الإصلاح الحقيقي

كل ما أعلمه، من قصة هذا الإصلاح المبارك، هو أنني أفقت اليوم من رقادي وأنا أردد هذه العبارة الفخمة الرنانة «الإصلاح الحقيقي. الإصلاح الحقيقي» كما يردد الببغاء عبارة يستظهرها لمجردّ سماعها. ولا أعلم أيضاً لماذا سطرتها على القرطاس مرات عديدة وأنا أتلفظها بصوت مسموع كمن مُسَّ بجنة، أو كوسيط الأرواح يتكلم، على زعمهم، بما يوحيه إليه الروح الذي جعله وسيطه لتأدية رسالته للأحياء من الناس.

بيد أنني أخيراً عدت أستوعب مغزى هذه العبارة الإصلاحية رويداً رويداً. أو عادت شخصيتي الظاهرة تتفهم رسالة شخصيتي الباطنة، (على مذهب السيد سلامة موسى)، وإليكم ما بلّغه ذاتي الباطني لذاتي الظاهري أنقله للقرّاء الكرام راجياً أن لا يثقل على طبعهم أو يزعج خاطرهم إذا طالعوه ولم يجدوا فيه من الإصلاح إلا اسمه ومن الحقيقة إلا ظلها.

قال شخصي الداخلي لشخصي الخارجي: إنّ ترديدك عبارة الإصلاح الحقيقي هو من وحي الله لأنبيائه ورسله المختارين من قبله، لإبلاغ رسالته الإلهية عبيده على الأرض. إنّ صاحب الجلالة قد اختارك، من بين الناس، لتصلح الناس وتهديهم إلى الإصلاح الحقيقي الذي جهله جميعهم. إنّ رب إسرائيل اصطفاك من بين شعبه الخاص لتقود خراف إسرائيل الضالة إلى حظيرة الصلاح والهدى.. أصلح وطنك. أصلح أمتك. أصلح أبناء جنسك. أصلح القريب البعيد منك. أصلح الإنسانية جمعاء هكذا يقول الرب.

وقفت عند هذا الحد كالمأخوذ وأنا بين الشك واليقين مما تبلغته. وصرت أفرك عينيَّ لأرى إذا كنت في اليقظة أم في الحلم. وأصبحت الأفكار العديدة السلبية والإيجابية تدور في رأسي بقوة مليون حصان كهربائي، متنقلة من تصديق أو تكذيب هذه الرسالة إلى نوعية الإصلاح المقصود منها، إلى مقدرتي تجاه هذا الإصلاح، إلى كيفية الابتداء بالإصلاح، إلى النتيجة المنتظرة منه، إلى، إلى، إلى ما لا نهاية له من مثل هذه الأفكار التي تزاحمت في دماغي تزاحم النحل في القفير، وأنا أمشي في غرفتي مقبلاً ومدبراً، مشيراً وساكناً، متكلماً وصامتاً، ضاحكاً وعابساً نحو أربع ساعات حسبتها جيلاً من الدهر تحطمت بأثنائها تلافيف دماغي وأنهكت فيها قواي العقلية. وقد كدت أتخلص من هذه الأفكار المقلقة بعدم تصديق هذه الرسالة الإلهية لو لم يعاودني ذاتي الباطني قائلاً:
لماذا أنت واهم يا رجل؟ لماذا لا تصدق رسالتك من الله لعبيد الله؟… أليس من سبقك من الأنبياء والرسل من لحم ودم مثلك؟ أليسوا من أبناء جنسك، أبناء عشيرتك، أبناء وطنك، وطن الأنبياء و الرسل؟ أليسوا هم معلّمي الأمم والشعوب سبيل الإصلاح والصلاح من قديم الزمان؟ أليست هذه الأديان التي تراها بين الشعوب على اختلاف أجناسها وألوانها من وضع أبناء الشرق ورسله أبناء بجدتك ووطنك؟ إمضِ برسالتك وتمم ما انتدبت له من الله فترضي الله وترضي الناس وترضي نفسك.

وسرعان ما صدّق ذاتي «ذاتي» هذه الحجج والبراهين الدامغة، وسرعان ما جلست إلى مكتبي مثل بعض كتّاب هذا الزمان لأكتب للناس شرائع الإصلاح الحقيقي وأهديهم إلى السبيل القويم الذي ضلّوه عن جهل وغباوة.

الصدق، الأمانة، العدل، الرحمة، المحبة، الإخاء، الاتحاد، الفضيلة، العلوم، الصناعة، الزراعة، الملكية، الجمهورية، الاشتراكية، وعشرات سواها من المواضيع خطرت في بالي بسرعة قنبلة من مدافع القرن العشرين السريعة، فشوشت أفكاري وقضت على رشدي وأنا أخطّ كل موضوع من هذه المواضيع على ورقة ثم أتركها جانباً، حتى رأيت حولي الأوراق مكردسة مبعثرة بدون نظام كأنها الفوضى الضاربة أطنابها في هذه الأيام في عقول الحكومات والشعوب من جراء الأزمة الحالية. فوضعت رأسي بين يدي بعد أن أنهكني التفكير والتسطير وارتميت فوق مكتبي لآخذ لنفسي الراحة، بعد هذا الجهاد المضنك، على أمل أن أتابع عملي وجهادي في سبيل الإصلاح بعد برهة وجيزة من الوقت.

ومرت الساعات الطوال تتلو بعضها وأنا على تلك الحال «الإصلاحية»، من السكون والخمول. أما أفكاري فكانت باقية على حالها تعمل عملها المجيد!! دون أن تهتدي أو تستقر على حالة من الأحوال كأنها ريشة في مهب الريح. وكل ما أذكره من أمرها أنها كانت تدور حول نواة الإصلاح كالخفاش حول النور، حتى كادت تلتهب من العمل المستديم، وقد شعرت بحرارة التهابها تحرق غلاف رأسي. وكأن شخصيتي الباطنة هالها جمودي على تلك الحالة من الخمول، والسكون. وأشفقت على غلافها الخارجي أن يضمحل على تلك الصورة ا لمحزنة فهزتني بعنف وشدة فارتجفت وفقت من سباتي الطويل مذعوراً وأنا أسمع وأصغي إلى صوت ذاتيتي الداخلية التي كانت تقول بصوت يتهدج من الغضب والحدة:
قم يا رجل. قم يا رجل واترك الإصلاح الحقيقي وغير الحقيقي لأنك لا تعرف لا هذا ولا ذاك!! إنك تحاول الإصلاح عن طريق الكتابة والخيال لا عن طريقه الحقيقي. إنّ طريق الإصلاح في العمل، في العمل، في العمل لا في تشييد القصور في الهواء وتسويد الأوراق بالمداد. أنت إلى الآن لم تصلح نفسك ولا علمت صالح نفسك فكيف تتمكن من إصلاح سواك؟ إنّ الله الذي أرسلني إليك قبلاً ليجرب معرفتك في الحياة بانتدابك لإصلاح العالم قد أرسلني ثانية لأبلغك أنه قد انتزع وكالته منك لأنه رآك رجل خيال لا رجل عمل. فعليك الآن أن تصلح نفسك أولاً ولكن بالعمل لا بالوهم وبعدئذٍ يمكنك أن تصلح سواك عن خبرة ومعرفة. قم إلى العمل. قم إلى إصلاح نفسك!

وكأن غمامة سوداء انقشعت عن نواظري، أو كأنني كنت في الظلمة وخرجت إلى النور، فرأيت الأشياء بصورها الحقيقية، ورأيت أنني كنت على ضلال فيما كنت أحاوله من إصلاح الناس «بالكتابة» بينما لم أصلح نفسي أولاً بالعمل. فتركت قلمي وأوراقي لساعتي وقمت أفتش عن العمل الذي يقربني من الإصلاح. ولو عمل كل من القرّاء الكرام عملي وفتشوا عن إصلاح نفوسهم بالعمل سوف لا نحتاج أن نكتب لهم في الإصلاح الحقيقي لأننا نكون جميعنا مصلحين. وهم فاعلون إن شاء الله.


أنطون سعاده
الشرق، سان باولو 
السنة 4، العدد 13، 30/9/1931

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير