السياسة الخارجية: دستور يوغوسلافية – ازدياد سلطة الملك

يوغوسلافية هي إحدى الدول الحديثة التي تعاني صعوبات وضع شاذ ناشىء عن عدم وحدتها الجنسية. وقد كان من وراء الاضطرابات الكثيرة التي حدثت بين مختلف شعوبها أنّ الملكية باتت فيها وكأنها على فوهة بركان لا تدري متى يثور ويقذف بها إلى الحضيض. فحدا ذلك بالملك إلى اتخاذ نفس الخطة التي أدت إلى تثبيت الملكية الإيطالية وإسقاط الملكية الإسبانية، ألا وهي الدكتاتورية. فحَلَّ البرلمان ودعا لجنة وضعت لبلاده دستوراً جديداً زاد في سلطة الملك زيادة تجعله نصف دكتاتور.

وُضع دستور يوغوسلافية الجديد على كيفية لا يتمنى أفضل منها دكتاتور مطلق التصرف. وبموجب هذا الدستور ستجري إنتخابات في الثامن من شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وهي إنتخابات ليس لها من هذه الصفة إلا الاسم، لأن قانون الانتخابات الجديد قد وُضع على صورة يمكن معها اعتبار كل مصوِّت ضد حزب الحكومة خائناً يستحق العقاب. ومع أنّ جميع أحزاب المعارضة قررت عدم الاشتراك في الانتخابات، فإن المفوضين بالمحافظة على الأمن قد اتخذوا جميع الاحتياطات التي من شأنها القضاء على كل مناورة سياسية يحاول المعارضون القيام بها.

المرجح أن تبقى أحزاب المعارضة في موقف المعارضة السلبية تجاه الدستور الجديد، كما كان موقفها من الدكتاتورية قبل وضعه، والمنتظر أن يوافق البرلمان الجديد الذي سيتألف على أثر الانتخابات على الدستور، لسبب بسيط هو أنّ الدكتاتورية تريد ذلك.

دكتاتورية دستورية: الحقيقة أنّ الدستور اليوغوسلافي الجديد لا يلغي الدكتاتورية، بل هو صنعتها، والبرهان على ذلك قائم في بيان الملك القائل بأن أسس الدولة قد وضعت، بعد إبطال الدستور السابق، على الصخر، وأنّ الوقت قد حان لتنظيم الدوائر السياسية الأكثر موافقة لاحتياجات الشعب ومصالح الدولة العامة. وقد جاء في ختام البيان الملكي: «إني قررت وضع العمل الذي نفذ حتى الآن والسياسة الوطنية والدولية على قاعدة واسعة يشترك في وضعها الشعب».

والواضح من العبارة المتقدمة أنّ الملك يدعو شعبه إلى الاشتراك في وضع الدستور الجديد على أن تكون الدكتاتورية محوره الأساسي.

زيادة سلطة الملك: إنّ من الأمور المهمة التي يتناولها الدستور الجديد سلطة الملك، فهي قد زادت زيادة محسوسة على ما كانت عليه حسب الدستور القديم. فهو الآن يستطيع عقد معاهدات «سياسية خالصة» مع دول أخرى من غير أن يحتاج إلى مصادقة البرلمان. وله أن يعيِّن نصف أعضاء مجلس الشيوخ، الذي هو من أعمال الدستور الجديد، وهذا يعتبر خروجاً على النظام القديم القائل بوجود مجلس واحد فقط. وفي حالة اختلاف بين المجلسين على وثيقة أو تغيير في الدستور فللملك أن يحكم في الخلاف بدلاً من أن يجتمع المجلسان في مؤتمر يكون من حقه البت في الأمر.

منع الأحزاب القابئلية: لما كانت يوغوسلافية لا تؤلف أمة واحدة مندمجة العناصر مندغمة الأجناس، كانت أحزابها تستند بالأكثر إلى أساس عنصري، الأمر الذي أبقى الدولة منقسمة إلى «قبائل» منها الكروات والصربيون وغيرهم، وهو من أهم أسباب ضعف يوغوسلافية.

والظاهر أنّ الملك ــــ الدكتاتور يريد أن يوجد بالقوة وحدة شعبية في بلاده. فالدستور الجديد يمنع الأحزاب «القبائلية» ويعدّ تشريعاً جديداً خاصاً لإنشاء الأحزاب السياسية وحرية القول والصحافة. ومن جملة مواد الدستور الجديد أن يقسم النواب والشيوخ يمين الإخلاص للملك والدستور، والملك أيضاً يقسم يمين الإخلاص للدستور عند صعوده العرش.

وإذا كان يوجد، من هذا القبيل، بعض المحاسن الخاصة ببلاد يوغوسلافية، فإن في الدستور الجديد مواضع كثيرة للانتقاد منها الدكتاتورية والوسائل المتخذة لتوحيد شعوب البلاد.

أنطون سعاده
اليوم، دمشق   
العدد 68/16، 30/10/1931

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير