نهضةُ أمّةٍ لا مطيّةُ أفراد

د. لؤي زيتوني

وكيل عميد الثّقافة والفنون الجميلة في الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ

 

يحلو لنا أن نندفع في التّغنّي بذكرى التّأسيس عبر مناسباتٍ باتت تقليداً متّبعاً، ومن خلال ترديد أقوالٍ اعتدنا سماعها وتكرارها، حتى باتت في الكثير من الأحيان مجرّد شعارات أو “كليشيهات”، على حدّ تعبير الأديب سعيد تقيّ الدّين. إلاّ أنّ للتّأسيس قيم لا يجب أن تغيب معانيها عن أذهاننا كي لا نتحوّل إلى حزبٍ طوطميّ طقسيّ، يجمّد قيمه الحيّة ويحنّط حركته، وتتحوّل أقصى طموحاته إلى إقامة مناسباتٍ تتّخذ طابع التّقليد والطّقوس، وإلى خوض معارك سياسيّة خاسرة ولو حقّقت مقعداً نيابيّاً  أو حضوراً اجتماعيّاً معيّناً. وهذا ما يبعد النّهضة عن فاعليّتها في المجتمع والأمّة، ويهمّش وجودها.

لذا لا بدّ من أن نتيقّن من قدراتنا الفاعلة على كافّة المجالات وفي كافّة السّاحات،  فنكون قوميّين اجتماعيّين بالفعل، لا بالقول، بمثابة “الأغصان الخضراء اليانعة الوحيدة في شجرة الأمّة المحفوفة باليباس، والّتي ستعيد الحياة إلى عروق المجتمع والأمّة”.

في هذا السّبيل، لا بدّ لنا من التّأكيد على مجموعة من النّقاط السّريعة التي تساعد على تصويب فعلنا اليوميّ ليكون هادفاً، وهي قد تشكّل نقاط عملٍ لكلّ قوميّ اجتماعيّ منّا:- الحزب بنية حيويّة مدرحيّة، تقوم على أساسين: الأساس الرّوحيّ المتمثّل في الفكر، والأساس المادّيّ المتمثّل بالحركة؛ ولا يجب أن يطغى أحد الأساسين على الآخر، كي لا تجمُد النّهضة أو تتحلّل.- الحزب أداة الأمّة لتحقيق نهضتها، وبالتّالي فإنّه حاجة تمثّل مطامحها وقيمها، ولا يمكن أن يكون مطيّةً لفردٍ أو لمجموعة أفراد، أي عتبةً تُداس ليرتقي عليها أيٌّ كان، لأن الفرد مهما علا شأنه يبقى أدنى أهمّيّة من الأمّة والوطن.- الحزب مهمّته الأساس تحريك المجتمع من داخل عبر “بعث النّهضة” الّتي تعمل على تقريبه من تحقيق المبادئ من خلال الفعل المخطَّط الهادف على كافّة المستويات.- الحزب لا يرتبط بالعمل السّياسيّ، على ضرورته، فهامش التّغيير فيه ضمن منظومةٍ مختلّةٍ وفاسدة يبقى محدوداً. لكنّه يرتبط بمختلف مجالات الأمّة ومستويات تكوّنها، وقد شكّلت النّهضة فعلها التّغييريّ في الأمّة وخارجها على المستوى الثّقافيّ عموماً، ولا يمكن إلّا أن تستمرّ فيه.- الحزب يضمّ في صفوفه الأعضاء-القدوة على المستوى الأخلاقيّ والقيميّ، وعليه فإنّ المسؤوليّة التي  تقع أعتاقهم ليست عابرة، ولا يمكن أن تُقارن بما يُطلَب من الأفراد في التّنظيمات الأخرى، لأنّ الهدف الأوّل من انتمائهم تقديم الأنموذج الأرقى لأبناء المجتمع قدوةً ونضالاً وحتّى معرفةً.- الحزب انطلق من كتابات سعاده وأعماله، وهي تبقى المنطلقات الصّالحة لهذه المرحلة كذلك، مع الانتباه إلى أنّ سعاده رفض حسبان ما كتبه نهائيّات على منوال الأصوليّات الدّينيّة التي تعدّ الأفضل في السّلف، بل فتح الباب واسعاً للتّقدّم المعرفيّ والإبداع الفنّيّ المتواصلَين لكن بالاستناد إلى تلك المنطلقات الّتي  وضعها كي لا نتوه عن الغاية الأخيرة.- الحزب مثال للنّظام الجديد الّذي ينشده سعاده ونهضته، وبالتّالي أساسها اجتماعيّ تعبيريّ، لا مجال لهيمنة الفرد عليه، لأنّ التّفكير الفرديّ يبقى قاصراً عن الإحاطة بالأمور كافّة، ويعجز عن الإلمام بكافة المعارف الإنسانيّة؛ بينما الجماعيّ المنظّم يبقى قادراً على الإحاطة والفعل بشكلٍ أوسع، خصوصاً إذا ما كان أفراده يتوزّعون على مختلف الاختصاصات الّتي يحتاجها المجتمع.- الحزب-النّهضة يقوم على فكرة الإنسان الجديد الّذي يشكّل جزءاً من إنماء معرفة المجتمع وحركته، لذلك فهو لا يتوقّف عند مآرب شخصيّة، كما يلتفت إلى أسماء الأفراد مهما كانت منزلتهم، لأنّ الغاية الأخيرة الّتي يعمل لأجلها نهضة الأمّة لا نهضة أفراد، كما أنّها ليست انتصار فئة على أخرى بل انتصار المجتمع بشكلٍ شامل.

وبناءً عليه، يمكن أن ندرك أهمّيّة الحزب بالنّسبة للأمّة، كلّ الأمّة، كما ندرك حقيقة التّأسيس الّتي  عملت على خلق حياةٍ جديدةٍ فاعلةٍ تهزّ جمود الفكر الذي كان قائماً، لا على الإسهام في تعزيز التّحجّر الكامن في بنية المجتمع ثقافيّاً وحضاريّاً واجتماعيّاً… ولذلك فإنّ استمرار الحزب والنّهضة لا يمكن أن تتحقّق إلاّ من خلال الصّراع الذي أصرّ الزّعيم على حضوره، لكونه هو الذي يحرّك الهيكليّة المتعفّنة في المجتمع، ويهدم نقاط الضّعف فيها ليغيّرها؛ فالصّراع “فرض حتميّ” على الجماعة التي تريد أن تُكتَبَ لها الحياة والانتصار، لأنّها بذلك تمتلك “قوّة في الوجود”.

في الخلاصة، لا يمكننا أن نكون قوميين اجتماعيّين إن لم نكن متحرّرين من قيود المجتمع البالية المرسّخة لنهج الجمود والتّخلّف والفردانيّة، وبالتّالي لحال الانحطاط… لأنّ القوميّة الاجتماعيّة تفرض أن نكون مدرحيّين في صراعنا وفي قيمنا، لا نعرف الرّكون للثّبات والسُّبات، ولا نعرف الارتهان لفردٍ أو جهة… منطلقنا الوحيد سعاده، وبوصلتنا الوحيدة نهضة الأمّة ورقيّها، والسّموّ بقيمها. وعليه فإنّ الحزب هو وسيلةُ الأمّة لتحقيق انتصارها، لا مطيّةً للأفراد وأهوائهم ونزعاتهم الشّخصيّة…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى