القوميّون الاجتماعيّون فَيضٌ يتدفّق في هذا الوجودتحيّةٌ إلى الرّفيق الشّهيد ميخائيل ملحم

الأمين إدمون ملحم

في الأربعينيّات من القرن الماضي تعرّض القوميّون الاجتماعيّون إلى إجراءات إجراميّة، وحملات اعتقال متكرّرة من قبل سلطات الانتداب الفرنسيّ. ويقول سعاده في هذا الخصوص: “كم مرّة اعتُقِلنا؟ كم مرّة زُجِجنا في السّجون وفي الـمعتقلات بين سجن الرّمل وبعبدا وبتدّين والميّه وميّه وأنحاء أخرى؟ كم من كتاب صادروا لنا؟ ومن صحيفة وكرّاس صادروه؟ وأخيراً ما هي النّتيجة الّتي حصلت؟ إنّ الدّولة الأوروبيّة الكبيرة الّتي كانت وراء كلّ هذه الـملاحقات، والّتي تـجاهلت أو جهلت اختباراتها هي في الحرّيّة في بلادنا، هي بكلّ قوّاتها وأساطيلها ومدرّعاتها، بدبّاباتها، وبسنغاليّيها، لم تكن قادرةً أن تمنعنا من أنّ ننمو وننشط…”. كما ألقت سلطات الانتداب القبض على بعض أركان الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ وعدد من رجاله في بيروت ودمشق وطرابلس وحمص، وغيرها من مدن سورية الشّماليّة، وأبقتهم موقوفين طوال أشهر عديدة تحت ستار تُهم تقليديّة… ولكنّ الموقوفين لم يجزعوا بل أظهروا رباطة جأشٍ وشجاعةً نادرتَيْن لما تعرّضوا له وازدادوا ثقةً بنفوسهم وإيماناً بنهضتهم، لأنّهم شعروا أنّ روح الزّعيم العظيم قد امتزجت في أرواحهم.

وفي الثّامن من تمّوز عام 1949 أعدموا أنطون سعاده على رمال بيروت وظنّوا أنّهم قضوا على حزبه وعلى الحقيقة السّامية الّتي يقوم عليها هذا الحزب والّتي تعبِّرُ عنها المبادئ القوميّة الاجتماعيّة… فيا خجل تلك اللّيلة من التّاريخ… ويا خجل سورية من تلك اللّيلة الظّلماء…

وفي الحادي والعشرين من تمّوز عام 1949، نُفِّذَ حكم الإعدام بستّة من أبناء العقيدة القوميّة الاجتماعيّة الأبطال رمياً بالرّصاص على شاطىء بيروت بتهمة القيام بثورة مسلّحة والتّآمر على النّظام في لبنان وقلب الأوضاع القائمة فيه وقد اختاروهم على أساس طائفيّ… وهم الشّهداء: محمد الشّلبي، أديب الجدع، عباس حمّاد، معروف موفّق، عبد الحفيظ علامة، ومحمد الزّعبي. هؤلاء الأبطال تقدّموا إلى ساحة الإعدام بخطى ثابتة وهم يهتفون هتاف الحياة ويردّدون: لتحيَ سورية وليحيَ سعاده… اخترقت الرّصاصات صدور الأبطال، وتساقطت أجسادهم دفعةً واحدةً لتعانق أرض بلادهم الطّاهرة… وكان استشهادهم أسطورةً رائعةً وتأكيدٌ جديد على صحّة المبادىء المحيّية…

وفي الخمسينيّات من القرن الماضي تعرَّضَ القوميّون الاجتماعيّون في الكيان الشّاميّ إلى حملات الاضطهاد والتّعذيب والإلغاء على أيدي الحاكم العميل المستبدّ عبد الحميد السّرّاج وأزلامه… وتعرّضت معهم الأمينة الأولى إلى مؤامرة خبيثة أودت بها إلى السّجن حيث أمضت فيه سنوات طويلة متحمّلةً آلام النّفس والجسد ومعاناة الفراق عن بناتها الثّلاث مجسِّدةً بإيمانها وإرادتها الصّلبة أمثولة بليغة في الصّبر وعزّة النّفس والثّبات وفي الحبّ والوفاء والإخلاص لقضيّة آمنت بها، ولزعيم أحبّته وتعانقت روحها مع روحه فأمستا أنشودة الحياة الأجمل وسيمفونيّة الحبّ الخالدة الممتدّة ألحانها مع “أمواج الكون الخفيّة… تلامس القلوب النّابضة فتحوِّل نبضاتها إلى أناشيد الحبّ والقوّة، وتلامس القلوب المتحجّرة فتعيد إليها نبضات الحياة المنسيّة!”.

وبعد فشل المحاولة الانقلابيّة في الكيان اللّبنانيّ عام 1962، تعرّضَ القوميّون الاجتماعيّون في السّتينيّات إلى أشرس حملة اضطهاد وتنكيل وظلم وتعذيب بربريّ قام بها عملاء المكتب الثّاني وأرباب النّظام الطّائفيّ العفن…

وخلال الحرب الأهليّة الّتي عصفت بلبنان عام 1975، لم يتلكّأ القوميّون الاجتماعيّون عن القيام بواجباتهم تجاه أهلهم وشعبهم في كلّ المناطق التّي تواجدوا فيها… فالواجب، في قاموسهم القوميّ، يشكّل مبدأً أساسيّاً من مبادئهم الأخلاقيّة… لذلك كانوا حاضرين لمساعدة النّاس وحمايتهم ولم يتراجعوا عن المعركة. وبسبب مواقفهم من الاقتتال الطّائفيّ وتصدّيهم لمشاريع التّقسيم ودفاعهم عن وحدة هذا الكيان، تعرَّضوا إلى عمليّات الخطف والقتل والاغتيال والتّهجير وإلى خسارة الممتلكات والأرزاق…

وبسبب مواقفهم البطوليّة في الشّام وتصدّيهم لقوى الإرهاب والتّكفير المجرمة التّي ارتكبت الفظائع، وعبثت في البلاد نهباً ودماراً وإجراماً مدعومة من دول إقليميّة واستعماريّة استهدفت بحربها الكونيّة على البلاد تفتيت مجتمعنا، وشرذمته إلى كيانات وإمارات طائفيّة وإثنيّة هزيلة… بسبب هذه المواقف ومشاركة نسور الزّوبعة الأبطال على جبهات القتال دفاعاً عن وحدة البلاد وسيادتها، وصوناً للوجود والشّرف والكرامة، تعرَّضوا أيضاً إلى عمليّات الخطف والقتل والاغتيال والتّهجير وإلى خسارة الأرواح والممتلكات والأرزاق…

مئات من القوميّين الاجتماعيّين الأبطال ساروا على درب الشّهادة ودفعوا ضريبة الدّم عربوناً لإيمانهم العظيم وثباتهم على عقيدتهم المناقبيّة… وآلاف من القوميّين الاجتماعيّين الأبطال كانت ضريبتهم الخطف والتّعذيب والقتل والتّهجير والآلام…

كل هذه الأثمان والويلات والحوادث على مرّ السّنين لم تثنِ القوميّين الاجتماعيّين عن إيمانهم الكبير وعزيمتهم الصّادقة… فالقوميّون الاجتماعيّون لا يتلكّؤون عن واجبهم القوميّ، ولا يحيدون عن غايتهم السّامية “ولو تراكمت جثثهم على طريق الحياة، كَي تطأها الأجيال القادمة سلّماً نحو المجد”… إنّهم، كما يقول سعاده العظيم، “فَيْضٌ يتدفّق في هذا الوجود وسيستمرّ متدفّقاً إلى أن يغمر الأرجاء بإشعاعه، فتضمحلّ الظّلمات وتهرب الأباطيل والأضاليل، وتغوص في باطن الأرض، ولا تعود إلى الظّهور ثانيةً أبداً”.

تحيّة إلى أرواح الشّهداء الأبطال الّذين دفعوا ضريبة إيمانهم العظيم، وردّوا وديعة الأمّة فيهم دفاعاً عن سيادة وطنهم ووحدة مجتمعهم، وانتصاراً لقضيّتهم القوميّة الاجتماعيّة.

وتحيّة اعتزاز إلى روح والدي الرّفيق الشّهيد ميخائيل ملحم في ذكرى اختطافه وتصفِيَته على يد العصابات اللّبنانيّة المتصهينة المتمرِّسة بجرائم الخطف والقتل وارتكاب أبشع المجازر.

سنبقى عاملين للحياة الجميلة ولبناء وطن الخير والحقّ والجمال… وكما يقول الزّعيم الخالد: “لو قضوا على مئات منّا لما تمكّنوا من القضاء على الحقيقة الّتي تخلُد بها نفوسنا ولما تمكّنوا من القضاءِ على بقيّةٍ منّا تُقيمُ الحقَّ وتسحقُ الباطلَ”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى