اللغة العربية … لغة سورية:

المحامي عبد الوهاب بعاج

لا يظنّ أحدٌ أنّني بهذا العنوان أبحث في أصل الّلغة العربية وهل هي آراميّة، سريانية، نبطية، أو العكس أنّ هذه اللغات مأخوذة من العربية.

إنّ هذا ليس مِن اختصاصي، ولا اهتمامي، هو لأصحاب الاختصاص من الّلغويّين. ما يهمّني الآن ما هي اللغة العربية بالنسبة لنا نحن السوريين، ومدى تعارضها مع اللغات الأصلية لبلادنا في مجموع الهلال الخصيب، على ضوء مفاهيم ومنطلقات الفكر القومي الاجتماعي، الذي أرسى قواعده المعلم أنطون سعاده.

أنطون سعادة معلم اللغة العربية ..

غادر أنطون سعاده الوطن عام 1919 وهو في عمر الخامسة عشرة، يرافقه أخوة صغار. وصل الولايات المتحدة في العام 1920، وعمل قاطع تذاكر في محطة للقطارات، لأنّه كان يتقن اللغة الإنكليزية. ثم انتقل إلى البرازيل، حيث والده الدكتور خليل سعاده الذي يُصدر مجلّة المجلّة.

رأى أنطون سعاده في التدريس في المعاهد السوريّة في البرازيل عملاً مناسباً لحاجته. من هنا نجده يبدأ التدريس في الكلّية السوريّة البرازيليّة، التي أسّسها في العام 1912 وديع اليازجي، وكان أنطون يدرّس فيها اللغة العربية وآدابها، وتابع التدريس في الكلية حتى العام 1926 – 1928 عندما انتقل إلى مؤسسة سوريّة أخرى هي الكليّة الوطنيّة للعلوم والآداب، التي أسّسها عام 1919 لويس حايك، وتابع التدريس في هذه المدرسة حتى مغادرته البرازيل إلى سورية عام 1930. ( د. سليم مجاعص – أنطون سعاده. ج1 – ص 130).

عند عودته إلى الوطن أقام في دمشق، مركز النشاط السياسيّ، حيث عمل في الصحافة محرّراً للشؤون السياسيّة الدوليّة، في صحف الأيام والقبس، مع الاتصال بالكتلة الوطنيّة أمل التعاون، إلّا أنّ فكره وما يهدف إليه لم ينسجما مع هذه الكتلة، فعاد إلى بيروت، ليدرّس الألمانية للراغبين من طلّاب الجامعة الأميركيّة، وليؤسّس مع بعض الطلبة الحزب السوري القومي سرّاً…

الهجرة الثانية وتعليم اللغة العربية… درس خاص:

بعد انكشاف أمر الحزب في لبنان وحبس أنطون سعاده ستة أشهر، لأول مرة، ثمّ تكرّر الحبس والملاحقات، الأمر الذي اضطرّه للمغادرة إلى الأرجنتين، حيث نشط بتشكيل مجموعات وتنظيمات حزبّية من المغتربين، من بين هؤلاء كانت الرفيقة جولييت المير وعائلتها. كانت جولييت ابنة طرابلس الشام قد غادرت الوطن، وهي في الرابعة من عمرها، إلى الارجنتين لأسبقية إقامة والدها هناك.

نتيجة دراسة جولييت اللغة الإسبانية باعتبارها لغة البلد، إضافة إلى اللغة الإنكليزية، فقد ضَعُفت عندها لغتها العربيّة لعدم التعامل بها اجتماعياً وعملاً.

بدا التقارب بين قلبَي أنطون وجولييت، وتأكّد الحب بينهما، فبدأا التمهيد لطريق الزواج، وفي هذه الحال لا بُدّ من عودة جولييت إلى لُغتها الأصليّة، لُغتها القوميّة السوريّة… ليس أفضل من الحبيب أنطون مُدرّساً للحبيبة.

أصول التدريس:

جمع سعاده في أسلوبه، لتدريس محبوبته، أصول اللغة العربية وقواعدها، عبارات الحُبّ والشعور القوميّ مع أصول الصرف والنحو.

كانت الرسائل بينهما في البداية باللغة الإنكليزية أو الإسبانية، فكتب لها: “حبيبتي متى كتبت إليّ، فلا تبخلي ببضعة أسطر بالّلغة العربيّة لا يمكنك أن تتصوّري مقدار فرحتي بكتابك بلغتنا القوميّة، والطريقة الوحيدة التي شعرت أنّني أـتمكّن من التعبير بها عن فرحتي، هي أن أجعلك كما وددت. إنّ عباراتك بالعربيّة جيّدة وواضحة، ولا حاجة لتفسيرها، ولا صعوبة في فهمها، وإن كان لديك صعوبة في كتابتها لإهمالك ممارستها سنين عديدة، وإنّي أودّ أن تجعلي جميع كتبك إليّ بِلُغتنا، إلّا ما رأيت، الظروف أو الحاجة تقضي بكتابة، بلغة أجنبية، فهذه فرصة لك لتتعرّفي على الكتابة بالّلغة السوريّة، وأحب أن تنتهزينها(2)، من خلال هذا المديح والتشجيع يوجد بعض الأغلاط الطفيفة، هي من إهمال القواعد، أو نسيانها، وبعض النّقص في بعض التراكيب النحويّة أو البيانيّة، والأهمّ الآن هو إصلاح الأغلاط، التي هي من النّوع الأول، وهي قليلة، وسأُعطيك إصلاحها ممّا يلي، مع ذكر بعض القواعد اللازمة ليصير التقيّد بها عند الكتابة(3).

وطريقة تصحيح هذه الأخطاء، وهي أغلاط صرفيّة (فأزهاره أجمل وأريد أن أتشكّل بهم من أزهارك، فقبلتهم، مكاتيب منّي وضعتهم غير مكاتيب، وراسلت لك الكلسات، في البوسطة، وهم من… الحيات في الهواء الطلق).

بعد استعراض هذه الأخطاء الواردة في الرسالة يصحّح الأخطاء كالتالي: “في جميع هذه الأغلاط المُشار إليها، يوجد ثلاثة أغلاط فقط، واحد مكرّر وهو استعمالك ضمير جمع المذكّر للأشياء الجامدة، فالأزهار، والمكاتيب، والكلسات وما شاكل كالأشجار والأحجار هي أشياء جامدة، والقاعدة بالعربية هي أن يُستعمل لهذه الأشياء ضمير المؤنّث المُفرَد، ولا يُقال للأزهار والمكاتيب والكلسات: هم. بل يقال هي، هكذا هي الأزهار، وهي الأشجار وهي الكلسات، وهي الكتب، ومن ثمّ يصير إصلاح غلطك في عباراتك المذكورة على هذه الصورة، وأريد أن أتشكّل بها (ليس بهم) من أزهارك فقبلتها، وقد أردت أن أجعل من مراسلتنا يوماً من الدروس التي تقوّي عبارتك وتجعل ألفاظك مُتقَنة، وهذا لا يعني أنّي لا أقبلها كما هي أو لا أتساهل فيها متى كنت بعجلة، فإذا إصلاحي يُتعبك فأنا أتركه لفرصة أخرى(4).

ثمّ يؤكّد عليها: “يجب أن تبقي في صراع حول وجوب الاهتمام بضبط كتابتك السوريّة، منعاً للأغلاط النافرة على الأقلّ، التي لا يجوز صدورها عمّن تعلّم مبادئ القراءة”(5).  

التحدي بين العربية والأجنبية:

تقول جولييت: “كنت أبرّر حديثي بالّلغة الإسبانيّة والإنكليزيّة، كوني أُخطئ كثيراً في تعبيري باللغة العربيّة، وكان يقول لي اجتهدي في لغتك الأصليّة كما تجتهدين في اللغات الأُخرى، لأنّ هذه ستكون أساس لغتك في المستقبل”(6).

في موقع آخر تقول: “لم يرضَ الزّعيم برسائلي بالّلغات الأجنبيّة، وكان يرفض أن أتابع بهاتَين الّلغتَين، فأرى نفسي أمام أمرٍ لا مفرّ منه، وتصعب عَلَيّ الكتابة بالّلغة العربيّة التي كنت قد أهملتها منذ زمن”(7).

يقول سعاده لمحبوبته: “استعملت معك الإنكليزية قليلاً، ولكن كان ذلك عندما كنت أجد ضرورة، أو سبباً ما، ولكنّي كنت دائماً أتحاشى الالتجاء إلى الإنكليزية في مخاطبتي لَكِ حين نكون منفردين، وإذا تذكّرت، فقد تذكرين أنّي أحياناً كثيرة كنت أُحوّل الحديث من الإنكليزية إلى السوريّة”(8).

تَردّ جولييت بقولها، وعلى لسانه: “ليس عزيزاً عَلَيّ، أن تكون اللغة الأجنبيّة هي الواسطة للتفاهم بيننا، خصوصاً أنّ العربيّة هي لغتنا، وإذا كُنت تصرّين على الكتابة بهذه اللغة، فسأجد فيها أيضاً أخطاء كثيرة حتى تَعدُلي عن الكتابة بها”(9).

ومع هذا التحدّي الّلغوي باعتباره يُجيد لغاتٍ ثمانية، منها الإنكليزيّة والإسبانيّة التي تكتب بها الحبيبة، أخيراً لجأ إلى آخر الدواء، الكَيّ، باعتبار جولييت رفيقة قوميّة اجتماعيّة تلتزم الأوامر، فقد وجّه لها رسالة أمر حزبيّ جاء فيها: “إذا عدت إلى الإنكليزيّة صدر قرار مختوم بختم الزعيم يمنعك من ذلك، وعدتُ أنا فابتدأت أُصلِح لَك لُغتك الإنكليزيّة لكي لا يبقى فيها عندك على السوريّة”(10).

الّلغة العربيّة لُغة البيت

كان سعاة يفكّر في المستقبل، مستقبل العائلة التي سيكونّها مع الحبيبة جولييت: “لذا فأوّل ما أريد أن أقوله هو أنّه يجب عليك يا حبيبتي أن تعدّي اللغة العربيّة، اللغة الأساسيّة التي تستندين إليها في التعبير عن أفكارك، وقد تضطرين لاستعمالها كثيراً في المستقبل، ولذلك يجب أن تهتمّي كثيراً بدرسها والعناية بعباراتك”(12).

صفيّة (المعنى الصفاء والنقاء) أولى نتائج الزواج، “وما أن نطقت حتى كان الأب يعلّمني القراءة والتكلّم باللغة العربيّة الفصحى”، هذا ما تقوله صفيّة.

منذ أن ابتدئنا التكلم بالعربيّة“13”.

وهذا ما يؤكّد كون الكلام في العائلة هو العربيّة الفُصحى، وبالتالي فإنّ صفيّة كانت في ذلك الوقت قد بدأت في صفّها الثاني في المدرسة، وهي في السادسة من عمرها، وكانت مجتهدة جداً، وتتمتّع بذاكرتها القويّة، وبذلك كانوا يعطونها قصائد وخطباً لتحفظها، فتفعل ذلك بسهولة تامّة، والّلغة التي يتكلّمونها دائماً كانت الفصحى، لذلك اعتادت صفيّة الفصحى منذ حداثة سنها(14).

ولتواجد الأب بعيداً عن العائلة في كثير من الأحيان بقصد العمل والنشاط الحزبيّ، فكانت المتابعة عن طريق الرسائل المفضّلة، ليراقب الأخطاء ويصحّحها، “وجدت في كتابه الأخير الذي سُررت به كثيراً، ولكن أزعجني منه شيء طفيف هو تلقّن صفية الّلهجة الطرابلسيّة (نسبة لِلَهجة أمها الأصليّة)، وقولك ، تأسّرت ، بالسِّين الحادّة بدلاً من تأثّرت بالثاء الليّنة اللطيفة التي تخفّف قليلاً من ثقل القاف”.

وعندما انضمّت أليسار، الابنة الثانية، إلى العائلة، كتب لهم: “سُررت كثيراً بأخبارك وأخبار صفيّة وأليسار العزيزتَين”، ثمّ يُنبّه ويذكِّر ويؤكّد عليها أن “لا تتساهلي في أمر لسانهما السوريّ”(16).ويفرح سعاده حين يسمع “صوت صفيّة زاد بهجتي، والظاهر أنّها لم تنسَ كُلّ الصحيح الذي علّمتها إيّاه بالسوريّة”.

ما بَعد العائلة الصغيرة…

لا نجد في كتابات سعاده، ولا خِطَبه، طالت أم قصرت، إلّا لُغةً عربيّة فصيحة لا تشوبها شائبة، وفيها من دقّة العبارات والمصطلحات والتعابير ما لا تجده عند غيره، من هنا كان تأثيره على كثير من الشعراء، وقد كانت له دراسات في هذا المجال، وخاصّة كتابَيه “جنون الخلود” و”الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ”.

لم يقتصر تأثير سعاده على المُتعاقدين معه على اتّباع مبادئه، بل على ما ذهب إليه من اهتمام بالّلغة العربيّة والآداب؛ لذا نجد أنّ كثيراً من أُدباء الحزب من الّذين لم يحصلوا على الشهادات المدرسيّة، وربما بعضهم مِمّن كان أُمّيّاً، درس وتعلّم وأصبح أديباً أو شاعراً يُشار إليه.

أكتفي بهذه القصّة كما رواها الأمين عبدالله قبرصي في كتابه “عبدالله قبرصي يتذكّر”، الجزء الأول ص 251، عن نعمة ثابت الذي تولّى مركز نائب الزعيم حيث يقول: “كان نعمة ثابت عندما دخل الحزب يتكلّم العربية كما يتكلّمها أحد الأميركان أو الإنكليز أو الأجانب من أيّ قطر كانوا، لا يتقنها لفظاً صرفاً ولا نحواً ولا عبارات مركّبة، إلّا أنّه ثابر وتدرّب وتعلّم، وما أن انكشف الحزب حتى كان يكتبها ويقرؤها دون لكنة أو إجهاد”.

يتابع عبدالله يقول: “إنّ حزبنا ليس مدرسة علم اجتماع، وتاريخ واقتصاد وجغرافيا، ومدرسة فكريّة مناقبيّة بوجه عام، إنّه أيضاً مدرسة للّغة العربيّة”.

لماذا الّلغة العربيّة:

ليس امتهاناً بالّلغة أو اللغات السوريّة، التي سادت العالم في يوم من الأيام، إنّما وبعد أن أصبحت الّلغة العربيّة لغة عامّة سائدة لنا نحن السوريّين، وللعالم العربيّ، وحملت فكرنا وقوميّتنا، من هنا “أصبح ضروريّاً لنا أن تتكلّم الأمّة لغة واحدة، وليس ضرورياً أن تنفرد بهذه اللغة، على أنّ أهَمّ ما في اللغة للأمّة، الأدب الذي تُنشئه هذه الأمّة ليعبّر عن روحيّتها ويحفظ روحيّتها ومُثُلها العُليا”.

الّلغة هي التعبير عن مكامن النفس والشعور، لذلك “حبيبتي إنّ عبارتك السوريّة هي جميلة، وهي تحمل إلى قلبي بأسرع ممّا تحمل عبارتك الإنكليزيّة، وكم كنت أفرح وأغتبط حين كنت تكلّمينني في اجتماعاتنا بلهجة سوريّة صريحة يتجلّى فيها جمال نفسيّتك المُجانسة لنفسي”.

“ثقي يا حبيبتي أنّه يكون أحلى على قلبي وأرفع شعوري، أن أعلم أنّه لم يردني كتاب منك بسبب أنك تتصبّرين على التّعب من أجل المُحافظة على مثالنا الأعلى القوميّ، من أن يردني كتاب منك فيه هذا التساهل والأخذ بالأهون”.

“إن حياتنا وحُبّنا يجب أن لا يكون أساسهما الأهون، بل الأعمق والأصحّ. وليكن أكيداً لَكِ أنّ خمسة أسطر سوريّة على ورقة، هي أفضل عندي من خمس صفحات ملزوزة الأسطر بعبارات أجنبيّة، تجعلني أشعر كأنّي خارج من ثيابي”.

“تقولين يا حبيبتي إنّ العادة تجعلك تستسهلين الكتابة بالإنكليزيّة أو الإسبانيّة. وهذا صحيح، ولكن هذه العادة قد كلّفتك بعض الصعوبة في الأوّل، ولا بُدّ من اجتياز بعض الصعوبة الآن. فإذا لم يكن رأيي موافقاً، فهل عندك رأيٌ في أيّ وقت تكون الفرصة الأفضل. رأيي أنا الآن الفرصة التي أنت فيها، وأنّي سأكون بعد الآن سعيداً دائماً لقراءة وسَماع عباراتك السوريّة التي تتّفق مع رغبتك في الظهور مزيّنة بطبيعتك، مُجرّدة من كل تزيين مستعار”.

من هنا نجد “أنّ قيمة الّلسان العربيّ لنا وقيمتنا نحن ضمن هذا اللسان، بحيث أصبح السوريّ يجد فيه التعبير عن أساسه وإدراكه وفهمه، فهو قد صار خزانة النفسيّة السوريّة وثقافتها، ويجب أن يعني كثيراً بالتراث النفسيّ السوريّ، ليضمن للأمّة السوريّة كلّ احتياجها، ويستنير الأدب السوريّ والفنّ السوريّ كلّ جوانبه”.

اللغة القومية…

يعرّف سعاده القوميّة بأنّها “يقظة الأمّة وتنبّهها لوحدة حياتها ولشخصيّتها ومميّزاتها ولوحدة مصيرها، أنّها عصبية الأمة”. ويقول أيضاً “هي الروحيّة الواحدة، أو الشعور الواحد المُنبثق من الأمّة، من وحدة الحياة في مجرى الزمان… إنّها عوامل نفسيّة مُنبثقة من روابط الحياة الاجتماعيّة الموروثة والمعهودة”.

من هنا تأتي ضرورة وحدة اللغة القوميّة، ومن دون أن يشترط انفرادها، إلّا أنّه يحبّذ ذلك انطلاقاً من وحدة الروحيّة والمُثُل وما تختزنه من فكر وفنّ وفلسفة… ومن خلال تشدّده في وحدة اللغة التي كانت تشّكل هاجساً في عقله، فإنّه يوضح ذلك في رسالته إلى حبيبته. يقول: “عندما استيقظت في الساعة الرابعة هذا الصباح، وجدتني حالاً وبُغتة أصارع فكرة اعتمادك مؤخّراً على الكتابة إليّ باللغة الإنكليزية، والظاهر أن هذه الفكرة كانت شاغلة عقلي الباطن، فلما استيقظت وجدتُني أعالجها دفعة واحدة من غير تمهيد”، “ثلاثة كُتب كُتبت إليّ مؤخّراً وكلّها بالإنكليزية على التعاقب، والحجّة في الأولى أنّه يتعذّر عليك الكتابة في المستشفى وسط ضجيج الموجودين حولك بالسوريّة.

ولكنّك في البيت أكملت الكتابة بالإنكليزية أيضاً، ثم جاء الكتاب الثاني فإذا هو أيضاً بالإنكليزيّة، ثم جاء الثالث أمس، وهذا أيضاً كان بالإنكليزية”.

يأتي تعليق سعاده على هذه الرسائل رادّاً على الحجج التي فيها… يقول: “لا أدري إذا كنتِ تفهمينني أو تنتبهين جيّداً إلى فهمي إلى هذه الناحية، أنّ كل كتاب يردني منك يحمل إلي أمواجاً من الشعور بجمال الحياة، ولكن بعد أن أقرأ كتبك الإنكليزيّة وأفرح بها، تحمل إليّ منك، يُداخلني شيء من الحزن والانكسار، وقد فكّرت عند يقظتي هذا الصباح في هذا الأمر وحلّلته هكذا:

  1.  إنّ شعوري القوميّ جزء من حياتي الروحيّة.
  2. 2-  إنّ اللغة القوميّة عنصر من عناصر هذا الشعور.
  3. 3-  إنّ الاعتزاز القوميّ والإباء القوميّ هما عنصران جوهريّان في الحياة القوميّة.
  4. 4-  إنّ استعمال لغة أجنبيّة بيننا نحن الاثنين ونحن قوميّان، يجرح شعور العزّة القوميّة، ويجعل عواطف حبّنا مرتكزة على تعابير أجنبيّة، ويجعل لغتنا القوميّة خارجة عن هذا الأساس الروحيّ وتقلّل ارتباطنا بها، وهذا يُحدث فراغاً روحيّاً في حياتنا.
  5. 5-  إنّ استعمال اللغة الإنكليزيّة أو الفرنسيّة، يجرح الإباء القويّ بصورة مؤلمة، لأنّهما لُغتا الأمَّتين الّلتَين عملتا في العشرين سنة الأخيرة (ولا تزال) على امتصاص موارد حياتنا وإذلالنا وإنزالنا منزلة العبيد. واللغة الإنكليزيّة تذكّرني بالشهداء القوميّين الذين سقطوا في فلسطين بقنابل الإنكليز الذين باعوا دماءهم لليهود.
  6. وليؤكّد لها عن الناحية القومية: “ثقي أنّه لا يوجد سبب واحد جوهريّ يبرّر تهاوننا في شعورنا القوميّ وإبائنا القوميّ، اكتبي دائماً كتابة سوريّة أينما كنت، اكتبيها صحيحة، اكتبيها مغلوطة واكتبيها مكسّرة، فهي دائماً شعوراً صحيحاً أبيّاً فخوراً، وهذا هو الجوهر”.

شخصيّتنا السوريّة ومشاركة الّلغة:

“إنّ سورية تمثّل لنا شخصيّتنا الاجتماعية ومواهبنا وحياتنا المثلى، ونظرتنا إلى الحياة والكون والفن، وشرفنا وعزّنا ومصيرنا، لذلك هي لنا فوق كلّ اعتبار فرديّ وكلّ مصلحة جزئيّة”.

ولمّا كان ثمّة وجود عالم يُدعى العالم العربيّ، “والسبب في دعوة هذا العالم بذلك هو سبب لغويّ ديني في الأساس. فهنالك عالم عربيّ باللسان، ويمكن أن نتدرّج ونقول عالم عربيّ بالدين الذي يحمل كثيراً من بيئة العرب وحاجاتها ونفسيّتها، والذي هو أَهمّ عامِل يصل بين أمم العالم العربيّ.. اللسان”.

“أمّا من حيث وحدة الحياة التي هي حقيقة وجود الأمّة، فلا يوجد لهذا العالم وحدة يمكن أن تجعل من مجموع الكتل الموجودة ضمنه كتلة واحدة، أو شيئاً واحداً أو أمّة واحدة، أو دولة واحدة قائمة على الإرادة العامّة”.

“نحن عندما نقول العالم العربيّ، نعني هذا العالم الذي يتكلّم اللسان العربيّ ونحن مِنه”.

“هذا التفسير يوضح كيف أنّ سورية يمكن أن تكون إحدى الأُمم العربيّة، وتبقى أمّة متميّزة بمجتمعها وتركيبها الإثنيّ ونفسيّتها وثقافتها ونظريّتها إلى الحياة والكون والفنّ”.

“بهذا المعنى وبدون أيّ تعريض لمبدأ القومية السوريّة، يمكننا أن نسمّي سورية إحدى أُمم العالم العربيّ، على أنّها أمّة مستقلّة تتكلّم الّلسان العربيّ العزيز عليها، ليس لأنّه الّلسان الذي فُرض عليها بعامل الفتح الدينيّ، بل لأنّها أنتجته من نفسيّتها ومُثُلها وغذّته بإنتاجها وثقافتها، فهو عزيز عليها بما يشتمل عليه من فكر ونفسيّة وأدب سوريّ”.

“لو لم تكن لنا حقيقة نفسيّة ضمن هذا اللسان، ماذا كانت قيمة هذا السان لنا، وماذا كانت قيمتنا نحن في هذا اللسان”.

أخيراً…

هذا الاستعراض لقيمة الّلغة العربيّة بالنسبة لنا كسوريّين، واعتبارها من العناصر القوميّة لنا، لِما حوته من فكرنا وروحنا، ولو لم يكن كذلك فما تكون اللغة، “أيّة لغة كانت من حيث هي وسيلة للتخاطب والتفاهم البشريّ في المجتمع، هي من ضرورات الاجتماع الإنسانيّ الداخل فيه العقل والنفس”.

ولما كان مجتمعنا السوريّ حين دخلته اللغة العربيّة، كان مجتمعاً حضاريّاً لديه لُغة وآداب وعلوم، أيّ إنّها دخلت إلى نفسيّات قويّة استطاعت أن تفعل في الّلغة وتُكسبها من نفسيّتها وتوجّهها في التعبير عن احتياجاتها ومُثُلها العُليا، شأن السوريّين في الّلغة العربيّة حيث أخذوها من الفاتحين العرب، ولكنّهم نقلوا إلى هذه اللغة علومَهم وأدبهم ومجاري فكرهم، فأصبحت اللغة العربيّة لغتهم القوميّة، تُسيطر نفسيّتهم ومواهبهم فيها”.

من هنا إنّها لغتنا السورية…

تمّ البحث… كانون الأول 2020

المراجع:

  1.  رسائل إلى ضياء ص32.
  2. 2-  رسائل إلى ضياء ص35.
  3. 3-  رسائل إلى ضياء ص35.
  4. رسائل إلى ضياء ص59.
  5. رسائل إلى ضياء ص227.
  6. مذكرات الأمينة الأولى ص55.
  7. مذكرات الأمينة الأولى ص64.
  8. رسائل إلى ضياء ص60.
  9. 9-  مذكرات الأمينة الأولى ص64.
  10. رسائل إلى ضياء ص62.
  11. رسائل إلى ضياء ص41.
  12. صفية. طفولتي ص5.
  13. مذكرات الأمينة الأولى ص89.
  14. مذكرات الأمينة الأولى ص101.
  15. رسائل إلى ضياء ص137.
  16. رسائل إلى ضياء ص182.
  17. رسائل إلى ضياء ص210.
  18. عبد الله قبرصي ص251.
  19. نشوء الأمم ط1951. ص173.
  20. رسائل إلى ضياء ص59-60.
  21. رسائل إلى ضياء ص61.
  22. المحاضرات العشر ص70.
  23. نشوء الأمم. ص180-181.
  24. رسائل إلى ضياء ص59-60.
  25. رسائل إلى ضياء ص59.
  26. المحاضرات. ص103.
  27. المحاضرات ص69-70.
  28. المحاضرات ص70.
  29. نشوء الأمم. ص171.
  30. نشوء الأمم ص171.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير