريبيّة، وإعفاءات من ضرائب الدّخل لبعض الفئات مثل الشّركات النّاشئة، وإعفاءات على الودائع الجديدة بالعملات الأجنبيّة لمدة خمس سنوات، كذلك أعفيت الشّركات الدّامجة من ضريبة الدّخل لعدد من السّنوات. وبدلاً من أن تدفع الشّركات ضريبة أرباح بمعدل 17% على فروقات إعادة تقييم أصولها الّتي تحتسبها ضمن أرباحها، أتيح لها في مشروع موازنة 2022 تسديد ضريبة 5% فقط.

في الختام، إن السّبيل الوحيد لاحتواء الاختلالات الماليّة والنّقديّة الحاليّة يكمن في إرساء برنامج إصلاحي كامل يضمن مصداقيّة الدّولة في تنفيذ الإصلاحات الموعودة ويكون له أثر الرّافعة على عملية النّهوض الاقتصاديّ المرجوّ. من هنا، بحيث يتعيّن على الحكومة أن تواجه عدد من الملفات الاقتصاديّة بشكلٍ فوري وسريع مع طرح برنامج إنقاذ وطني وصياغة خطة اقتصاديّة شاملة تتضمن رؤية مشتركة للخسائر الماليّة المحققة والمرتقبة وتوزيعاً عادلاً ومنصفاً بين جميع العملاء الاقتصاديين مع إجراءات إصلاحيّة جريئة انطلاقاً من احتياطيّات أجنبيّة بقيمة 12 مليار دولار وذهب بقيمة 16 مليار دولار. ولكن ممّا لا شكّ فيه أن المسار الإصلاحيّ شاق وطويل ويشوبه عدد من التّحديات والعراقيل، إذ يحتاج إلى توافر ثلاثة عناصر مترابطة لضمان نجاحه، صدق النّوايا بين مختلف الأفرقاء السّياسيين لضمان المناخ المؤاتي من الاستقرار السّياسيّ والأمنيّ، حكومة توحي بالثّقة وذات مصداقيّة قادرة على تطبيق ما يلزم من إجراءات، وعامل الوقت لتُترجم هذه الإصلاحات بشكلٍ فعلي ونبدأ بقطف ثمارها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى