الاحتفال بأول مارس في حاضرة كوردبة

لمّا بلغ مركز السوريين القوميين الاجتماعيين في كوردبة أنّ الزعيم سيصرف بعض الوقت في كوردبة ضيفاً في «تكية سعاده»، اجتمع الرفقاء وقرروا توجيه دعوة إلى معاليه ليكون وسطهم في أول مارس/أذار، ويمنحهم الغبطة بالاجتماع حوله في الاحتفال بمولده، وأرسلت الدعوة والزعيم بعد في خونين فلم يسع الزعيم إلا إجابة هذه الرغبة العامة من رفقاء كوردبة فأجابهم ملبياً.

بعد وصول الزعيم إلى كوردبة وحصول الاحتكاك الاجتماعي بينه وبين عناصر النزالة السورية هناك، امتدت فكرة الاحتفال من القوميين الاجتماعيين إلى الأوساط الوطنية، وقد أخذتها اليقظة ونبّهتها المواضيع التي أثيرت، وأوضح الزعيم نظرية الحزب السوري القومي الاجتماعي فيها.
فتألفت لجنة من القوميين الاجتماعيين ومن العناصر العارفة قدر العمل القومي الاجتماعي العظيم الذي يديره سعاده بتضحية نادرة المثيل لتهيئة الاحتفال بمولد الزعيم ودعوة فئات النزالة السورية للاشتراك فيه، لأنه احتفال بحادث تاريخي يخص الأمة السورية كلها.
وهذه أسماء أعضاء اللجنة التي شاءت الظروف أن تمثّل فيها أكثر الملل السورية: السيدعبود سعاده، رئيس فرع البنك السوري اللبناني ورئيس جمعية القاريّة (نسبة إلى قارة) ورئيس العنوان التجاري الكبير، «عبود سعاده وأولاده» في كوردبة وأحد وجهاء الطائفة الأرثوذكسية. السيد أسعد شكر، رئيس الجمعية السورية اللبنانية للإسعاف المتبادل وعضو فرع البنك المذكور وصاحب العنوان التجاري الكبير المعروف باسمه وأحد وجهاء الطائفة الكاثوليكية. السيد يوسف مخول، أحد صاحبي العنوان التجاري الكبير «مخول إخوان» وأحد وجهاء الطائفة الأرثوذكسية.
السيد الرفيق يوسف رحمون العيط، أحد صاحبي العنوان التجاري الكبير «يوسف وأحمد رحمون العيط» والسيد الرفيق سليم صوّى، صاحب المحل التجاري المعروف باسمه (ولا نذكر طوائف الرفقاء الدينية لأنهم جماعة واحدة ذات عقيدة واحدة وحالة اجتماعية واحدة).

بعد تألفا للجنة بادرت إلى انتخاب رئيس وناموس لأعمالها، فانتخب السيد عبود سعاده رئيساً والرفيق سليم صوّى ناموساً.
وفي الحال باشرت اللجنة أعمالها بالاتصال كتابة بالجمعيات السورية في كوردبة وبالصحف الأرجنتينية.
واتصلت شخصياً بالأوساط. ووزعت اللجنة المنشور الآتي نصه الدال على عملها وقيمته:
مولد الزعيم
»إنّ أول مارس/أذار قد أصبح يوماً تاريخياً للأمة السورية النبيلة، لأنه اليوم الذي وُلِدَ فيه معلم الشعب السوري الحياة القومية الاجتماعية وقائده إلى المجد.
إنه يوم مولد بطل الجهاد القومي: أنطون سعاده. إنه يوم مولد الزعيم.

»أنطون سعاده هو صاحب الدعوة إلى الوحدة القومية والتنظيم القومي الاجتماعي وإلى نبذ الشقاق الديني الذي مزق الأمة إلى دويلات صغيرة على عدد المذاهب والشيع، وإلى ترك الانقسامات العشائرية والمظالم الاقتصادية التي تذل قسماً كبيراً من الشعب.

«أنطون سعاده هو الزعيم الذي نشأ من صميم الشعب السوري ليخطط للأمة السورية طريق الارتقاء والتفوق، طريق الوصول إلى حقوقنا وضمان سعادتنا وحسن مستقبلنا.

»أنطون سعاده هو الذي أسس الحزب السوري القومي على الرغم من القوانين الجائرة التي سنّتها السلطة الأجنبية المحتلة، القاضية بمنع الأحزاب وإلغاء حرية الاجتماعات في سورية، اللَّهُمَّ إلا الأحزاب والاجتماعات التي تطالب بزيادة قيود الاستعمار وضغط نير الاحتلال الأجنبي.

«أنطون سعاده هو الذي جابه المحكمة الأجنبية مدافعا عن حق الأمة السورية في الحياة الحرة، متحملاً كل مسؤولية تترتّب على الحزب السوري القومي الاجتماعي وإدارته وأعماله.

»أنطون سعاده هو الذي علّمنا أنّ سورية للسوريين، وأنّ السوريين أمة تامة، وأنّ الأمة السورية مجتمع واحد، وأنّ مصلحة سورية فوق كل مصحلة.
وهو الذي أعلن تحريرنا من كل سلطة أجنبية وإرادة أجنبية، وتلقّى بصدره جميع الحراب المسددة إلى النهضة السورية القومية الاجتماعية، وحمى هذه النهضة المباركة من مكائد الأعدء ودسائس الخونة.

»ونحن نقول ونعتقد أنّ هذه النهضة مباركة لأنها هي التي جمعتنا من كل الملل والنِحَل وأوجدت منا أمة واحدة، ذات عقيدة واحدة، وإرادة واحدة، فصرنا كلنا سوريين بعد أن كنا مذاهب متنافرة، وشيعاً متنابذة، وطوائف متباعدة، ومناطق متعادية.
وإنّ من حسن حظ العارفين قدر هذه النهضة السعيدة من النزلاء السوريين (من شاميين ولبنانيين وفلسطينيين وأردنيين) في مدين كوردبة أن يكون الزعيم بينهم حين اقتراب موعد هذه الذكرى السامية وكان اغتباطهم بتلبية الزعيم دعوتهم لإحياء هذه الذكرى وسط المجموع السوري في كوردبة عظيماً، وللحال ألّفوا لجنة تدعو السوريين إلى الاشتراك في هذا الاحتفال الدال على نضج الشعور القومي بين السوريين، فسعت إلى هذه الغاية الحميدة، عالمة أن لا فضل لها على أحد، وأنّ مهمتها منحصرة في أن تكون واسطة اجتماع المواطنين المندفعين بشعورهم الحي.
وهي تشكر مقدماً جميع الذين يؤازرونها في مهمتها، ونتمنى أن يعود هذا العيد على الأمة وقضيتها بالفلاح والنصر.

»موعد الاحتفال 28 فبراير/شباط الجاري سنة 1943، الساعة الثانية والعشرون استقبالاً لأول مارس/أذار.
»اللجنة: عبود سعاده، سليم صوّى، أسعد شكر، يوسف رحمون العيط، ويوسف مخول».

قوبل هذا المنشور في جميع أوساط النزالة السورية في كوردبة بالارتياح والتحبيذ، باستثناء فئة متعصبة للدين لا تريد أن ترى الإخاء القومي يجمع شتات الأمة، وهي فئة تسير إلى الوراء ويعبث بشعورها الديني بعض ذوي المآرب التي لم تعد خافية.
وقد قلنا إنها فئة على سبيل الإجمال، ولكنها في الواقع فئتان من طائفتين:
الواحدة مسيحية، والأخرى محمدية. ولم تقدر ولا واحدة منهما على جمع أبناء الطائفة على تعصبها المخالف للروح القومية، فكانت خيبة دعاوتهما ضد القومية الاجتماعية كبيرة، بقدر ما كانت كبيرة مؤازرة جميع أوساط النزالة للجنة وللاحتفال الخطير.

لما رأى أهل الشر من تينك الفئتين أنّ التنبّه القومي أخذ يفعل في الجماعات والإقبال على الاحتفال بمولد مؤسس النهضة السورية القومية الاجتماعية تناول دائرة واسعة، كادت قلوبهم الخبيثة تنفطر حسداً وضغينة، ولجأوا من يأسهم، إلى آخر حيلة يلجأ إليها العاجزون الجبناء، نعني حيلة ترويج الإشاعات المخيفة والتهديد بالسعاية لدى مفوضي البلاد الكريمة التي نحن ضيوفها، كأن الحزب السوري القومي الاجتماعي جماعة خفية مشتبه بها.
وواحد من الموبوئين المذكورين بلغ من الوقاحة أن أخذ يصرّح علناً أنه هو «سيوقف الزعيم ولو 24 ساعة فقط» كأن الإدارة الأرجنتينية في يده يسيرّها كيف شاء.
وبعض السذّج وغير المطّلعين وقعوا فعلاً في حبائل هؤلاء المحتالين.
ولكن الفاهمين والأقوياء لم يؤخذوا بهذه الشراك، لأنهم يدركون أنّ قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي قضية واضحة صريحة لا غموض ولا التواء فيها، وأنّ زعيم هذه القضية موجود في الأرجنتين وجوداً ظاهراً علنياً لا خفية ولا تكتم فيه، ولأنهم يعرفون حيل أهل النفاق ودعاة الشر ويحتقرونها.
وأخيراً تغلبت الإرادة العامة على المآرب الخصوصية فلم يتخلف عن الاحتفال غير نفر قليل من الذين وصلت إليهم الدعوة.
ولما بلغ أعضاء اللجنة ما يشيعه أولئك النفر المساكين في قلوبهم وعقولهم اهتموا للأمر خصوصاً رئيس اللجنة، وجرت مقابلة مع بعض رجال الأمن الذين لما وقفوا على حقيقة الحالة استنكروا تلك السعايات القبيحة ووعدوا بإحاطة الاحتفال بما تخوّله القوانين الأرجنتينية. فأرسلت إدارة الشرطة خفراء لقمع كل بادرة شغب يمكن أن تصدر.

ما جاء يوم الاحتفال حتى كان تيار التحبيذ والتأييد قد اكتسح معظم النزالة السورية في مدينة كوردبة.
ومع أنّ أوراق الدعوة لم يبتدىء توزيعها إلا قبل يوم الحفلة بثلاثة أيام، فإن المجموع الذي زيّن صالون الاحتفال الفخم بلغ نحو مئة وسبعين شخصاً.
وكثيرون جاؤوا بصحبة زوجاتهم، والبعض جلبوا معهم كريماتهم، فأكسبن الاحتفال صفة اجتماعية ندر مثلها في كوردبة.

اختارت لجنة الاحتفال أفخم قاعة في مدينة كوردبة لإجراء المأدبة، هي قاعة «كفيتريا أورينتال» التي كانت المأدبة السورية القومية بمثابة تدشين لها.
فما قاربت الساعة الواحدة والعشرين والنصف، حتى أخذت زرافات المحتفلين وجماهيرهم تفد متلاحقة ووجوه الجميع تضيء فرحاً.
وقبيل الساعة العشرين بدقائق قليلة توجه وفد لجنة الاحتفال إلى منزل السيد عبود سعاده حيث كان الزعيم وقرينته مدعوين ورافقهما الوفد إلى مكان الاحتفال، وعند مدخل البناء كان ينتظر سيارة الزعيم وفد من القوميين الاجتماعيين والمحبذين. وعندما دخل الزعيم وقرينته قاعة الاحتفال ضج المكان بالهتاف والتصفيق، وتقدم عدد من وجوه الحاضرين للسلام عليهما، فتبادل الزعيم معهم عبارات الإيناس، ثم توجه إلى رئاسة المائدة الأنيقة القائمة فوق ثلاثة أعمدة طويلة تحف بها صفوف الكراسي. فأخذ الزعيم مكانه وتقدم الحضور إلى مراكزهم تقودهم إليها لجنة قومية للترتيب.
وقد تشكل جناحا رئاسة المائدة على هذا الشكل:
عن يمين الزعيم قرينته، ثم السيد عبود سعاده، ثم قرينة السيد يوسف مخول، ثم السيد يوسف مخول، ثم قرينة المقدم القومي الاجتماعي الرفيق يوسف رحمون العيط، وغيرهم. وعن يسار الزعيم الرفيقة فكتوريا يونس سعاده قرينة الرفق خليل سعاده، ثم الرفيق يوسف العيط، ثم الرفيقة إميليا يونس، ثم الرفيق سليم صوّى، إلخ. وجلس أمام الزعيم عدد من الرفقاء والمحبذين المقربين:
كالرفيق خليل عبود سعاده، والسيد عبد الرزاق دعبول، والرفيق عبد الله دروج، ورئيس وفد فرقمينة وغيرهم.

قدمت المرطبات فارتفعت الكؤوس متجهة نحو الزعيم فقابلها بابتسامة التقدير، وديرت ألوان الطعام على الأثر، ودارت الأحاديث بين الجلساء وكلها تناولت شخصية الزعيم الكبيرة وصفاته المبدعة وحركة الحزب السوري القومي الاجتماعي. وكان الزعيم يحادث جلساءه القريبين إليه بلطفه المشهور وعدم تكلفه.
وفي أثناء الأكل أخذت صورة لرئاسة المأدبة وصور أخرى للمحتفلين.
وبعد الفراغ من الطعام وقف ناموس لجنة الاحتفال الأديب الرفيق سليم صوّى فقرأ خطاباً قومياً قدم فيه المأدبة باسم اللجنة وجميع المحتفلين إلى الزعيم، وأشار إلى أهمية هذا اليوم التاريخي، (وفي عدد الزوبعة يجد القارىء خطابه الرصين المتزن). وفي ختام خطابه رفع كأسه وشاركه الجمهور في شرب نخب الزعيم والهتاف بحياته.
وقد أبدى الجمهور إعجابه بالخطاب ومعانيه بالتصفيق المتكرر.

على الأثر باشر السيد صوّى قراءة البرقيات والرسائل الواردة من الفروع ومن رفقاء ومحبذين في الأرجنتين وفي أقطار أميركية أخرى.
وأول رسالة قرأها كانت تلك الواردة من الرفيق القومي الاجتماعي، الحي الوجدان، اليقظ الروح، جورج بندقي صاحب امتياز سورية الجديدة المحتجبة ونزيل سان باولو، البرازيل، ثم رسالة الرفقاء والمناصرين في سان خوان. وقد وضعها الرفيق المجاهد نعمان ضو وأمضاها معه السيدان نجيب نعمة وشكري نعيم. ثم رسالة رفقاء بيونس آيرس التي وضعها باسمهم الرفيق العامل جواد نادر، ثم رسالة رفقاء خونين التي وضعها المتعهد الرفيق جميل صايغ ووقّعها معه الرفيق المترئس بشير علي خفاجة، ثم رسالة الرفيق يعقوب ناصيف، نزيل خوخوي، ثم قرأ البرقيات المذكورة في غير مكان من هذا العدد.

بعد الفراغ من الرسائل البرقية والبريدية قدّم عريف الحفلة الرفيق عبد الله دروج، رئيس وفد فرقمينة ليلقي قصيدة الرفيق يعقوب ناصيف المرسلة خصيصاً لحفلة العيد.
وقد حدث في إلقاء هذه القصيدة الزجلية غلط في وضع معلّي الصوت فلم يكن مقابلاً فم المتكلم ولذلك، ونظراً لكبر القاعة وامتداد الموائد، لم يصل الصوت إلى جميع الحاضرين.

رُئي، بعد قصيدة الرفيق ناصيف أنّ الوقت سوف لا يتسع لجميع أعداد البرنامج فأعلن العريف الرفيق صوّى أنّ الضرورة تقضي بإسقاط بعض الأعداد التي سيطّلع عليها الجمهور بواسطة الزوبعة، فلم يتسنّ إلقاء قصيدة الرفيق نعمان ضو ولا خطاب مدير فرقمينة.

وأسقط قراءة عدد من الرسائل وبعض القصائد والخطب الأخرى.
ثم أعلن العريف خطاب الرفيق المحبذ والمناصر السيد عبود سعاده الذي ألقاه باسم الجمعية القارّية التي هو رئيسها، بعبارات كلها شعور حي وتحمس وطني أدهش جميع السامعين حتى أولاده. فإن المجموع السوري في كوردبة عرف السيد عبود سعاده رجلاً ساعياً في الخير وفي مواقفه الخطابية الماضية كان دائماً يتكلم بوداعة، متوخياً السلام والهدوء، أما في الموقف المذكور فظهر خطيباً نارياً متوقداً، على رغم سنه، مندفعاً بحرارة صادقة واستبسال وإيمان في تأييد نهضة الأمة السورية في حركة الحزب السوري القومي الاجتماعي.
(ويجد القارىء خطابه الوجيز القوي المملوء إيماناً وعزماً في عدد الزوبعة). وقد قوطع الرفيق عبود سعاده بتصفيق حاد مراراً.

أعلن العريف بعد ذلك خطبة الوطني الصادق، النزيه المطلب المتوقد الذهن، المحبذ، المناصر للحركة السورية القومية الاجتماعية السيد عبد الرزاق دعبول.
فتكلم الخطيب بوصت جهوري، قوي لم يكن بحاجة لمعلّي الصوت الذي ضخّم صوته فوق اللازم.
ولكن ذلك لم يمنع من تتبع كل كلمة قالها هذا الخطيب الذي تكلم بوجدان وغيرة قومية لا مزيد عليهما.
وكان لكلامه وقع شديد التأثير في النفوس ومحرك للعزائم يدل عليه التصفيق الشديد المتكرر الذي لاقته مقاطع خطابه المنشور (في مكانه في عدد الزوبعة).

وكان الرفيق جبران مسوح، الذي لم يكن في مقدوره الوصول إلى كوردبة في وقت الحفلة، وقد أرسل خطاباً ليلقى فيها. فأخذ مقدم الحفلة الرفيق صوّى على نفسه إلقاء الخطاب.
فوقف وتلاه تلاوة جيدة واضحة ورافق عبارات الخطاب بحرارة إيمانه وصدق غيرته القومية. لاقى التحليل الروحي الممتاز لعمل الزعيم الوارد في خطاب الرفيق مسوح، إعجاب الجميع وموافقتهم بالتصفيق الحار.

كان خطاب الرفيق مسوح ختام الخطب الموجهة من المحتفلين من رفقاء عاملين ومحبذين مناصرين.
فاتجهت الأنظار إلى الزعيم الذي نهض وسط عاصفة من التصفيق وأمواج زاخرة من الشوق، فارتجل خطبة استغرقت نحو خمس وأربعين دقيقة وكان ابتداء كلامه الساعة الرابعة والعشرين تماماً من منتصف ليل آخر فبراير/شباط وأول مارس/أذار.

جعل الزعيم فاتحة كلامه شرب نخب الجمهورية الأرجنتينية، التي بمعرفة وحكمة تجعل سلطاتها مثل هذا الاحتفال لشعب حر يحيــي قضية حقه في الحياة والارتقاء عملاً ممكناً ومصوتاً.
فوقف الجمهور وشارك الزعيم في هذا النخب باحترام ومهابة، ثم رفع الزعيم كأسه مرة ثانية بعد استقرارها ليشرب نخب معاونيه أبطال الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذين واجهوا الأحكام العسكرية القاسية في الوطن وتحملوها بصبر وإيمان من أجل إنقاذ شرف الأمة السورية وحفظ قوة روح الحركة القومية الاجتماعية واستمرار عملها التاريخي الفاصل.

وانتقل الزعيم إلى موضوع الاحتفال، فقال خطبة جمعت رصانة الزعيم وقوة عزيمته وثقته التي لا تحد ونظرته الحقة في مشاكل الأمة الداخلية، فحملت هذه الخطبة أمواجاً من الحياة الجديدة والإيمان الجديد إلى قلوب السامعين، فتلقوها بوعي وإصغاء كادت تحبس معهما الأنفاس، حتى إذا قوي تيار الإيمان ووضح الحق في الفقرات التي تمركت فيها معاني الخطبة الروحية، عصف التصفيق وعلا الهتاف وتكرر ذلك في هذه الخطبة الوجيزة التي يجد القارىء خلاصتها في مكانها من هذا العدد.

تكلم الزعيم باتئاد وتبصرة.
وكان صوته يعلو في العبارات التي تتمركز فيها قوة عزيمته، وتتجمع فيها قوى موضوعه الروحية. وكان موقفه جليلاً مهيباً.
ونظراً لحرارة الليلة الصيفية ولتوقد روحه أخذ العرق يرشح حتى بلل قميصه.
وختم الزعيم خطابه بالهتاف لحياة سورية، فأجابه جمهور القوميين الاجتماعيين حتى ارتج المكان من الهتاف، وللحال أقبل عليه المهنئون وأحاطته حاشية ومشى والناس يتبعونه بنظراتهم ويشيعونهم بأدعيتهم الحارة.
ولما بلغ الشارع وجد القوميين الاجتماعيين قد وقفوا صفّيْن وجمهور من المحتفلين انتشر أفراده على الرصيف على عدة أمتار.
وفتحت السيارة فدخلها الزعيم وقرينته وبعض أعضاء اللجنة، وحملت السيارة سلة الزهر الرمزية المقدمة له، وسارت السيارة وتلتها سيارات المشيعين والمودعين.

في اليوم التالي كان حديث الحفلة والخطب والعقيدة السورية القومية الاجتماعية على كل شفة ولسان في كل مجتمع خاص أو عام. وقد أجمع القول في كوردبة على أنّ النزالة لم ترَ قط حفلة كالتي جرت على شرف الزعيم في ذكرى مولده. ومن المعلومات التي تجمعت لدينا يمكن التأكيد أنّ الأثر الذي تركته حفلة أول مارس/أذار في كوردبة كان عظيماً وكبير الفائدة لمصلحة النهضة السورية القومية الاجتماعية ولعمل الحزب الكبير القائم بها.

كتابان بين الزعيم ولجنة الاحتفال:
من دائرة الإنشاء: نثبت في ما يلي نص الكتاب الذي أرسله الزعيم بعد عودته إلى بيونس آيرس، إلى رئيس لجنة الاحتفال في كوردبة، السيد عبود سعاده وجواب رئيس اللجنة إلى الزعيم:
كتاب الزعيم:
حضرة رئيس لجنة الاحتفال بمولد الزعيم في كوردبة، السيد عبود سعاده المحترم ــــ كوردبة
حضرة الرئيس
إنّ الاحتفال بمولد الزعيم في كوردبة، الذي دعتني الفئة القومية الاجتماعية هناك إلى حضوره بنفسي وتمّ وكمل بالحفلة الكبيرة الأنيقة التي أعدتها وهيأت أسبابها لجنتكم المحترمة، كان عملاً من أعمال الوعي القومي ومظهراً فخماً من مظاهر تحرك القوى الجديدة في الأمة السورية التي تطلب عهداً جديداً وتعمل له.

إني أقدّر عملكم حق قدره وأشكر لجميع أعضاء لجنتكم للمسعى الجميل الذي سعوه، وملأ نفسي حبوراً وأيّد ثقتي بالعناصر الحية في أمتي. أرجوكم قبول تهنئتي وتقديري وتبليغهما إلى جميع أعضاء اللجنة التي كنتم وكانوا جديرين بتأليفها وبالنتائج القومية الاجتماعية الحميدة التي أسفر عنها مسعاها.
وتفضلوا بقبول سلامي واحترامي ولتحيى سورية.
صدر عن مكتب الزعيم في 9 مارس/أذار 1943
الإمضاء
الزعيم
جواب رئيس اللجنة:
كوردبة، في 15 مارس/أذار 1943
معالي زعيم الحزب السوري القومي الأكرم
بيونس آيرس
الزعيم المحبوب:
جواباً على تحريركم تاريخ 9 الجاري، بخصوص الحفلة التي أقيمت هنا تذكاراً لمولدكم لسعيد بمناسبة وجودكم معنا والثناء على عملنا. فبعد اطلاع أعضاء اللجنة على مضمونه كلفوني أن أتقدم إليكم بهذه الأسطر، شاكراً معاليكم لرضاكم عن الحفلة التي لم كن إلا واسطة لإظهار الشعور الحي نحو القضية العظمى وزعيمها الساهر على سيرها ونجاحها، وفي الوقت نفسه جاءت سبباً لتبيان الحق والحث على واجب القيام في إحقاقه، الذي هو غاية أمة بكاملها ترجو الحياة وتتمنى رفع الضيم عنها ونوال الاستقلال.
ليس لنا، يا معالي الزعيم، إلا الطلب والسعي في نجاح قضيتكم وقرب الحصول على الأماني القومية، وإننا على استعداد لكل ما من شأنه أن يعود بالنفع إليها. وفي كل هذا لا نعمل إلا القليل من الواجب.
وفي الختام، تقبلوا احترامنا وأدعيتنا بدوام حياة الزعيم، ولتحيى سورية.

عبود سعاده

أنطون سعاده
الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 61، 15/6/1943

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير