العروبة الزائفة والعروبة الصحيحة


أظهرنا في الحلقة السابقة بطلان حجة أصحاب فكرة الجنسية الدينية والدولة الدينية المحمدية الذين حاولوا تأويل القرآن على هواهم وتفسير الدين بما ينطبق على أغراضهم، وقلنا إن اجتهادهم المستند إلى بعض آي القرآن دون بعض هو اجتهاد باطل، لأنه يلغي فكرة وحدة الكتاب ووحدة الدين، ويجري ضد غاية الدين الأصلية، ويحاول التغرير بالمؤمنين حتى تختلط عليهم أغراض الدين وأغراض الدولة فلا يميزوا بين تلك وهذه، وهو غاية الضلال.


وقد جئنا بشواهد كثير من القرآن على فساد تأويل صاحبي (العروة الوثقى) لغرض الدين وعلى أن «تنمية الملّة» كان أمراً ضرورياً وفرضاً على المؤمنين، لتثبيت دينهم في أرض الشرك (الوثنية)، ولإزالة أخطار الوثنيين عليه. وأثبتنا أن فرض القتال كان للتغلب على الذين يقاتلون المؤمنين في الدين. ونزيد هنا على ما أثبتناه أنه لا يجوز الاحتجاج بآية: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}1، فهذه الآية وردت إبّان التحريض على قتال المشركين والذين ظاهروهم من أهل الكتاب على قتال أتباعه محمد واضطهاد دعوته. فهي من قسم نقض العهد مع المشركين من سورة الأنفال التي فيها نص صريح بالتحريض على القتال. والآية ظرفية بحتة ومتعلقة بالحرب بين محمد وأعداء دعوته في العُربة. وتخصيص أهل الكتاب بدفع الجزية بدلاً من وجوب تغيير صلاتهم ومعتقدهم هو برهان قاطع علي أن الحرب بين المحمديين وبينهم لم تكن على أساس فساد دينهم واعتقادهم بالله ، إذ إن القرآن جاء {مصدقاً لما معهم}2، بل على أساس تكذيبهم لمحمد ومعاونة المشركين عليه، وهو مختص بالعرب من أهل الكتاب الذين جعلوا ثلاثة آلهة في محل الله الواحد وقالوا بألوهية مريم، وفسروا المسيحية على ما لا ينطبق على تعاليمها، فحكم الآية المذكورة مقيد بظرف الزمان وظرف المكان. والبرهان على ذلك هو وجود آيات كثيرة مكيّة ومدنية لا تجيز إطلاقها كآية: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}1 وآية {قولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}2، وآية: {لا إكراه في الدين قد تبين الشد من الغيّ}3 وآية: {وليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب}4 وآية: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون}5 وغيرها كثير يضيق عنه هذا المجال. وانظر الفرق بين آية قبول الجزية من الذين: {لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب}6، والمقصود بعض أهل الكتاب وليس كلهم، وآية قتال المشركين حتى يتوبوا ويؤمنوا وهي من السورة عينها قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم}7. فمحاربة: {الذين لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب}8 لا تتناول جميع أهل الكتاب، بل تقتصر على الذين أساؤوا فهم دينهم من العرب الذين وصفنا أمرهم وصفاً مؤيداً بشواهد. وتخصيص الذين {لا يدينون دين الحق} يعني أنه يوجد من يدينون هذا الدين بموجب كتابهم. أما تأويل المعنى على غير هذا الوجه فاجتهاد بعيد جداً، والعمل بالاجتهاد غير واجب، لأن المجتهد يقول بما يصل إليه إدراكه وقصده، فكلامه رأي شخصي لا يلزم النص إذ هو في غير مقام النبوة والوحي. والمصيبة كانت دائماً في الذين يريدون أن يجعلوا اجتهادهم في مقام الوحي والنبوة، ويطلبون من المؤمنين ترك النص والتعويل على اجتهادهم.


إن أصحاب فكرة الجنسية الدينية والدولة الدينية من المجتهدين في تفسير القرآن وتأويله، وهم أصحاب غاية السلطان والمطامع في الحكم عن طريق الدين، لم يحاولوا التفكير في ما هو أبعد من الطفرة الوقتية ولا في طبائع الدول والمجتمعات الإنسانية. وأغرب من ذلك أنهم لم يهتموا بدرس نشأة دولة الدين المحمدي وتلاشيها، ولا بدرس نشأة دولة الدين المسيحي وانقراضها. ولذلك يعزون تفكك وحدة الدولة الدينية المحمدية إلى «تخالف طلاب الملك وتنازع الأمراء»، فقد قال صاحبا (العروة الوثقى)، وهما أستاذا هذه المدرسة الفكرية «العصرية» في مقالة «الوحدة الإسلامية»:
«نعم يوجد للتقصير في إنماء العلوم وللضعف في القوة أسباب أعظمها تخالف طلاب الملك فيهم (المحمديين)، لأنّا بيّنا أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم فتعدد الملكة عليهم كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة والسلاطين في جنس واحد، مع تباين الأغراض وتعارض الغايات، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصم على خصمه، وألهوا العامة بتهيئة وسائل المغالبة وقهر بعضهم لبعض. فأدت هذه المغالبات وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية إلى الذهول عما نالوا من العلوم والصنائع، فضلاً عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها والانحسار دون الترقي في عواليها. ونشأ من هذا ما نراه من الفاقة والاحتياج، وعقبه الضعف في القوة والخلل في النظام، وجلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرّق الكلمة وانشقاق العصا»1.


ثم تأتي فقرة أخرى من المقالة عينها في مجلة (العروة الوثقى) وهذا نصها:
«إن رعاة المسلمين، فضلاً عمن علاهم، تتصاعد زفراتهم وتفيض أعينهم من الدمع حزناً وبكاءً على ما أصاب ملّتهم من تفرق الآراء وتضارب الأهواء، ولولا وجود الغواة من الأمراء ذوي المطامع في السلطة بينهم لاجتمع شرقيهم بغربيهم وشماليهم بجنوبيهم ولبّى جميعهم نداءً واحداً»2.


أول ما يظهر التحقيق العلمي بعده عن حقائق العلم الصحيح، من كلام (العروة الوثقى) المثبت قبل هذه الفقرة، هو عزو انفراط وحدة الدولة الدينية المحمدية إلى «تخالف طلاب الملك» في المحمديين. فصاحب هذا الكلام لا يعرف من أسباب الاجتماع الإنساني وروابطه غير سبب الدين الإلهي ورابطته، مع أن الاجتماع لازم البشرية منذ أقدم أزمنة وجودها ومع أن التاريخ يخبرنا عن دولة عظيمة أقامت النظام وفتحت الفتوحات البعيدة قبل عهد الكتب المنزلة والبشير بالإله السماوي الواحد، كما جرى للدول السورية منذ العهد الفينيقي إلى آخر العهد السلوقي. والإمبراطورية السورية الشرقية التي ابتدأت بصور، بعد صيدا، وانتهت بنهاية الدولة السلوقية، والإمبراطورية السورية الغربية، وقاعدتها قرطاضة، قد عمرتا أكثر من أية دولة أو إمبراطورية دينية، وكانت لكل منهما وحدة ورابطة لم تنل مثلهما الدول الدينية. فتخالف طلاب الملك وتنازع الأمراء قد يكونا السبب الأعظم لفشل دولة من الدول الاجتماعية وتخاذلها، ولكنهما ليسا السبب الأعظم ولا الهامّ في تلاشي الدولة الدينية، لأن طبيعة الاجتماع الإنساني غير طبيعة الدين والإيمان. فالمؤمنون من كل دين أخوة بالمعنى الروحي فقط، أما بالمعنى الاجتماعي ــــ الاقتصادي فالأخوة هم فقط أبناء المجتمع الواحد الذين ألّفت بينهم البيئة وجمعتهم أسباب العيش ومطالب الحياة لا أسباب السماء ومطالب الإيمان.
الدولة الدينية المحمدية نشأت ونشأ الاختلاف بين الأمراء معها في أصولها، فاختلاف الصحابة وتنازعهم الأمر وحروبهم لم تكن على نص ديني ولا على غاية دينية، بل على السلطة والنفوذ، فطبيعة حياتهم العربية وتقاليد العرب وقبائلهم وعاداتهم ومطالبهم هي سبب هذه المنازعات بين الصحابة التي امتدت إلى كل مكان دخله العنصر العربي. وهذه المنازعات لم تكن منازعات في الدولة المحمدية، بل في البيئة والمجاميع العربية، فلا يصح إطلاقها على جميع المنازعات التي أدت إلى تفكك دولة الدين المحمدي. فإن أسباب هذه المنازعات الأخيرة التي تفككت من جرائها وحدة الدولة الدينية المحمدية هي عينها أسباب المنازعات التي انتهت بتفكك وحدة الدولة الدينية المسيحية، أي الأسباب القومية. فالقومية قد انتصرت على الدولة الدينية. فلم يطق السوري الخضوع لدولة فارسية باسم الدين ولا لآية دولة دينية غير سورية، ولم يطق الفرس الخضوع للعرب، ولم تطق سورية وغيرها من الأقطار العربية الخضوع لتركية.

فاختلاف الأجناس والعقليات والبيئات لا يمكن أن يزول بوحدة الدين أو بوحدة الشرع، لأنه من طبيعة الواقع الاجتماعي. وجهل هذه القاعدة الاجتماعية هو الذي جعل صاحبي (العروة الوثقى) يقولان إن السبب الأعظم لتفرّق كلمة المحمديين هو «تخالف طلاب الملك وتنازع الأمراء» وإنه: «لا جنسية للمسلمين (المحمديين) إلا في دينهم».

وكلامهما يدل على جهل بنشأة الدولة الدينية المحمدية ونهايتها. فهل كان الخلاف الجنسي العظيم بين الشعوبيين والعروبيين مجرد تنازع أمراء وتخالف طلاب ملك؟


أيظن أصحاب فكرة الجنسية الدينية المحمدية أنه لو عم الدين المحمدي العالم لأمكن إنشاء دولة واحدة تضم الإنسانية كلها؟ إنهم يظنون هذا الظن وينادون بوجوب الدعوة إلى هذا الوهم، غير معتبرين بعلم ولا بتاريخ. فاختلاف أمزجة الشعوب وطبائعها وتباين مراميها وتعارض غاياتها ليس منشؤه «وجود الغواة من الأمراء ذوي المطامع في السلطة»، بل اختلاف الأقاليم والأجناس والبيئات وتباين المطالب العمومية، وتعارض الغايات الشعوبية وتنائي الأقطار. ولذلك لا يمكن التفكير بضم أبناء دين واحد منتشر في الأصقاع في دولة واحدة إلا على أساس الجهل والغرور، وقد يحتج بأن المحمديين ينقصهم ازدياد المعارف والفنون ليتحدوا في دولة واحدة. والحقيقة أن هذا ينقصهم ليعلموا بطلان هذه الفكرة. فالشعوب المسيحية التي بلغت ذروة التمدن وأقصى العلم لم يكن اتحادها في دولة واحدة مع أن المسيحيين يعدون أنفسهم إخوة في الدين، وتعاليم دينهم أوصتهم بالأخوّة، ذلك لأن أخوّة الدين لا يمكنها أن تحل محل الأخوّة القومية والحاجات والمطالب الشعوبية. ولذلك خابت الدولة الدينية العامة المطلقة في جميع الأديان على السواء. وكل دعوة لإعادة هذه الدولة هي تغرير وشعوذة. والالتجاء إلى مبدأ البدل لإقامة دولة دينية محدودة بدلاً من الدولة الدينية العامة هو شعوذة أخرى، لأن هذا البدل هو دليل على فساد الفكرة الأساسية، التي هي فكرة تأسيس الدولة على الدين، واستحالة تحقيقها. فلو كانت الفكرة صحيحة للزم عدم انهيار الدولة الدينية بعد تأسيسها وعدم الاقتصار على بعض أهل الدين دون بعض.


وقد أوضحنا في الحلقة السابقة فساد قضية الدعوة إلى إنشاء دولة دينية محدودة، بدلاً من إنشاء دولة دينية عامة. فأثبتنا عدم وجود وعدم إمكان تعيين أصول ثابتة لفكرة الدولة العربية التي يتخيل الداعون الأساسيون لها إمكان جمع جميع الأمم المتكلمة العربية والدائنة بالمحمدية تحت لوائها. وبيّنا عدم استقرار هذه الدعوة على فكرة واضحة والمجال الواسع للتأويل فيها. فبما أنها ليست سوى بدل من عقيدة فاسدة لم تصلح لتكون عقيدة في ذاتها ولذلك لم يتمكن أصحابها من توليد حركة واحدة عامة في جميع الأقطار الداخلة ضمن نطاق عالم اللغة العربية والدين المحمدي.


العروبة التي تهمل المبادىء الجغرافية والإقليمية والسلالية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية الاجتماعية، أي جميع العوامل التي توجد الواقع الاجتماعي وتتكفل بحفظه ولا تستند إلا إلى الدين وإلى اللغة بمقدار هي عروبة زائفة لا نتيجة لها غير عرقلة سير المبادىء القومية الصحيحة في سورية والأقطار العربية عامة، وإعطاء الدول الأجنبية كل فرصة للتسلط على أمم العالم العربي، والتغرير بها وإذلالها، هي عروبة زائفة لأنها لا ترمي إلى نهوض أمم العالم العربي، بل إلى إيقاد نار الفتنة الدينية والحرب الداخلية في كل أمة مؤلفة من أكثر من ملّة المحمديين.
إن أصحاب هذه العروبة هم أعداء العرب الحقيقيون لأنهم أعداء نشوء القومية الصحيحة في كل أمة من أمم العالم العربي، وأعداء نهوض كل من هذه الأمم كرجل واحد لنيل سيادتها وحقوقها، والارتقاء نحو مطالبها العليا المكونة من نسيج شعورها وآمالها ومطامحها وأشواقها الأصيلة في نفس كل أمة ومزاجها. وهم يتوهمون، لجهلهم الفنون والعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، أن الأكثرية الملّية تغني عن الواقع الاجتماعي وعن الوحدة القومية المطلقة التامة.


إن هؤلاء «العروبيين» قد زيفوا القومية ووضعوها في السوق للتداول، عوضاً عن القومية الحقيقية التي هي شعور كل أمة بشخصيتها ونفسيتها وحقوقها ومطالبها. وكما يلتبس على غير الخبراء بالعملة والطباعة المالية أمر العملة الزائفة، كذلك يلتبس على غير الخبراء بالعلوم الاجتماعية والسياسية وغير الممارسين للقومية الصحيحة أمر القومية الزائفة، فهم قد جعلوا العروبة في مقام الرابطة الدينية، ثم طلوها أو رسموها برسوم القومية زيادة في التمويه والتضليل.


قلنا إن القومية هي الشعور بشخصية الأمة وحقوقها ومثلها العليا، وهي في الحقيقة شخصية المجتمع ونفسيته فلا تطلق إلا على المجتمع المكوّن شخصية فيزيائية ونفسية واحدة. ولما لم يكن العالم العربي قطراً واحداً وبيئةً واحدةً وسلالةً واحدةً ومجتمعاً واحداً فلا يمكن أن تكون له شخصية فيزيائية ونفسية واحدة، ومن ثم لا يمكن أن تكون له قومية واحدة ومطالب واحدة ونظرة واحدة إلى الحياة والفن.


العالم العربي مؤلف من أقطار متباعدة، وأقسام كبيرة منه تتخللها أو تؤلفها الصحارى القاحلة غير الصالحة للعمران. وإذا كانت قد دخلت هذه الأقطار نسبة دموية عربية قليلة، فوضعها الجغرافي ومعدل كثافة سكانها وإمكانياتها الاقتصادية لم تؤهل هذه الأقطار لإنشاء مجتمع واحد مترابط بدورة دموية واجتماعية ــــ اقتصادية منتظمة. فلم تنشأ فيها نفسية متمدنة واحدة ولا نظرة إلى الحياة واحدة، فهي ليست بيئة واحدة، وسكانها لا يؤلفون أمة واحدة، وتسمية شعوب العالم العربي أمة هي من باب إطلاق الأسماء على خلاف مدلولاتها ومعانيها.


العالم العربي بيئات متباينة ومجتمعات متباعدة، وحاجات كل مجتمع ومطالبه العليا ونظرته إلى الحياة والكون تختلف عن حاجات الآخر ومطالب كل منها ونظرته إلى الحياة والكون. وبناءً عليه يكون العالم العربي أمماً لا أمة. وهذه الأمم لها صلات لغوية ودينية بعضها ببعض توجب عليها سلوك خطة التقارب والتفاهم ما أمكن، والتعاون على نسبة الاشتراك في بعض الشؤون السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية التي يمكن أن توجد في ما بينها. والطريق الوحيدة لحصول هذا التقارب وهذا التفاهم وهذا التعاون هو أن تنهض كل أمة بنفسها وتفهم وضعها وحاجاتها ومثلها العليا ويتمرن أفرادها على ممارسة الحقوق المدنية والسياسية، فتصبح قادرة على إدراك ما يمكنها أن تشترك فيه مع أمم العالم العربي ويتفق مع حاجاتها ورغباتها. وما هو النصيب الذي تقدر على القيام به وما لا يمكنها الاشتراك فيه ولا يتفق مع حاجاتها ورغباتها. وهذه هي العروبة الصحيحة التي تجمع بين المحافظة على شخصيات أمم العالم العربي وحرياتها وحقوقها من جهة، والتعاون الطوعي أو الاختياري في جميع المصالح المتبادلة في ما بينها من جهة أخرى.

هذه هي العروبة الصحيحة التي وضع قواعدها المتينة الحزب السوري القومي الذي، مع عمله لنهضة سورية، لم ينسَ مركز سورية في العالم العربي وما تقدر أن تفعله سورية للعالم العربي.


كل وحدة فعلية، لكي تثبت على زعازع الانقلابات السياسية، يجب أن تكون طبيعية لا اصطناعية. فالإمبراطورية العربية ــــ المحمدية كانت وحدة سياسية دينية اصطناعية اجتماعياً، لأنها نشأت بالفتح وليس برغبة واختيار الذين انضووا تحتها. فما كادت سورة الفتح تخمد حتى ذرّ قرن المنازعات الشعوبية، واستفاق كل شعب إلى حاجاته ورغباته الخصوصية، فتفككت الوحدة الاصطناعية وانهارت الإمبراطورية. ولا يمكن قيامها من جديد إلا بالطريقة التي قامت بها من قبل، أي بالقوة والفتح، إذ لا ينتظر أن تكون وحدة اجتماعية ــــ اقتصادية ــــ نفسية ــــ جغرافية نظراً للأسباب التي تقدم ذكرها. ومسألة الفتح تبقى من شؤون الفاتح، فهي مسألة سياسية إنترناسيونية لا مسألة قومية. إنها مسألة تقرير مصير أمم وأقطار لا مسألة نهضة أمة واحدة بإرادة واحدة.


النظرية السورية القومية في هذه المسألة هي: النهوض القومي بسورية أولاً ثم سلك سياسة تعاونية لخير العالم العربي، ونهضة الأمة السورية تحرر القوة السورية من سلطة الأجانب وتحولها إلى حركة فعالة لإنهاض بقية الأمم العربية ومساعدتها على الرقي.


وهذه العروبة السورية القومية هي العروبة الصحيحة الصريحة غير الملتوية، هي العروبة العملية التي توجد أكبر مساعدة للعالم العربي وأفعل طريقة لنهوضه.
إنها ليست عروبة دينية ولا عروبة رأسمالية نفعية، ولا عروبة سياسية مرائية: إنها عروبة مثلية لخير العالم العربي كله.
هاني بعل
للبحث استئناف

(الزوبعة)، بوينُس آيرس

العدد (37)، 1/2/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير