الملحق 17 سورية ولبنان

ــــ تقرير المسيو بالاسيوس ــــ

إنّ عريضة السيد نعمة ثابت مؤرخة في 12 أغسطس/آب 1936 وقد أحيلت بواسطة الحكومة الفرنسية إلى جمعية الأمم في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1937، أما الفترة التي انقضت بين هذين التاريخين فناتجة في الغالب عن أنّ العريضة لم تحوّل مبدئياً بطريقة نظامية.
والعريضة هي مذكرة طويلة باللغة الإنكليزية (مذكرة الحزب السوري القومي) تشرح الموقف والتقديرات والحلول التي يرتأيها الحزب للحالة الناتجة من العام 1922 إلى السنة التي كتبت فيها المذكرة.

إنّ صاحب العريضة، وهو ممتلىء إيماناً بالحاضر وناظر في الحملة المجرّدة على حزبه دليلاً على أهمية الحزب وحيويته يقدّر قدر الخط الفاصل الذي يفصل الأحداث الاقتصادية والاجتماعية التي تكيّف منذ عدة عصور في البلاد السورية الضمير القومي الذي تنبّه وتقوّى منذ فرض الانتداب، ويذكر الأساليب والأعمال التي يقول إنّ الجمهورية الإفرنسية لجأت إليها بدوافع إستعمارية لتمنع هذه الحركة التحريرية.

ويعتبر الكاتب أنّ جمعية الأمم مسؤولة ما دامت هذه الأمور جارية، وما دام الانتداب لا يتفق لا روحاً ولا نصاً مع المادة 22 من صك الانتداب، ولا سيما فقرتيه الأولى والرابعة.
على أنه هو وأخوانه في العقيدة السياسية لا يريدون مناوأة العصبة، وإنما يريدون أن يعينوها فيما إذا خدمت أمانيهم القومية وهدفهم التحريري الذي قررت سورية، سورية كلها ــــ سورية الداخلية ولبنان ــــ العمل على تحقيقها مهما كلفت من التضحيات.

والكاتب الذي يزعم أنه تبنّى في هذه الاعتبارات وجهة نظر إيجابية بل وعلمية، يقسم مذكرته المستفيضة إلى فصول وأقسام أوجزها كما يلي مشبعاً جهد الطاقة طريقة سرده إياها:

1 ــــ العوامل الاقتصادية.

2 ــــ العوامل السياسية.

3 ــــ الحلول القومية.

ــــ 1 ــــ

إنّ محاولة تعليل البؤس الاقتصادي في سورية بالأزمة العالمية الكبرى التي يجب مع ذلك أن نحسب لها حساباً، هي إخفاء أو عدم رغبة في جلاء الأسباب الأساسية في الفوضى الاقتصادية الكبرى التي تعانيها سورية، وفي إفلاسها الاجتماعي، والنتائج التي لا مندوحة عنها لنظامها الاغتصابي.

ويلحّ صاحب العريضة على رغبته في تقديم دراسة معززة بالوثائق، فيورد في هذا الفصل كما في الفصول الأخرى من مذكرته البراهين والمستندات التي أتاحها له كتاب ظهر في عام 1936 للأستاذ سعيد بك حماده من الجامعة الأميركية في بيروت باسم النظام الاقتصادي في سورية.

إنّ الأمراض العميقة والمعضلة التي تتألم منها الثقافة والنظام الحكومي في سورية ترجع في أكثر ظروفها إلى تقسيم هذه المملكة إلى عدة دول، فإن التقسيم ونفقات الإدارات الحكومية تسبب خراب البلاد وتزجها في الفوضى.
حتى أنّ المارونيين أنفسهم الذين كانوا وحدهم طلاب الانفصال والذين كانوا مجمعين، كما يظهر، على ذلك بسبب خوفهم من أن يكونوا أقلية مسيحية في العالم الإسلامي، قد أصبحوا اليوم لا يفكرون كتفكيرهم السابق، إنّ التقسيم بنوع خاص مضرّ بنظام الضرائب.
وإنّ الجدول المبيّن في الصفحة السابقة يثبت فساد جباية الضرائب المباشرة في الجمهورية اللبنانية، فالأغنياء والمتنفذون يتهربون من هذه الضرائب ولا سبيل إلى تحصيل البقايا المتراكمة عليهم.
وهناك عبث ظاهر في الأنظمة والأساليب، ثم إنّ تخمينات الثروة في كل سورية أصبحت قديمة وهي سابقة للعام 1922، ومع أنّ الإيرادات قد زادت، ففرض الضرائب ظل على الأساس القديم ولم تراعَ فيه النسبة، والنظام العقاري هو أيضاً سيِّىء ورجعي، وبما أنهم لا يريدون إزعاج راحة الملاكين والأقوياء، لا يدخلون تحسينات فنية وعلمية على الزراعة، كما أنهم لا يفكرون إلغاء أشكال الاستثمار التي لا تزال متّبعة منذ القرون الوسطى.

القسم الثاني:

وينتقد مرسل العريضة بنوع خاص نظام جعل الفرنك أساساً لنقد البلاد، في حين أنه لا ضرورة مالية، توجب ذلك، وفي حين أنّ موجودات الذهب في سورية تكفي لأن تؤمن لها نقداً سليماً، مستقراً، مستقلاً، فقط ربط هذا النظام البلاد بنقد الدولة المنتدبة على ما فيه من تقلبات واضطرابات وأخطار.
ثم يستشهد بما جاء في الكتاب الآنف الذكر، ويذكر بأن «لجنة الانتدابات الدائمة قد حسبت حساب هذا الخطر وأيَّدت الرأي القائل بأن السياسة النقدية للدولة المنتدبة تمنع تهيئة البلد السوري لممارسة استقلاله ــــ هذا الاستقلال الذي لا يمكن أن يتم إلا إذا استقلت سورية في الميدان المالي والنقدي.. لقد كان الهدف ربط النقد السوري بالفرنك إنقاص النفقات، نفقات للجيش في سورية.
وفي الوقت الحاضر نرى النقد السوري يمثل قرضاً من سورية في سورية لفرنسة وهذه الحالة يزيدها حرجاً، وفي رأي صاحب العريضة، السياسة المصرفية وسياسة الاعتمادات والمونوبولات التي لا خدم المصلحة العامة ولا تنتج إلا زيادة ثروات الشركات التي هي قوية كلها وتتمتع بالخيرات والامتيازات.

ويشير صاحب العريضة أيضاً إلى تشريع العمل فيذكر أنه مفقود تقريباً ولا صلة بينه وبين المشاكل الصناعية في العصر الحديث الذي تعرض فيه قضايا عملية دقيقة جداً.
وقد حدث في البلاد اضطرابات وظهرت ميول لتشكيل نقابات. والتنظيم الحالي سيِّىء جداً والسلطات، والحكومة اللبنانية خصوصاً يظهرون في هذا الصدد معارضة عمياء ورجعية إلى أقصى حد.

ــــ 2 ــــ

يذكر صاحب العريضة أنه في عام 1922 شرح المسيو فيكتور بيرار في مجلس الشيوخ السياسة الفرنسية في سورية كما يلي:

«مما هو ثابت وأكيد أنه قد طُبِّق في سورية نظرياً وعملياً مبدأ «فرِّق تسد» فقد جزئت سورية إلى عدة دول لا مبرر لوجودها وأثيرت الجماعات بعضها ضد بعض وأحييت المنازعات الدينية إلى حد لم يْعرف له مثيل في ماضي الأيام، إسألوا السوريين أياً كانوا فرأيهم مجمع على أنّ وجودنا في سورية أتى بنتيجة رهيبة، فقد هيج الأحقاد الدينية».

كل ما في سورية من الوجهة السياسية، في نظر صاحب العريضة، عليه طابع الإقطاعية، وسوء الإدارة التركية والإكليريكية، أما المظاهر الحديثة وإدخال أدوات المدنية الجديدة فلم تستخدم لتقوية الأمة، بل لتأخير تطورها ونموها، ولتشويهها واستثمارها والاعتداء على حياتها.
إنّ الحزب السوري القومي قد عانى كل أنواع الاضطهاد لأنه جاهر بهذه القضية.

ويورد صاحب العريضة قصاصات من التيمس التي انتقدت في مناسبات عدة سياسة الدولة المنتدبة. ويذكر أنّ الأمور تبدلت وتبدلها يظهر على وضح النهار عندما يرى المشاغبون والموقوفون أو المبعدون مرتدين يوماً ثوب الزعماء الوطنيين، ومتعاملون مع الحكومة الإفرنسية.

ويدرس صاحب العريضة درساً وافياً ومفصلاً نظام الصحافة والإدارة السياسية والدفاع القومي والأمن العام، فيستنتج أنّ الأولى مستعبدة، والثانية سيئة الاتجاه، إذ أنفق في سنوات 1929 ــــ 1932 على إدارة العدلية 29 في المئة من الموازنة بينما لم ينفق على الصحة والمعارف والآثار سوى 8 بالمئة، وانتقد أخيراً عدم وجود جيش قومي.

ويرتأي صاحب العريضة بوجه خاص أنّ السياسة اللبنانية، بميلها إلى الانفصال الذي يعارض القومية، وأنّ المفاوضات مع وزارة الخارجية التي يمثّلها المسيو فيانو، وكيل الوزير، هي مخالفة تماماً لمصالح سورية، وأنّ الصلة بين السكان ومساحة الأرض تثبت أنّ الانفصال هو انتحار، فإن هضاب لبنان لا تستطيع أن تغذي بمحاصيلها الضئيلة 93 من السكان في الكيلومتر المربع بينما سورية التي هي بمعدل 9 أشخاص للكيلومتر المربع هي ذات أراضٍ خصيبة وبحاجة إلى السكان.

ــــ 3 ــــ

وبعد أن درس بدقة العوامل الجغرافية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية والتاريخية يصرّح صاحب العريضة بأن القومية السورية هي عمل لا يقاوم ولا سبيل إلى نكرانه وأنّ الحزب السوري القومي يمثل هذه القومية، وهو يطمح إلى إقرار نظام «فدرال» ويعارض في الحدود الوهمية القائمة ويعرض على السلطات المنتدبة فرصة ممتازة لاستعادة ثقة الأهلين، ويقول إنّ مبادىء الحزب متناسقة مع روح الانتداب.

إنّ زعيم الحزب المسيو أنطون سعاده يمد يده لمصافحة الأجنبي، فقد صرّح يوم 2 يونيو/حزيران 1935 في اجتماع عام قائلاً:

«يجب أن نعترف بأن مصالح سورية تجبرها على إيجاد علاقات ودية مع الدول الأجنبية، ولا سيما مع الدول الأوروبية، أما الشيء الذي لا نرضى به أبداً فهو مبدأ الدعاوة الأجنبية.

فالروح السوري يجب أن يظل حراً ومستقلاً».

وإليك المبادىء الثمانية العامة والمبادىء الخمسة المتعلقة بالإصلاحات والتي يجب على أعضاء الحزب التقيد بها.

المبادىء الأساسية:

المبدأ الأول ــــ سورية للسوريين والسوريون أمة تامة.

المبدأ الثاني ــــ القضية السورية قضية قومية مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى.

المبدأ الثالث ــــ القضية السورية قضية الأمة السورية والوطن السوري.

المبدأ الرابع ــــ الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل التاريخ الجلي.

المبدأ الخامس ــــ الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية وهي ذات حدود طبيعية تميزها عما سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس في الجنوب شاملة شبه جزيرة سينا وخليج العقبة ومن البحر السوري في الغرب إلى الصحراء في الشرق حتى الالتقاء بدجلة.

المبدأ السادس ــــ الأمة السورية هيئة اجتماعية واحدة.

المبدأ السابع ــــ تستمد النهضة السورية القومية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها القومي والسياسي.

المبدأ الثامن ــــ مصلحة سورية فوق كل مصلحة.

المبادىء الإصلاحية:

المبدأ الأول ــــ فصل الدين عن الدولة.

المبدأ الثاني ــــ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين.

المبدأ الثالث ــــ إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب.

المبدأ الرابع ــــ إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة.

المبدأ الخامس ــــ إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والدولة إنّ كل هذه التعليمات تصطحب بروح حماسة الشباب والانقياد العسكري، والأهداف العظيمة للمستقبل.

وتقول الدولة المنتدبة في الكتاب الذي أرفقته بالمذكرة أنها لا تستطيع تقديم ملاحظات عليها دون أن توجه إلى عصبة الأمم درساً عن معظم المسائل السورية واللبنانية التي درست قبل الآن من لدن لجنة الانتدابات الدائمة، وأنها، رغم ذلك، مستعدة لتقديم إيضاحات إذا طلب منها ذلك.

فبصفتي مقرراً، أرى أنه ليس من الضروري إبداء إيضاحات خاصة، فبالطبع قد درست مراراً وستدرس باستمرار القضايا التي تتحدث عنها المذكرة. وهذه المذكرة هي في نفسها وثيقة تعرب عن إيمان أفضل كثيراً من النقد، وتمثّل قوة، ومن الخطأ أن لا يحسب لها الحساب الواجب، على الرغم من أنّ الوقت الحاضر لا يأذن لي بأن أخصها بتوصية لدى مجلس العصبة، وأني أقترح بالنتيجة اتخاذ القرار التالي:

«إنّ اللجنة بعد أن درست العريضة المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1936 الواردة من السيد نعمة ثابت ــــ بيروت التي تمثّل وثيقة ذات قيمة كما درست ملاحظات الدولة المنتدبة:

تعتبر أنها تتناول مواد تناقشت فيها اللجنة مرات كثيرة، وستناقش فيها أيضاً عند تطور الانتداب.

وترى أنه لا مجال لأن تقدم بشأنها توصية خاصة إلى جمعية الأمم».

ملحق رقم 2

جواب نعمان ضو على كتاب عبد اللطيف الخشن

نص جواب الرفيق نعمان ضو على كتاب عبد اللطيف الخشن.

حضرة السيد عبد اللطيف الخشن المحترم

سلام القومية

وردني كتابك نهار أمس الواقع في 23 الجاري والمؤرخ في 2 منه وعهدي البريد أعجل من ذلك، ممكن لم توافق الرياح وجهة قصده. طالعته تماماً وفهمت كل قصدك ــــ فرأيته بذات الأفكار التي تكتبها في جريدتك، والفرق أنه كتاب وأنها جريدة. لم أتردد في الجواب لك كما ترددت أنت لأن فكري مرتاح وضميري صادق لا تنوبه الأراجيف التي نابت السيد الخشن، وكي لا أعاملك كما عاملت نفسك من عدم احترامها ونسبت إليها كل المخاوف بل جعلتها في مقام الحطيئة وليس في مقام الأزدي.

                     والخير تزداد منه ما لقيت به                               والشر يكفيك منه قلّ أم زادا

كتابك

لست ممن يثقلون بالمبادىء الوطنية بل ممن يقدسونها [وليس احترامي] زعيم النهضة القومية ولعاً إنما في لغتكم الاحترام ولع والولع احترام! ولست كما يظن السيد الخشن فإني لا أرى العداء لرجل يدعو إلى القومية السورية جهاداً ألبي نداءه اللطيف، ولست ممن يلبون طلباً لا يقرّه العقل.
جميل لو عملت حسب قولك.
ولكن لو أنك اعتمدت على الله لما ملأت صفحات جريدتك طعناً وشتائم لرجل لم تعرفه وقد نهاك عن الوقيعة بالناس. ثم لو استعملت ضميرك لما أقدمت على الهجاء من نحو أربع سنوات بحق الحزب السوري القومي وزعيمه دون رادع من الله ولا من ضمير.
فإمَّا أنك لا تؤمن بالله، وإمَّا أنك دون ضمير أو أنت مخالف الإثنين. فتقديمك وتأخيرك ثم تصميمك على الكتابة إليَّ دليل واضح على أنك لست مرتاح الضمير ولا إرادة كافية لك لتكون في طريق الهدى ولذلك أعذرك من هذه الناحية.

لست من الشاكين ولا من أهل الشكوك، ولو كنت كما تعتقد لما أحوجتك إلى الكتابة بل كنت مثل أولئك الذين يبعثون لك بالمديح وتنشر مديحهم بكل إعجاب فيزيدون شكوكك وتزيد نفثات قلمك، ولا يهمك الشك لأنك تعتقد أنّ الأراجيف حقائق ويقين كما سميّت قصيدتك عيون القريض.
هل هذا ضمير أديب، وهل هذه أمانة كاتب ينتمي إلى أمة ختم العالم لها بفضايلها، وهل بهذه الآداب تمثّلون «الأمة العربية»؟ بئس التمثيل.

لم أكتب إليك لأنك تجهلني وهذا ما جعلك تتهمني بالترتقيع والتلحيم والسخرة، وكي لا أجعلك بيت القصيد كما ظننت حضرتك.
وما كتبته لك ليس شخصياً ولكن لنظهر أننا نأسف لجريدة عربية تكون حاملة في صفحاتها الشتائم ولسان التفرقة وأنت المسبب.
أما أنك تنشر لي ما أكتب لا أبحث فيه فهو من خصائصك وحدك.

أيها الأديب بينما تكون هاجماً تستعمل كلمة الإخاء، وبينما تكون متهجماً تتذرع بالتوحيد، وحين تكون متعصباً أعمى تتظاهر بالوطنية.
أمور لازم أن تمحوها من قاموس اللغة والاجتماع وعلى الأخص من جوهر الوطنية، لأنها مضرّة تماماً.
فإذا لم يكن احترام لم تكن وحدة، وإذا لم تكن وحدة لا يكون استقلال. فالواجب يقضي الصراحة التامة لنتمكن من الوصول إلى الهدف الأسمى.
تقول إني طالعت السبب الذي دعاك للرد على الأستاذ سعاده وهو ما أوجبك لتوجيه القصيدة والنثر إليه. كأنك تريد أن تقول إني كنت قاطناً المريخ.
أهل تعتقد، أيها العربي أو السوري، أني كما تظن أنت وأمثالك المتعصبون لغير الحقائق أنني هنا أتعلم الوطنية، أو أدرس حكايات ألف ليلة وليلة، أو أني من الذين يلقون الكلام على عواهنه؟

سامحك الله وهداك إلى الصواب، فأنا العاجز، يا سيد الخشن، كنت في لبنان والشام كما كنت في جبل الدروز، وأنا في الأرجنتين كأنني هناك لم يتغيّر من مبادئي شيء، بل كلما زاد الزمان امتحاناً زدت صدقاً وإيماناً، لا يهمني كفرت الناس أم وحّدت، اغتنت أم افتقرت، فالأول أمر مرجعه الخالق والثاني من خصائص الاجتهاد، بل يهمني أن يكون لي وطن، يهمني أن يكون لي علم، ولكن ليس «العلم» الذي ملأ صفحاته الأدب الخشن طعناً وقذائف يأباها الأدب والذوق السليم.
تدّعي بهجوك أنّ سعاده والزوبعة هجوا الأمير شكيب. وهو ادعاء باطل لأنك أنت ابتدأت بهجو سعاده والحزب السوري القومي قبل أن تولد الزوبعة فقد كانت جريدتك معرضاً لحملات وتهجمات على الحزب القومي الاجتماعي وزعيمه. لماذا؟ بربّك وضميرك قل لماذا؟ لم يكن أحد ذكر الأمير شكيب، وأنا أعرف سعاده من ثلاث عشرة سنة ولم أعهده عدو الأمير شكيب، أي قبل نشوء الحزب السوري القومي.
ولم ينشأ الحزب للحط من كرامة أحد، بل لحفظ كرامة الأمة إجمالاً، فما هو الموجب لتلك المطاعن هو غاية غير وطنية طبعاً.
ألم تثر سورية لكرامتها؟ ألم يكن فيها من يدعو لوحدتها مستقلة؟ فهل استقلالها على نظام الحزب القومي خيانة؟

تسألني بمعروفيتي هل الأمير شكيب حافي ودائر على الخلافة؟ فهذا سببه تهجمكم على الحزب وزعيمه باسم الأمير شكيب حتى اضطر أحد القوميين للرد عليكم بهذا الكلام.
أما أنك تستحلفني بشرف الأمة العربية هل الأمير شكيب باع فلسطين لليهود وسورية للفرنسيس وإسكندرونة للأتراك فأقول لا محل لسؤالك لأن الزوبعة لم تقل أنه باع، بل الانتقاد كان بناءً على تصريح الأمير شكيب في جريدة الشباب المصرية الذي يعلن موافقة الأمير على استيلاء الأتراك على الإسكندرونة، وعلى الأمير أن ينفي ذلك إذا كان غير صحيح. أما إذا كان صحيحاً فليس من واجب الزوبعة فقط أن تلوم الأمير بل يجب على العلم العربي أيضاً لومه دفاعاً عن العرب ضد الترك بدلاً من أن تقيم القيامة بدون تحقيق للانتصار للأمير شكيب.

سعاده لا يسعى لاستقلال سورية لتعبده، ولا تكن ضعيفاً لهذه الدرجة وتطلب إلى الله أن يحرر لك سورية. أو يظهر بالصورة الناسوتية ليدلّك على طريق قومي.
فكما لسعاده الحق في الوطنية، الأمة لها الحق أيضاً، ألست من الأمة؟ الأمة تخلّد زعيم الحزب القومي وتحترم فيه زعامة ثابتة لم تتقلب مع الأرياح السياسية.
وليس من الصغارة أن نحترم الرجل الذي أنشأ القومية، بل الصغارة، والؤم أن ننكر أعمالاً وطنية، صادقة،باهرة.
الوطنيون لم يكونوا آلهة بل كانوا وطنيين صادقين، ومعجزاتهم أعمالهم، فإذا كنتم تنتظرون أعمال الآلهة فقريباً يكون استقلالكم وأبشروا بطول الذل ــــ إنّ الباري عزَّ وجلَّ أعطى الناس عقولاً وإدراكاً فهم وحدهم المسؤولون عن أغلاطهم. أما بصفتي رفيقاً للزعيم فلماذا لا «أردعه» فهذا شيء ليس له معنى وهو يدل على أنكم تأخذون الأمور على المجاز، وتريدون أن تأخذونا معكم في هذا الوهم.
الزعيم بصفته رئيس الحركة القومية هو يمثّل الأمة، وهو الساهر المراقب على كل السوريين وسياستهم. وله أن ينتقد كل من رأى فيه شبهة.
فإذا كان الانتقاد صحيحاً فكيف تريد أن نقاتله؟ وإذا كان تهمة فعلى الظنّين أن ينفي التهمة بالبرهان القاطع.

الحزب السوري القومي لا ينكر عملاً شريفاً بل ينكر كل سياسة ضد سورية، والذي يقوله زعيمه ليس ضد الشخصيات كما تعملون أنتم، بل للأعمال التي يعملها الأشخاص. أقول ذلك ليس دفاعاً عن الزعيم بل جواباً على سؤالكم.
أما ما يختص بالأمير شكيب فأصارحك أنكم تعملون وتقولون باسمه وهو بعيد. أنتم تسألون عن أنفسكم والأمير يسأل عن نفسه وكل نفس تجادل عن نفسها (الآية).

أقسمت عليَّ باسم الطائفة وأنت تدّعي أنك غير طائفي. فأسألك بكل صراحة ــــ لماذا نقمتم على سعاده ولماذا أكرمتم «القروي»؟ أليس لأن سعاده أوجد مبدأ فصل الدين عن الدولة، وألغى الملّية والطائفية في المسائل القومية، ولأن «القروي» قام في آخر الزمان يمدح مذهباً دينياً ويطعن في مذهب آخر ويؤيد الحزبيات الطائفية؟ وهل هذا ما تريد أن أوافقكم عليه وتعتقد أنه صواب؟ كان الأمير بشير الشهابي مسلماً وتنصّر.
سبّب مذابح الستين وخرب كيان سورية وأدخل قرصان أوروبا إلى لبنان. الشدياق كان مسيحياً وأسلم.
سبّب الضغائن وأثار الأحقاد بين الطائفتين.
اللمعيون كانوا دروزاً وتنصّروا.
لم ينفعوا المسيحية ولا نفعوا الدرزية. أهذا ما أعجبكم في «القروي» الذي أراد إمارة شعر باسم المحمدية؟ دعوا الأديان لجوهرها وقيسوا الأشخاص بأعمالهم. حللوا الأعمال قبل أن تحملوا السلاح.

أقول ذلك ليس لأني غير ديني.
حاشا. فإني درزي معروفي وأبقى كذلك ما بقيت النفس. ونحن طائفة لها حقوق وطنية كما لها حقوقها الدينية، مثل ما للطائفتين المحمدية والعيسوية.
إنما دين التوحيد لا يدعونا لنكون أعداء لوطننا أو لمواطنينا.
فمن تقدم للمجد عضدناه بكل قوانا.
وكما كنا كذلك نبقى ونكون حماة زمام سورية، كما يشهد تاريخنا.

أني أعبد إلهاً واحداً، يا أيها الأديب، وهذا الإله لا يسمح ولا العقل يسمح، أن نثور بعضنا على بعض ونحارب بعضنا بعضاً لمجرّد عصبية تريدها حضرتك ومن جرى مجراك، وإن كنت تحاول التنصل منها، بل يريدنا أعزاء كراماً ويريدنا أن نكون على الحق.
يريدنا أدباء غير سفهاء. يريدنا حماة الوطن لا أعداءه. على هذه ا لمآثر بَنَيْتُ أفكاري قبل ظهور الحزب السوري القومي، فلما ظهر هذا الحزب رأيت فيه الحق والقومية الصحيحة ووجدته منطبقاً على أمانيّ. ولي الشرف أن أكون سورية قومياً من فطرتي.
وهو ما سهّل لي رفقة الأستاذ سعاده ومبايعته الزعامة. فقد وجدته القائد الكفوء لها.

الأربعمائة مليون محمدي الذين تعنيهم ما أجدرهم بمحبة الحزب السوري القومي وزعيمه. وبمساعدته لنيل استقلال سورية الذي يعود خيره عليهم.
أما الأفكار التي تبنونها في هذا الصدد فإذا كان الأمير شكيب يقول بها فهو التحامل كله.
ولا أقول أكثر لأني أعرفك غير مسؤول عن الأمير.
وأعلمك أننا أقرب منك إلى الدفاع عن الأمير عندما نراه صاحب الحق، ولا نشكر أحداً يقاتل الناس ويسبّهم، ويقول إنّه يحشد للأمير شكيب ولنا. وأعتقد أنّ الأمير يصادق على رأيــي إذا نظر جيداً.

ومسألة إقناعي بعدم إمكان توحيد الزعامة في العالم العربي توافق تماماً ما يراه الحزب القومي الاجتماعي، الذي يعرف حالة العالم العربي ولذلك يطلب استقلال سورية وتوحيد قيادتها.
أما الأساطيل الجوية والبرية فتعملها الأمة، يا حضرة الكاتب ولا تنزل من السماء.
ولذلك لا يمكن تعيّير الحزب بأنه لا يملك كل المطلوب من هذه المعدات. وإذا لم تتحد الأمة فلا استقلال.
نعم لا يمكنك أن تقنعني برأيك أنّ العقيدة التي يعمل لها الحزب القومي صارت عوداً.
وإذا كان يسرّك أن أقبل تعبيرك فلا بأس فهي عود صالح لرفع علم الأمة يوم يبحث العلاكون والثرثارون عن مخابىء يتوارون فيها.
أما تعاليك بعبادة الحجر فأعتقد أنها خشنة وعلى صاحب المبدأ أن يلطف من خشونتها ويقوم على عبادة من يراه حسناً. يا أيها الأديب، لم نشرك ولن نشرك في المعبود، بل نعبد واحداً أحداً موحدين لله.
موحدين لعقيدتنا، موحدين للمبادىء التي نعمل بها. لست كصاحب العلم العربي أعبد مآربي وأشرك بين المعبود والعبد.
أما سعاده فهو زعيم السوريين القوميين وليس أقنوماً رابعاً ولا خامساً ولا شيء من هذه التآويل التي تخدع البسطاء.
وما احترامنا له إلا تأييدنا لقضيتنا واحتراماً لأعمال خالدة هي من صفات الكمال بنا.

أما أني لا أنسى كرامتكم المرتبطة بكرامة من لولاهم لما كانت شمس ولا قمر (الله أكبر)، فهل كرامة غيركم مباحة لكم؟ والبون الشاسع بيننا أنك تجهل نشوء الأمم والأفراد، وأنك ضعيف فترى كل الناس أقوى منك وتفتخر بالجدود.
إنّ شخصية هتلر نهضت بأمة كانت معمولة، والأمة عملت هتلر ونهضت به.
لذلك قلت نحن ننظر كالشعب الألماني الذي أعجبك ودائماً تفاخر به. فهتلر لم يكن أميراً ولا رئيس دين. وإذا لم تنصر الأمة السورية سعاده وحزبه فليس الحق عليه، بل الحق على عناصر الأمة الفاسدة.
ثم كيف تريد أن ينقي سعاده الدم العربي في سورية، فكأني بك تحسب الشركس وغيرهم من الأقوام مثل يهود ألمانية.
أهذه هي الفلسفة التي تنقمون على سعاده معاكستكم فيها، وهذا هو فهمكم الوطنية؟

أصحيح أنّ الذي قال «حِنّا العرب» حارب لأجل العرب، وأنّ أهل مصر يعملون للعرب أيضاً؟ السوريون وحدهم ملزمون بالوحدة العربية وهم تحت سيطرة أعظم قوات الاستعمار؟ كفى أيها المواطن فلا تحاول إقناعي بأمور أفهمها أكثر منك، وأنت وجريدتك مقيدان بإرادتك الضعيفة.
أما جند سعاده وعساكره فموجودون. فلا تجعل الحسد يقتلك ولا يكن موقفك كموقف أبي سفيان (مع عظم الفرق بين منزلتك ومنزلته).
الذين نفروا من سعاده ليسوا، في نظرك، خونة أما الذين مع سعاده فتقول فيهم إنهم أذناب ومسخرون أليس كذلك؟ «الشعبة العلتانية» يقولونها في الشوارع أما الأدباء فيترفعون عن ذلك يا حضرة الأديب.

إنّ سورية للجميع فواجبكم العمل باسمها وكونوا رجالها لتكونوا حكّامها، وإلا فالتبعة واقعة عليكم وخصوصاً الذين تنعتونهم بمدرّة العروبة إذا كانوا مثلكم.
إنك تضع مفتي فلسطين والكيلاني و«القروي» في صف واحد فهل قضيتهم واحدة؟ تعمَّق في الأمور واعط كل ذي حق حقه واسألني أجبك.
مفتي فلسطين عمل من أجل فلسطين لا من أجل العرب.
وحين كانت فلسطين تقاسي العذاب كان ملوك العرب يهادون الإنكليز ويعيّدون معهم، الكيلاني أول عمل قام به وضعه حدود العراق بينه وبين العرب وسورية، والقروي كان سبب بعث النعرات والأحقاد الدينية بين إسلام محمدي وإسلام مسيحي في المهجر فدعوتموه إلى ما سميتموه «المؤتمر العربي» باسم التعصب الديني، وأثرتم في الجالية التعصبات التي كانت ولم تزل سبب الذل والاستعباد. وأمَّا رغبتك في إقناعي بأفضلية زعامة الأمير شكيب على كل زعماء العرب، فأمر لا أبحث فيه، وإنما أسألكم هل أنتم متفقون على زعامته؟ كلا. ثم كلا. وطالما لا يوجد زعامة موحدة في العرب فسمّوا ما شئتم من الزعماء لأنكم تحبون الألقاب.
أما نحن فيهمنا الزعامة السورية القومية منشئها وصاحبها الأستاذ أنطون سعاده ولا نعترف لغيره بالزعامة في نهضتنا القومية الاجتماعية.

كما لا يهمك وقع كتابك عليَّ لا يهمني وقع كتابي عليك.
وجوابي ليس لأجلك بل لأجل الحقيقة والتاريخ.
فإذا رجعت عن غيّك تكون قد عملت واجبك.
ومع كل احترامي لمعالي الزعيم لا أرى حاجة لعرض كتابك عليه لأنه لا يجهل أفكارك وكتابتك.
إني أغضب لكرامة كل سوري قومي دون فارق مذهبي إذا كان هنالك محل للغضب.
أما التعصب الطائفي والتغرض القيسي واليمني فقد ذهب أوانهما، وإذا كانت قد بقيت لها جراثيم فلا محل لها عندي.
فلا تجرب حملي على الاعتقاد أنّ بانتقادك وتهجمك وانتقاد القروي وتهجمه تقع السماء على الأرض.
فليس كل من كتب بيتين من الشعر يعدّ أعظم الرجال.
وإذا كنتم عرباً فتذكروا قول الإعرابي للخليفة عمر أو ما قال ذاك اليمني لمعاوية.

الخاتمة ــــ الدليل على أنك تحب التقليد ولو كان بالمقلوب قولك «لو كنت تدري ما أقول عذرتني» والصواب «لو كنت تعلم» وهذا يعرّفني مبلغ جهلك الحقائق والأوضاع ومدى تمسكك بعقلية جامدة دون تمحيص.
والشعر ينطبق عليك لأنك أنت الذي سميّت الشتائم «عيون القريض» وهو الهذيان بعينه.
فيبقى لصاحب القريض الصحيح أن يقول لك ويعذرك.
وبناءً عليه قد عذرتك وأعذرك، لأنك تجهل الحزب السوري القومي وزعيمه وتجهل نعمان ضو الذي هو أعقل وأحكم وأعرق منك في الوطنية، وأغيَر على الرجال والأعمال وعلى الفضل وأهله.
فأنت في جهادك اعتباطي، مادي، نفعي. وأنا في جهادي وطني روحي. وهذا هو البون الشاسع بيني وبينك يا سيد خشن.

أعود فأكرر عليك ــــ إذا كنت تريد المهنة التي تحترفها فاعمل لها عن طريق الأدب والعلم والفضيلة واذكر أنّ العرب لم ينشئوا دولتهم إلا عن هذا الطريق. وإلا فاحترف لك حرفة غيرها ولا تقترف ذنبين ــــ ذنب هضم حقوق الأمة وذنب هضم حقوق الأدب والسلام من مواطنك. ولتحيى سورية.

كاوسيتي في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1942

الإمضاء

نعمان بهاء الدين ضو

 عريضة مؤرخة في 12 أغسطس/آب 1936 من السيد نعمة ثابت ــــ بيروت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير