الدين والدولة


رأينا في ما تقدم أن القصد من إقامة الدولة الإسلامية المحمدية هو إقامة الدين الإلهي في أرض كان أهلها لا يزالون في ضلال مبين عن الله وكلمته، فالدولة أنشئت لغرض الدين وليس الدين هو الذي أنشى لغرض الدولة. وهذه القاعدة هي أساس كل فكرة دينية في الاجتماع والسياسة. ولا يمكن أن يكون العكس إلا بهدم الفكرة الدينية الأساسية وإبطال الدين، فاستخدام الدين للدولة معناه أن الدين واسطة لا غاية. والواسطة تزول، أما الغاية فتبقى. فإذا كان الدين واسطة فقد أصبح زائلاً بعد إقامة الدولة، أو على الأقل أصبح آلة ثنوية، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن ننظر إلى الاجتماع كأساس، وبناءً عليه لا يعود من الممكن الاحتجاج بالآيات الدينية لتسيير المجتمع، لأن هذه الآيات تكون قد فقدت صفتها الدينية. وأقل نتيجة لهذه الطريقة التفكيرية هي القضاء على الدين. ولما كان قصد رسالة محمد الدين وليس السياسة، أو فلسفة الاجتماع التي ترتقي بالعلوم الاجتماعية، فلا بد من التسليم بأن الدولة هي الواسطة للدين الذي هو الغاية، وأن قيمتها لا يمكن أن تكون، من الوجهة الدينية، أكثر من قيمة واسطة. وبناءً عليه تكون الدولة الشي الثنوي القابل للزوال عندما لا تبقى حاجة إليه شأن كل آلة أو واسطة أدت الغرض من وجودها. وفي متاحف العالم الآلية قاطرات بخارية ومراكب من كل صنف قد أدت خدمتها ولم تعد صالحة للاستخدام لوجود آلات حديثة أحسن منها.
وكذلك في متاحف العالم الاجتماعية دول كثيرة معروضة لدرس تطور الاجتماع الإنساني، ولم تعد تصلح لغير ذلك، ومن جملتها الدولة الدينية التي أدت غرضها من زمان وأصبح يوجد أحسن منها الآن لخدمة المجتمع الإنساني فلم يبقَ حاجة إليها لغير الدرس ومعرفة التاريخ.


الدولة الدينية المحمدية كان غرضها الوصول إلى إبادة عبادة الأصنام في العُربة، وإقامة دين الله وقد حققت هذا الغرض فبادت عبادة الأصنام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، والإسلام المحمدي هو اليوم دين يعتنقه ملايين الناس، ولا خطر عليه من صناديد قريش أو غيرهم. والإنسانية تسير اليوم على غير طريق التطاحن الديني، ومعظم الناس وكل المتمدنين يحترمون ويتعلمون احترام عقائد بعضهم البعض المتعلقة بالنفس والخلود والله . والمسلم المحمدي يقدر أن يمارس دينه في أي قطر نزل فيه وإن يكن غير محمدي. ولولا اضطهاد قريش النبي والصحابة لما كان هنالك سبب للهجرة إلى المدينة واستغلال ميل أهلها إلى منافسة قريش لإنشاء دولة محمدية تحارب قريشاً وتخضعهم. فلما ثبّتت الدولة الدين تم غرضها، وأصبح على الناس الاهتمام بشؤون دينهم الجوهرية التي هي عبادة الله والسير حسب وصاياه، فلا قتال مع الذين لا يقاتلون المؤمنين، ولا إخراج لمن لا يريد إخراجهم من ديارهم باسم الدين أو لغاية دينية: {وما اختلفتم فيه من شي فحكمه إلى الله}1.


هذا ما يجب أن يعلمه المسلمون المحمديون والمسلمون المسيحيون والمسلمون الدروز، والدروز قد أقفلوا باب الدعوة ليكون لكل إنسان ما اعتقد.


بيد أن رجال السياسة الشخصية الذين لا يهمهم دين ولا دنيا إلا ما شاءت أهواؤهم، ورجال العلم القليل، يقولون بالعكس، ويحرّفون الكلم عن مواضعه ويؤولون الدين على حسب أهوائهم. وصاحبا مدرسة الرجوع إلى الدولة الدينية المحمدية وتلاميذهما أمثال السيد شكيب أرسلان يؤولون الآية: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}2 على هذه الوجهة السياسية: «ومن الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تنمية ملّتهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله »، وهذا الاجتهاد باطل فالآية لا تقول: «أن لا يدع المسلمون تنمية ملّتهم» (بالقتال ضمناً) بل أوجبت مقاتلة: {الذين يقاتلونكم في الدين}3، وهذا الشرط هو سابق لجميع آيات القتال، فهو شرط لها كلها، وما جاء بعد يجب فهمه بهذا الشرط وفي ظروفه. ولولا ذلك لأمكن القول إن جميع المحمديين الذين عاشوا منذ مئات السنين لا يقاتلون جيرانهم ولا يكرهونهم على الإسلام المحمدي هم كفار، وبذلك انتفاء وجود الملّة المحمدية، وهو قول باطل لكل متدبر للقرآن، غير آخذ ببعضه دون بعض. وقد قال صاحبا (العروة الوثقى) هذا القول الباطل بهذا الشكل: «كل اعتذار في القعود عن نصرة الله فهو آية النفاق وعلامة البعد عن الله ». فمن هو الذي يهاجم الله اليوم؟ {إن الله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم}4 لإقامة الدين والكتاب حيث لا دين ولا كتاب. وفيما سوى ذلك فإن الله: «غني عن العالمين ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه». أما قولهما: «فما لنا نرى الأجانب يصولون البلاد الإسلامية صولة بعد صولة» فهو محال، لأن الأجانب لم يختصوا ولا يختصون بلاد المحمديين بالصولة عليها، بل يصولون على كل بلاد أمكنهم إخضاعها، مسيحية كانت أو محمدية أو بوذية أو برهمانية أو غير ذلك. إنهم لا يقاتلون في الدين.


إن هؤلاء الذين لا يتدبرون الدين ينقضون الدين بتسخيره للدولة، غير مهتمين إلا بالنصوص الدولية التي وجدت لغرض معين قد تمّ. ثم يحتجون بالدين لإقامة سفسطتهم، فكأنهم يريدون من الدين أن يوافقهم على إبطاله، أي أن ينتحر، بينما هم يدّعون أن في قتل الدين إحياء الدين! إنهم لا يفتأون يرددون مثل هذه الآية ترديد الببغاوات: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه}1 والآية: {إن الدين عند الله الإسلام}2 والآية: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}3. وقد رأينا في ما تقدم من هذه الحلقات أن الإسلام ليس مختصاً بالمحمديين، بل شاملاً أهل الكتاب من أيام إبراهيم. فالموسويون مسلمون [لله ] والمسيحيون مسلمون لله والمحمديون مسلمون لله . أما قوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فجواب على الذين قالوا إنه كذّاب، وتقوية لروح أتباعه وإن كان فيه متابعة لإنجيل برنابا الذي كان في المسيحية أشبه بمسيلمة في المحمدية، فقال إن يسوع ليس المسيح ووضعه من المسيح، الذي سيأتي بعد، على رأيه، في مقام يوحنا المعمدان من المسيح وقال إن المسيح الذي يأتي بعد يسوع يدعي بما يصح أن يترجم بمحمد وأنه يكون فوق جميع الرسل. وفي كل حال لا ينقض هذا القول إن الله أنزل التوراة والإنجيل وقوله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شي حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}4 وقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر (أسلم) وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}5، وقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}6. وهذه الآية الأخيرة هي من أواخر ا لعهد المكي، أي بعد نحو ثلاث عشرة سنة من الاستنزال، وفيها نص صريح بأن الإسلام هو لإله واحد للمحمديين والمسيحيين، فكل من آمن به فهو مسلم سواء أكان مسيحياً أو محمدياً. أما أن الله وعد بأنه يورث المؤمنين الأرض فمختص في هذه الدنيا بأرض الوثنيين، وفيما سوى ذلك المقصود به الجنة بعد الموت: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}1، فالأرض هي أرض الجنة، وتأويل الوعد خلافاً لهذا النص الصريح إنما هو مخالف لغرض الدين وإبعاد للمؤمنين عن طلب رضي الله بإقامة جوهر الدين الذي هو شي روحي مرتفع عن القتال، وهوس الحزبيات المعكّر على المؤمنين سكينتهم وإسلامهم لربهم: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يُجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}2. فدخول الجنة، في التعليم الديني، هو للذين اتقوا ربهم وعملوا الصالحات، وليس للذين يطلبون قتال من لا يقاتلون في الدين بناءً على تأويل فاسد كالذي وجدناه في (العروة الوثقى)، وهو الذي يجعل الديانة الإسلامية ديانة فتنة واضطهاد وحرب بالقول إن أساسها وضع على طلب الغلبة ومنازعة كل ذي شوكة في شوكته، وهو قول فاسد، باطل. فالديانة الإسلامية وضع أساسها على عبادة الله واتقائه واستباق الخيرات.

أما الحرب فقد فُرضت لرفع الاضطهاد ودفع الفتنة وليس لإلقاء الاضطهاد وإثارة الفتنة. هذا هو التأويل الصحيح لقوم يعقلون ولا يريدون إبطال الدين وتضحيته على مذبح السياسة والدولة أو تفكيك وحدة الدين التي لا تقوم ببعض آيات دون بعض. ولكن إذا كانت الدولة غايتهم القصوى، فلماذا يراؤون في الدين ويتظاهرون بالرجوع إلى الدين وكتاب الله ؟ إنهم يموهون غاياتهم بادعاء أنهم يريدون إقامة دين الله . ألا إن دين الله قائم والله في غنى عن مقاصدهم. فبعد فتح مكة وإبادة عبادة الأصنام أصبح دين الله قائماً. وقد قلنا إنه لا خلاف ديني بين الإسلام المسيحي والإسلام المحمدي إلا في صفة يسوع وصفة محمد، فالمسيحيون يعتقدون أن يسوع هو المخلص وأنه كلمة الله وروحه وأنه الله المتسجد في الإنسان، ولذلك هو أسمى من هبط من المحل الأرفع. والمحمديون يعتقدون أن محمداً هو رسول الله المقدم على جميع الرسل ومن ضمنهم يسوع، وأن به الخلاص، وهذا معنى قولهم {خاتم النبيين}3. وهذا الاعتقاد التقليدي مجارٍ لما ورد في إنجيل برنابا الذي يعدّ مصدراً لهذا الاعتقاد فبرنابا يقول إن يسوع ليس المسيح (مسيا) وإن هذا الموعود سيأتي فيما بعد. قال برنابا: «أجاب يسوع: لا تضطرب قلوبكم ولا تخافوا لأني لست أنا الذي خلقكم بل الله الذي خلقكم يحميكم أما من خصوصي فإني قد أتيت لأهيى الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص العالم، ولكن احذروا أن تُغشوا لأنه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي. حينئذٍ قال أندراوس: يا معلم اذكر لنا علامة لنعرفه، أجاب يسوع: «إنه لا يأتي في زمنكم، بل يأتي بعدكم بعدة سنين حينما يبطل إنجيلي ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمناً في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء يعرفه أحد مختاري الله وهو سيظهره للعالم»»1 وجاء كذلك أنه عندما خاطب يسوع السامرية قال لها بعد أن سألته: لعلك أنت مسيا أيها السيد، أجاب يسوع: «إني حقاً أرسلت إلى بيت إسرائيل نبي خلاص، ولكن سيأتي بعدي مسيا من الله لكل العالم الذي لأجله خلق الله العالم»2.


(ملاحظة: عندما ذكرنا برنابا وإنجيله لأول مرة في هذا البحث لم تكن لدينا نسخة منه لنطالعها فاكتفينا بذكر ما كنّا قد لاحظناه من قبل من قراءة بضع صفحات من آخره. أما الآن فق صارت نسخة الإنجيل المذكور بين أيدينا فطالعناها ووجدنا فيها مستندات ومراجع كثيرة تدل على ارتباط وثيق للتقاليد المحمدية بها، وسنعود إلى تفصيل ذلك في محله حين مراجعة هذا البحث لتنقيحه).


بناءً على ما تقدم وعلى الاستناد إلى رواية برنابا لإقامة اعتقادات محمدية كثيرة، يكون الخلاف منحصراً في هل يسوع هو المسيح الذي به الخلاص أو هو محمد. وهذه قضية لا يمكن أن يبتّ بها إنسان بالحجة والمنطق والبراهين، فهي مسألة اعتقاد لا مسألة تقرير أمر تاريخي، والحكم فيها يجب أن يترك لله كما ورد في القرآن، فهو وحده يقدر أن ينبىء المختلفين ما هم فيه يختلفون. ولكن يظهر أن تلامذة المدرسة الرجعية لا يريدون أن يتركوا لله شيئاً حتى ولا قوة الحكم. فهم يريدون إبطال الحشر لأنهم يريدون أن يحاسبوا المؤمنين من مسيحيين ومحمديين على كيفية إسلامهم. ومتى فعلوا ذلك فماذا يبقى لله يوم الدينونة؟، وما الفائدة من حشر النفوس؟، وما هي القيمة التي تبقى للآيات المنذرة للناس بعقاب الله؟


إن دعوة أساتذة «الجنسية الدينية» إلى إعادة دولة الدين المحمدي قد باءت بالخيبة، كما باءت بالخيبة دعوة الدين المسيحي. فقد دعا صاحبا (العروة الوثقى) العلماء (علماء الدين) لفعل الخير الذي هو في عرفهما الخير كله وهو: «جمع كلمة المسلمين». وناديا، في مقالة «التعصب»: «هذه هي روابطكم الدينية لا تغرّنكم الوساوس ولا تستهوينّكم الترّهات ولا تدهشنّكم زخارف الباطل. ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة الفهم واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي»3! فلم يكن وهمٌ أعظم من وهم هذه الرابطة الدينية في معترك حياة الأمم، ولم يكن غرورٌ أسوأ مصيراً من هذا الغرور. فهل اجتمع التركي بالعربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي؟ كلا. ذلك لأن الروابط الجغرافية والسلالية والاجتماعية والاقتصادية كانت أقوى من الرابطة الدينية في جميع الأديان على السواء. وحين كانت الخلافة العثمانية قائمة لم يكن للرابطة الدينية من غرض غير تسخير الشعوب الإسلامية الأخرى لخدمة مصلحة تركية فقط. ولذلك انتفضت الأقطار العربية على تركية محالفةً أمماً مسيحيةً ضدها. وفي حين كانت الرابطة الدينية وسيلة لبسط النفوذ التركي كانت في الوقت عينه عبئاً على السلطة العثمانية التي رزحت تحته إذ لم تستطع أن تكوّن من الجماعات الإسلامية شعوراً واحداً وفكراً واحداً في المسائل السياسية والاقتصادية الإنترناسيونية، فكان ذلك برهاناً قاطعاً يكذّب قول صاحبي (العروة الوثقى) وهو: «لهذا ترى العربي لا ينفر من سلطة التركي، والفارسي يقبل سيادة العربي، والهندي يذعن لرئاسة الأفغاني».


الرابطة الدينية لها قيمة فعلية في الشؤون الدينية البحتة فقط، أما في شؤون الحياة الاجتماعية ــــ الاقتصادية وتقدم الأمم، فالرابطة القومية، كما هي مشروحة في كتاب (نشوء الأمم) بقلم زعيم النهضة السورية القومية، هي الرابطة الوحيدة التي تكفل حرية الأمم وحقوقها، وتجهزها بجميع وسائل الفلاح. وحيث تخيب الرابطة القومية لا يمكن أن تصيب الرابطة الدينية، لأن الرابطة الدينية تهمل الجغرافية والتاريخ والسلالة والاجتماع والاقتصاد والنفسية الاجتماعية، أي جميع العوامل التي توجد الواقع الاجتماعي وتتكفل بحفظه.


حبط مشروع الجنسية الدينية والوحدة الإسلامية المحمدية حبوطاً تاماً لأنه مشروع خارج عن الشؤون الدينية البحتة، وداخل في مسائل لا يصلح الدين لحلها لأنها ليست مسائل دينية، فلم يمكن التوفيق بين مطامح السوري ومثله العليا ومطامح التركي ومثله العليا، ولم يمكن توحيد عقليات الجماعات الإسلامية من هندية وعربية وفارسية وتركية وغيرها، ولا توحيد شعورها وحاجاتها ومشاربها، فكان لا بد من حبوط فكر العصبية الدينية والدولة الدينية، ولا نقول إن فكرة الدولة الدينية لا يمكن أن تقوم في الإسلام المحمدي فقط، بل في الإسلام المسيحي أيضاً وفي كل دين على الإطلاق.


بعد حبوط دعوة مدرسة الدولة الدينية والجنسية الدينية إلى «جمع كلمة المسلمين» وتوحيد السوريين والأتراك والمصريين والفرس والأفغانيين والمغربيين والهنود إلخ، رأى أتباع هذه المدرسة أن يلجأوا إلى مبدأ البدل أو التعويض، فقرروا المناداة بجامعة محمدية أقل اتساعاً من مدى الفكرة الأولى. فنادوا بالعروبة على أساس المحمدية متخذين من العنصر اللغوي دعامة جديدة لفكرتهم الأولى الدينية المعدلة بعد الخيبة. وهذا التعويض بالجامعة الدينية اللغوية عن الجامعة الدينية البحتة لم يكن القصد منه التخلي عن الفكرة الأولى بالكلية، بل القصد منه الاقتناع بالأقل لاستحالة الأكثر. وفي بعض مجادلات أصحاب هذه المدرسة لا يندر أن تجد هذا التعبير «وطن المسلمين (المحمديين) القرآن». وهم يجدون في «العروبة» بدلاً ظاهرياً لا يبعد عن الفكرة الأساسية. بل صالحاً كل الصلاح لها، إذ لم يكن للعرب شأن تاريخي إلا بواسطة الدين، ولم تنتشر اللغة العربية إلا بالدين، فالعروبة عندهم لا تعني شيئاً غير الحركة الدينية التي قام بها محمد. ولذلك لا تخلو كتاباتهم وخطاباتهم من إيراد الإسلام (المحمدي) مقروناً بلفظة العروبة أو العرب إلا في ما ندر. ومع ذلك فأكثرهم يحاولون أن يكونوا دبلوماسيين ماهرين فيقولون إن العروبة لا تعني المحمدية وإنه لا دخل للدين فيها، أي إنها دعوة يمكن أن تشترك فيها الأقطار العربية بكل جماعاتها الدينية بدون تمييز بين دين ودين، ظانين أن مثل هذا الكلام البسيط يكفي لخدع الجماعات غير المحمدية. فهم يجهلون أن مثل هذه الحيلة لا يجوز على المحقق في العلوم الاجتماعية والسياسية، وإن جاز على بعض البسطاء. إن اتحاد أقطار لا رابطة بينها في الجغرافية أو الاجتماع أو الاقتصاد أو النفسية، ولا صلة لها بعضها ببعض إلا صلة الدين المدعومة بشيوع اللغة، لا يمكن أن يكون له غرض آخر غير غرض الدين. وإن الجماعات القليلة التي تنتمي إلى أديان أخرى لا يمكن أن يكون لها أي شأن أو حقوق في دولة دينية ليست من دينها، خصوصاً وأصحاب نظرية هذه الدولة الدينية يجاهرون أن الغرض من دولتهم الدينية هو التغلب على أهل الأديان الأخرى «منازعة كل ذي شوكة في شوكته» «وإن الديانة الإسلامية وُضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح».


ولما لم تكن الدعوة «العروبية» غير بدل من الدعوة إلى الدولة الدينية المحمدية، لم تتمكن من تعيين أصول ثابتة لفكرتها الموهومة. لذلك ترى أصحاب هذه الدعوة يلجأون إلى التعديل والبدل عند كل صعوبة تصطدم بها دعوتهم، فهم تارة يطلقون القول على جميع الشعوب المتكلمة العربية، وطوراً يحصرونه في منطقة وهمية أصغر، فيقولون بتشكيل دولة واحدة من سورية ومصر والعراق والعُربة، أي بإخراج القيروان وطرابلس الغرب وتونس والجزائر ومراكش. ثم يصغّرون هذه المنطقة عند الاضطرار فيجعلونها مقتصرة على سورية والعراق والعُربة. هذا يجري «للعروبيين» في سورية. أما في الأقطار الأخرى المستقلة فقد تحولت «العروبة» إلى لفظة يقصد بها الدعاوة للدولة القائمة والتغرير بالسوريين وغيرهم. ففي مصر، مثلاً، العروبة على أنواع. فمنها العروبة المصرية الاقتصادية التي تقصد إدخال سورية والعراق وغيرهما تحت سلطة الرأسمال المصري بواسطة المصارف وغيرها من الشركات، ومنها العروبة المصرية السياسية وغرضها إيجاد خلافة محمدية في مصر تضم إليها ما أمكن من الأقطار المجاورة.

وقد ذرّ قرن هذه العروبة بطلب إلحاق فلسطين بمصر وتفكيك الوحدة السورية. ونكتفي بهذين المثلين اللذين يمكن اتخاذهما قياساً للعروبات في الأقطار الأخرى. وهذه الحقيقة توضح مقدار التصادم بين الجنسية الاجتماعية أو العصبية القومية والجنسية الدينية، ففي مصر توجد دولة محمدية وفي العُربة توجد دولة محمدية وكذلك في العراق.

ولا يوجد بين هذه الدول خلاف على الرسول ولا على القرآن، ومع ذلك فإن الدين لم يستطع توحيد هذه الدول، والسبب هو العوامل الجغرافية والسلالية والتاريخية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها. وهذه العوامل هي التي لها الغلب على الدين في الشؤون الدولية لأن الدولة شي اجتماعي ــــ اقتصادي ــــ سياسي قبل كل شيء.


العروبة ليست سوى حلم دولة دينية محمدية محدودة بدلاً من الدولة الدينية المحمدية المطلقة التي حلم بها أصحاب مدرسة الرجعة، وهذه العروبة الدينية التي تزيد الشقاق والتنافس بين الأقطار العربية، وتمنع التفكير القومي من النمو وفتح الآفاق للأمم العربية اللسان هي نكبة أو لعنة لجميع الأقطار العربية على السواء، كما أنها تغرير بالمسلمين المحمديين ليسيئوا فَهم دينهم ويضحوا روحية الدين في سبيل أغراض دولة دينية، لا محل لها إلا في الأقوام غير المتمدنة التي لا تقوم لها قائمة بغير الدين لانعدام أسباب العمران عندها.
هاني بعل
للبحث استئناف

(الزوبعة)، بوينُس آيرس

العدد (36)، 15/1/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير