تخبط وفوضى

تقديم البحث في الزوبعة:
نشرت مجلة العصبة التي كانت تصدر في سان باولو، البرازيل، في عددها الصادر في فبراير/شباط سنة 1935 ثلاثة كتب تدور على ديوان الأحلام للشاعر شفيق معلوف نزيل سان باولو، البرازيل، وقد لفت نظري الاحتكاك والتصادم الفكريان في الشعر وأغراضه اللذان أثارهما ظهور الأحلام ورأيت أنهما يفتحان الباب لبحث يجب أن يحيا ويجد اهتماماً كبيراً في دوائر التواقين إلى المعرفة والفهم والراغبين في الارتقاء الثقافي الذي يمكّن الأمم من إبراز أفضل مواهبها والصعود إلى قنة مجدها.
وإلى القارىء الكتب المذكورة وتعليق الشاعر الأخير عليها حين سلّمها للنشر، كما وردت في مجلة العصبة المحتجبة:

ــــ 1 ــــ
من كتاب الريحاني

عن الفريكة في 12 نيسان/أبريل 1926
عزيز شفيق المعلوف حفظه الله
أشهد أنك شاعر. ولكنك في الأحلام بعيد عن كنه الحياة والمقاصد الكبرى فيها. قد كانت هذه اللهجة ــــ لهجة الكآبة والحزن ــــ «موضة» في زمن بيرون ومسه.
وهي في الشرق، خصوصاً فينا نحن السوريين، داء دفين. فما فضل الشاعر وهو يبكي ويئن مثل عامة الناس؟
أمّا من النظر الفني ففي «أحلامك» كثير من بديع التصور، وجميل الخيال ورقّة التعبير، ونعومة الديباجة.
ولكنك مقلد يا صديقي.
ولا أقول مقلد لجبران وهو مثلك في دموعه من المقلدين ــــ اقرأوا أشعيا بدل أن تغمسوا أرواحكم في دموع إرميا.
عودوا إلى شكسبير وغوته ــــ إذا كان لا بدّ من العود ــــ بدل أن تحرقوا أصابعكم ومآقيكم في مراجل ميسه وبيرون.
ليس الشاعر «زنبقة في جمجمة» إنّ في ذا التصور غلواً فيه سقم وليس فيه شيء من الحقيقة والجمال.
إنّ فيه تحقيراً للجنس الإنساني، وأنا وأنت وجبران منه والحمد لله.
وإنّ في الكون وفي الحياة جمالاً أسمى وأبهى وأعظم وأجلّ من جمال الزنبقة اللطيف المحدود، وأنت وأنا وجبران، والشمس والقمر والمجرّة، لمعات مجسدة من ذلك الجمال والحمد لله.
أما الشاعر فهو من الناس، من صميم الناس.
وليس من ظن نفسه فوق الناس بابن عم لابن عم أصغر الشعراء.
إنما الشاعر الحقيقي مرآة الجماعات، ومصباح في الظلمات، وعون في الملمات، وسيف في النكبات.
الشاعر الحقيقي يشيّد للأمم قصوراً من الحب والحكمة والجمال والأمل. كفكفوا دموعكم سلمكم الله.
وارفعوا لهذه الأمة التي تتخبط في الظلمات مشعالاً فيه نور،فيه أمل، فيه صحة وعافية. وإنّ في الصحة حياة جديدة.
صديقك
أمين الريحاني



ــــ 2 ــــ
من كتاب صاحب الأيام

عن نيويورك في 14 يوليو/تموز 1926
عزيزي شفيق
… وددت لو يسمح لي الوقت بإبداء بعض ملاحظاتي مطولاً في ديوانك، ولكن ما أريده لا يتاح لي فنحن هنا عبيد أوقاتنا، غير أنّ ذلك لا يمنعني من إبداء رأيــي في أشياء جوهرية أريدك أن تعيرها جانب الاهتمام.
إعتن في مؤلفاتك المقبلة أن تكون مبتكراً فيما تنزع إليه، سواء كان بالفكر أو بالعمل، وأن تكون مقلَّداً (بفتح اللام المشددة) لا مقلِّداً (بالكسر) في سائر أعمالك، لأن على هذه القاعدة الأساسية تتوقف شهرة المرء في الحياة وقبل كل شيء أترك الخيال الذي لا روح فيه ولا حقيقة.
واطرق أبداً المواضيع الحيوية والعمرانية وشهِّر تشهيراً لا تخشى معه لوم اللوام مواضع الضعف في الأمة، مشيراً إلى كل ضعف في أخلاقها وخلل في عاداتها ونقص في كيانها، على سبيل حب الإصلاح المجرّد ليس إلا، وأن لا تعود حياتك كلها في ما تكتب إلى البكاء والنواح على الطلول البالية والآثار الخربة، كما يفعل أكثر الكتبة الشرقيين ولا سيما الشعراء منهم، بل كن ذاك الرجل المفكر في الحياة وما تتطلبه الحياة من عوامل الرقي وأسباب العمران، ولا تكن شرقياً في خيالك وعملك، بل المس بيدك أبداً حقائق الوجود، واسع إلى العمل بها دائماً وفي كل حين، لأن فضاء الشرق ممتاز عن كل فضاء، كله خيال بخيال، يوحي إلى المرء ما لا يوحيه فضاء آخر في الوجود، فمنه أوحيت الأديان وظهر الأنبياء ونشأت خيالات الأرواح على تعداد منازعها وكثرة معتقداتها فكان شراً في الحياة على نفسه وعلى غيره ــــ فكن يا شفيق إذاً رجلاً يؤخذ بالحقيقة لا يضلّه الخيال…
عمك
يوسف نعمان معلوف



ــــ 3 ــــ
جواب صاحب الأحلام

عن زحلة في 15 سبتمبر/أيلول سنة 1926
سيدي العم الفاضل
… أما ما ذكرتموه عن الأحلام فقد أعرته كل اهتمامي منزلاً رأيكم من نفسي أجلّ منزلة، وأما أن أكون «مقلَّداً (بفتح اللام المشددة) لا مقلِّداً (بالكسر) في سائر أعمالي» فهذا ما طمحت إليه منذ ترعرعت ونشأت.
فكنت راسخ العقيدة في وجوب تجديد الشعر العربي وبثّ روح حديثة فيه، ولئن طرقت باباً ولجه سواي فهل في كل ما تتناوله القرائح ما لم يطرق الناس بابه؟ وهل إذا اتفق لرسام إبراز صورة عالجها من قبله آخرون فاستحدث لها ألوناً وابتكر لها رموزاً وأشكالاً نقوم فننكر عليه فنه وابتكاره، لأن الصورة حملها قبل لوحه لوح وخطرت لسواه في مخيلة؟
أمّا أن أترك في شعري «الخيال الذي لا روح فيه ولا حقيقة، وأطرق المواضيع الحيوية والعمرانية» فلا أخفي عنك يا سيدي العم الكريم، مع احترامي لرأيك الأعلى، أنّ لي رأياً آخر في الشعر. فهو في عرفي ذلك الشعور النابض يصور للناس نفوس الناس، ولا تتعدى فائدته ــــ في أحايين كثيرة ــــ منفعة يصيبها المرء لدى سماع قطعة موسيقية جميلة، مطربة كانت أم مشجية.
وقد أكون على خطأ من الوجه العالمي النافع، ولكنني على حق من وجهة الفن الخالد.
إنّ للوطن كتّابه وصحافييه وله أقلامهم المرهفة وقرائحهم المشحوذة.
أما أن يسير الشاعر مع الحالات الطارئة فيبعث من حوله ضجيجاً يزول بزوال تلك الطوارىء، فهذا ما لا أسلّم به، إذ ليس الشاعر في عرفي من ضج له الجيل الواحد حتى إذا تبدلت الأوضاع واختلفت الأحوال تناسته من بعده الأجيال.
أنا عالم أنّ الشرق لا يحتاج إلى الفن حاجته إلى المواضيع الحيوية العمرانية، ولكن هذه المواضيع ترتبط بالزمان، يا سيدي العم الكريم، وأنا من هواة الشعر الخالد الذي لا يرتبط بالأزمنة…
المخلص
شفيق معلوف



ــــ 4 ــــ
حاشية ــــ في 22 فبراير/شباط سنة 1935


مضى على هذه الكتب الثلاث زمن غير قصير، ولو طلب إليّ الآن رأيــي في ما أنكره عليّ الكاتبان الكبيران من الكآبة والشكوى في قصيدة الأحلام، لأنكرت معهما على نفسي ذلك الأسلوب، لو أنّ الأحلام كانت من منتوج العهد الحاضر.
أمّا وهي قد نظمت في زمن لم أكن قد جاوزت فيه الثامنة عشرة من العمر، تحت تأثير طور الفتوة المكتنف بالظلمات والحيرة وقلق النفس، فإنني أراها صورة حقيقية لنفسيتي في ذلك الحين، كما يصح أن تكون صورة لنفسية معظم الفتيان، وهذا ما يحببها إليّ ويجعل لها قيمتها في نظري.
شفيق معلوف
أعتقد أنّ الموضوع الذي طرقته الكتب الثلاث لا يجوز أن يبقى في هذه الحدود الأولية التي ورد فيها، فالمعاني فيها كلها نتف مقتضبة لا تسد حاجة لا تشفي غليلاً.
وإذا كان يشفع في اقتضابها أنها كتب خصوصية فلا يشفع شيء بالمرور بها دون تناولها بالدرس وتمحيص الأفكار الواردة فيها.
ولا أعتقد الحاشية التي ضمّنها الشاعر تعليقه على كتابي منتقدي ديوانه بالغة الغاية التي يمكن أن تطمئن إليها نفسُ من لا يقنع من عظمة البحر بوشل ولا من سعة الأفق بحيّز حدده المستوى الداني الماضي.
لا أطمح إلى قول كل ما أود قوله في الأدب وفي الفن في أبعد ما أمكن ويمكن النظرة الإنسانية العليا بلوغه، وجميع ما ينطوي تحت ذلك من أشكال وألوان، في عجالة أكتبها في صحيفة تلح عليها المطاليب السياسية وحاجات التفكير القومي في القضايا الاجتماعية ــــ الاقتصادية، تحت ضغط الظروف الحاضرة التي تحمّلني من أعبائها ما لو زاد أكثر من نسبة قشة التبن إلى الوقر لأرهقني وأرزحني.
ولكني لم أجد بدّاً من قول شيء في الموضوع لإبقائه حياً ولترغيب الأدباء في الإقبال عليه، ولا مندوحة عن إبداء بعض ملاحظات خطرت لي فور قراءتي الكتب المثبتة آنفاً.
أبدأ بكتاب الريحاني.
إنّ فيه مواضع تحتاج إلى تدقيق كثير.
وألاحظ أنّ في هذا الكتاب تعميماً وإطلاقاً يجرفان الكثير من التفاصيل التي تبقى الحقيقة الكبرى الأساسية ناقصة نقصاً كبيراً بدونها، ويظل الفكر قلقاً لا يجد استقراراً واطمئناناً إلا بوجودها وجلائها.
نظر الريحاني في الأحلام فوجده ديواناً تسوده «لهجة الكآبة والحزن» ووصف هذه «اللهجة» بأنها كانت «موضة» في أيام بيرن وميساه.
وليس ديوان الأحلام في متناول يدي لأقابل هذا الوصف عليه وأجد كم فيه من تدقيق.
ولكني أذكر أني قرأت هذا الديوان قراءة مستعجلة من نحو أربع عشرة سنة، أو يزيد، وأذكر أنّ التأثير الذي أحدثه فيَّ هو تأثير نبضات الإحساس الأول وقد انقشعت حجب المراهقة عن قزحية الشباب فتمازجت فيها الأشواق والرغبات التي اتخذت صوراً من الجمال قوية ولاذعة أحياناً، ولكنها صور ظهرت فيها شاعرية جديرة بأن تحل موضعاً مكيناً في النفوس وفي الأجيال.
ومع ذلك فلا بدّ من القول إنّ تعبير «لهجة الكآبة والحزن» الذي أطلقه الرحياني هو من التعميمات التي لا تفيد كثيراً في دراسة معينة أو مختصة بموضوع معين. وهو بعيد كل البعد عن تناول الوجهة النفسية وأسبابها.

ومن هذا القبيل انتقاله من مخاطبة صاحب الأحلام إلى مخاطبة جميع الشعراء السوريين فيقول لهم «اقرأوا أشعيا بدل أن تغمسوا أرواحكم في دموع إرميا.
عودوا إلى شكسبير وغوته بدل أن تحرقوا أصابعكم ومآقيكم في مراجل ميساه وبيرن».
ولو كان قيل هذا الكلام في غير معرض النظر في ديوان الأحلام لكان إطلاقه هذا الإطلاق غير المحدود يجد موضعاً أمنع من موضعه الحاضر، لأنه يكون حينئذٍ كلاماً عمومياً يفهم منه من شاء ما يشاء، أما في موضعه المذكور فهو قليل المحصل. ولا يزيد المحصل من كلام الريحاني قوله:
إنّ الشاعر ليس «زنبقة في جمجمة»، ولا قوله:
«إنما الشاعر الحقيقي مرآة الجماعات ومصباح في الظلمات وعون من الملمات وسيف في النكبات. الشاعر الحقيقي يشيد للأمم قصوراً من الحب والحكمة والجمال والأمل».

هذا الكلام الأخير الذي يحاول الريحاني أن يخرج به من السلبية الصكراتية (السقراطية) إلى النظرة الإيجابية يزيد التعميمات السابقة تعميماً. ويمكن أن يحسب من قبيل المعميات وليس فيه أدنى اقتراب من شجون الموضوع التي لكل شجن منها اتجاه خاص.

الحقيقة أنّ هذا الكلام لا يتعلق بديوان الأحلام بقدر ما يتعلق بالشعر والشاعر على الإطلاق.
وهو مرسل إرسالاً لا تحقيق فيه ولا تدقيق، وليست فيه حقيقة أساسية واحدة يصح اعتمادها «لتشييد قصور من الحب والحكمة والجمال والأمل» للأمم التي تهدمت قصورها أو لم يكن لها قصور.
فإني لا أعتقد أنّ شعراء سورية يصيرون غير ما هم بقراءة سفر أشعيا وترك قراءة سفر إرميا.
والعودة إلى شكسبير وغوته وحدها لا تفيد كثيراً إذا لم تكن هنالك ثقافة واعية فاهمة تتبع خطط النفس السورية.
وماذا استفاد أدب اللغة العربية كله من عودة الشاعر المصري شوقي إلى شكسبير غير النسخ والمسخ والتقليد الذي لم يضف إلى ثروة الأدب العالمي مقدار حبة خردل؟
أما قول الريحاني «الشاعر الحقيقي مرآة الجماعات ومصباح في الظلمات» فقلت إنه من قبيل المعميات ولم يصعد بنا درجة واحدة فوق قول جبران «الشاعر زنبقة في جمجمة» فمرآة الجماعات لا يكونها الشاعر وحده أو كل شاعر، وقد قال الدكتور خليل سعاده:
«صحافة كل أمة مقياس ارتقائها، وصورة أخلاقها، ومظهر شعورها، وعنوان مجدها، فهي المرآة التي ترى بها الأمة نفسها»، ومصباح الظلمات يكونه الفيلسوف والفنان والأديب والشاعر والقائد والعالم، وكذلك «عون في الملمات وسيف في النكبات».
ويكونه كل واحد من هؤلاء بطريقة خاصة.
وفي هذه الحقيقة يكمن سر لا يجلوه كتاب الريحاني ولا شيء مما كتب الريحاني.
فقد عاد الريحاني إلى هذا الموضوع في كراس عنوانه أنتم الشعراء قبّح فيه البكاء والعويل تقبيحاً كثيراً، ولكنه لم يعطِ الشعراء درساً واحداً يوجههم توجيهاً جديداً، لأن كلامه كان كله من هذا النوع الغامض المشوش الذي يشبه دعوة الداعين إلى الاتحاد القومي من غير فهم أو تعيين لما هي القومية وما هي مقوماتها.

أترك كتاب الريحاني عند هذا الحد، وانتقل إلى كتاب السيد يوسف نعمان معلوف.
والذي أراه في هذا الكتاب أنه يشتمل على آراء فجة، أو مبتسرة، مستمدة من الحياة الأميركانية العملية ذات الطابع الأنكلوسكسوني، وليس فيه شيء من العمق لخلوه من النظرة الفلسفية أو التاريخية.
وهذه الآراء الواردة فيه هي مزيج من نزعة فردية ورغائب عملية وأحكام عامة استبدادية، كقوله «فمنه (الشرق) أوحيت الأديان وظهر الأنبياء ونشأت خيالات الأرواح على تعدد منازعها وكثرءة معتقداتها، فكان شراً في الحياة على نفسه وعلى غيره».

تظهر النزعة الفردية بجلاء في قوله:
»إعتنِ في مؤلفاتك المقبلة أن تكون مبتكراً فيما تنزع إليه، سواء كان بالفكر أو بالعمل، وأن تكون مقلَّداً (بفتح اللام المشددة) لا مقلِّداً (بالكسر) في سائر أعمالك، لأن على هذه القاعدة الأساسية تتوقف شهرة المرء».
فكأن الشهرة الفردية صارت الغاية الأخيرة المتوخاة من الفكر أو العمل، وكأن أهم شيء في طبيعة الفكر أو العمل أن يكون المرء غير تابع غيره وأن يكون متبوعاً.
وهي قاعدة فردية بحتة لعل الدافع إليها أنّ المتكلم عم المخاطب ويهمه أمره الشخصي، استمساكاً بعروة القرابة الدموية التي تنزع إلى المباهاة والمفاخرة، كما هو مشهور في قبائل العرب.
ومع أنّ المخاطب، وهو الشاعر المنتقد، قبل هذه الفكرة الفردية في جوابه إلى عمه فهو لم يتقيد بها كل التقيد الظاهر في كلام عمه فألقى عليه هذا السؤال:
«ولئن طرقت باباً ولجه سواي فهل في كل ما تتناوله القرائح، ما لم يطرق الناس بابه؟» وهو سؤل يكاد يصل إلى طرق باب ينفتح عن أفق تنبلج فيه أنوار فجر تفكير أصلي جديد، ولا يقصر إلا خطوة أو قفزة واحدة ليلج هذا الباب.
ولكنها خطوة أو قفزة تفصل بين عالمين وقد تشبه نوعاً القفز فوق العارضة العالية أو السور بالاستعانة بعكاز طويلة خاصة بهذا الغرض.

والرغائب العملية هي التي تجعل عم الشاعر يقول له هذا القول:
«وقبل كل شيء أترك الخيال الذي لا روح فيه ولا حقيقة واطرق أبداً المواضيع الحيوية والعمرانية، الخ». فمحصل كلامه أنّ الخيال هو دائماً لا روح ولا حقيقة فيه، وأنّ الشعر هو كله خيال. وهنا يتحول انتقاده الشاعر إلى نوع من تقبيح الشعر والإشارة على نسيبه بوجوب تركه والانتقال إلى طرق «المواضيع الحيوية والعمرانية… ومواضع الضعف في الأمة مشيراً إلى كل ضعف في أخلاقها وخلل في عاداتها ونقص في كيانها».
وكل ذلك لا دخل له في الشعر والشعراء ولا يختص إلا بالعلماء الاجتماع والنفس والسياسة.
ولولا هذا التخصيص التوجيهي لكان أمكن التساهل في عبرة المنتقد السابقة واعتبارها مفيدة ترك نوع الخيال الذي لا روح فيه ولا حقيقة من أجل الأخذ بنوع من الخيال فيه روح وحقيقة.
وقد أصاب الشاعر في الرد على هذا الكلام من وجهة الشعر، خصوصاً قوله:
»إنّ للوطن كتّابه وصحافييه وله أقلامهم المرهفة وقرائحهم المشحوذة. أما أن يسير الشاعر مع الحالات الطارئة فيبعث من حوله ضجيجاً يزول بزوال تلك الطوارىء فهذا ما لا سلم به، إذ ليس الشاعر، في عرفي، من ضج له الجيل الواحد، حتى إذا تبدلت الأوضاع واختلفت الأحوال تناسته من بعده الأحيال».

فهذا كلام من يشعر برسالة الشاعر الأسمى والفنان الذي من أهم صفاته الإبداع عن طريق التصور (الخيال)، وهو أقوى كثيراً من قوله إنّ مهمة الشاعر هي «تصوير نفوس الناس للناس» الذي هو مرادف لقول الريحاني إنّ الشاعر «هو مرآة الجماعات» وقد يكون متأثراً به.
ولكنه مخالف له عند التفصيل، لأن «مرآة الجماعة» قد تعني «نفس الجماعة»، أما «نفوس الناس» فيرجح أنها تعني نفوس الأفراد.
والعبارتان ضمن الحدود التي قيلتا فيها، ضعيفتان لأنهما لا تشتملان على أية قضية نفسية علمية أو فلسفية أو على إدراك مضبوط لنفس الجماعة ونفس الفرد والفرق بينهما.
والعبارة الثانية، من هذا القبيل، أضعف من الأولى لأنها أكثر تعميماً وهي لذلك أكثر غموضاً. ولكن إذا أخذنا هذه العبارة على وجه التدقيق ونظرنا إليها، نظرنا إلى معنى مقصود بعينه وجدنا أنها أقوى، في ذاتها، من عبارة الريحاني، لأنها أبرزت لفظة «النفس» التي تدل، سواء أكانت مفردة أو مجموعة، على أقوى وأسمى ما في الإنسان، بينما عبارة الريحاني لا توجب الدخول في المسائل النفسية وقد تعني إبراز شؤون الجماعة وعاداتها.
من الغريب أنّ الشاعر الذي قال القول القوي المذكور آنفاً، في صدد الشاعر ورسالته، لم يجد بعد مضي تسع سنوات ونيف، ما يزيده عليه أو يكون شبه استمرارله، وأنه اكتفى بالقول في تعليقه الأخير على كتابي منتقديه أنه لو طلب إليه رأيه الآن لكان «أنكر على نفسه ما أنكره عليه الكاتبان الكبيران من الكآبة والشكوى».
هاني بعل1
لا يقتصر التضارب والتخبط في حقيقة الشعر وصفته، اللذان دللت عليهما في ما تقدم من هذا البحث، على الأدباء الثلاثة السوريين المذكورين آنفاً، بل هما يشملان أكثر الأدباء اللامعين، إن لم يكن كلهم، في العالم العربي.
فقد كان من حسن حظي وأنا في هذه البلاد التي قضت الظروف أن تتوقف فيها رحلتي المرسومة، أني تسلمت هدية كتبية من أحد الرفقاء الغيورين فيها بعض مجموعات اللال، وبينما أنا أقلب صفحات بعض أعداد 1933، بعد كتابة الحلقة السابقة، وقع نظري على رأي للدكتور محمد حسين هيكل بك، أحد كبار أدباء مصر، في عدد يونيو/حزيران من السنة المذكورة.
فأقبلت على المقال ووجدت أنه حلقة أخرى من حلقات التخبط في دائرة مغلقة على الأدب، إذ فيه من التعميمات والمطلقات ما لا محصل إيجابي وراءه. إليك بعض عباراته:
«إني أفهم أن يكون التجديد هو أن يشعر الشاعر أو الكاتب بشعور العصر الذي هو فيه، ويعبّر عن ذلك تعبيراً صادقاً ممثلاً لصفات ذلك العصر الذي وضع فيه هذا التعبير بحيث يكن شاعر القرن الرابع عشر الهجري أو كاتب القرن الرابع عشر (القرن العشرين) له شخصية خاصة تخالف شخصية الشاعر أو الكاتب الذي ظهر في القرون السابقة مع المحافظة على قواعد اللغة وحدودها»، «ولست أقصد بالصفات الخاصة أن يعمد شعراء العصر الحاضر إلى استخدام ألفاظ المخترعات الحديثة في شعرهم أو يتناولوا هذه المخترعات فيصفوها، ويسمّوا ذلك تجديداً، فإذا كان القدماء وصفوا الناقة أو السيف وصفوا هم القطار أو الطيارة أو المدفع. وإذا كان القدماء استعملوا في أشعارهم هند وليلى ودعد، استعملوا هم سوسو وسوسن ومارغريت وماري إلى آخره. بل أقصد بالصفات الخاصة إبراز كل ما يقع تحت الشعور بحكم البيئة، والتعبير تعبيراً صادقاً عن الحياة التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها وتجعل لها صبغة خاصة بحيث يعدّ الخروج عن هذه الصبغة خروجاً عن تلك البيئة.
فأنت تستطيع في الوقت الحاضر وفي البيئة التي تعيش فيها أن تصف الناقة أو السيف أو غيرهما، مما تناوله القدماء بأسلوب يتفق وشعور العصر الذي تعيش فيه والحياة العقلية السائدة في هذا العصر وحينئذٍ يقال إنك وصفت هذه الأشياء بأسلوب جديد».

وحسين هيكل يرى أنه لا يوجد «شعر معبّر عن العصر الذي نحن فيه وليس لنا شعراء يمتازون بصفات تخالف الصفات التي كان عليها بعض الشعراء في العصور الماضية»، ويزيد قائلاً:
«وأنا على يقين من أنّ مؤرخ الأدب العربي في الأجيال القادمة، لو قدمت إليه قصيدة من قصائد العصر الحاضر قد حذف ما فيها من أعلام، لا يستطيع أن يعيّن العصر أو الجيل الذي قيلت فيه».
ولكنه يعترف بأن النثر «قد امتاز بقوته واتجاهه نحو النهوض ورقي الحياة العقلية فيه وخصبها وتشعبها وإنتاجها».
هذا الرأي شديد الإبهام وكثير التخبط. أنظر في غموض التعابير الآيتة:
«بل أقصد بالصفات الخاصة إبراز كل ما يقع تحت الشعور بحكم البيئة، والتعبير تعبيراً صادقاً عن الحياة التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها، الخ».
فماذا يفهم القارىء الجيد الإدراك من هذه الأوصاف التي لا تزيد الموصوف إلا غموضاً؟ ما هو الشعور بحكم البيئة وكيف يكون؟ وما هي «الحياة التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها»؟
في عدد نوفمبر/تشرين الثاني من السنة المذكورة رأي في التجديد في الشعر للشاعر السوري المتمصر خليل مطران.
إنه أدق من رأي حسين هيكل.
وهو يخالفه في رأيه القائل إنه لم يحدث تجدد في الشعر.
فقد حدّث مطران عن نفسه:
«أردت التجديد في الشعر منذ نعومة أظفاري ولقيت دونه ما لقيت من عنت ومناوأة… أردت التجديد في الشعر وبذلت فيه ما بذلت من جهد عن عقيدة راسخة في نفسي وهي أنه في الشعر، كما في النثر، شرط لبقاء اللغة حية نامية.
على أنني اضطررت، مراعاة للأحوال التي حفّت بها نشأتي، ألا أفاجىء الناس بكل ما كان بجيش بخاطري، وخصوصاً ألا أفاجئهم بالصورة التي كنت أوثرها للتعبير لو كنت طليقاً، فجاريت العتيق في الصورة بقدر ما وسعه جهدي وتضلعي من الأصول واطلاعي على مخلفات الفصحاء، وتحررت منه، وأنا في الظاهر أتابعه، بنوع خاص من الوصف والتصوير ومتابعة الغرض، الخ».
وبعد أن يعطي وصفاً مجتزءاً لحاجة اللغة إلى ضروب التعبير السليم، الواضح، الدقيق قاطبة، يصل إلى نتيجة لا تبعد كثيراً عن النتيجة الهائمة التي وصل إليها الريحاني ويوسف معلوف وحسين هيكل، وإليك قوله:
«أريد أن يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف أنواع رقيه. أريد كما تغيّر كل شيء في الدنيا، أن يتغير شعرنا، مع بقائه شرقياً، مع بقائه عربياً، مع بقائه مصرياً. وهذا ليس بإعجاز».

في عدد الهلال عينه، الذي ورد فيه رأي خليل مطران في التجديد في الشعر، مقال لحسين هيكل في «الفنون الرفيعة وأثرها في حياة شرقنا العربي».
في هذا المقال يلخّص هيكل وجهة نظر الريحاني في حملته على الأدب الباكي عن طريق نقده لقصيدة بشارة الخوري التي مطلعها «الهوى والشباب والأمل المنشود توحي فتبعث الشعر حياً»، ووجهة نظر بشارة الخوري في رده على الريحاني التي لا تختلف كثيراً عن وجهة نظر شفيق معلوف في رده على عمه في كتابه إليه المثبت آنفاً.
وقد حاول هيكل أن يكون في هذا المقال أدق منه في رأيه السابق المذكور فوق.
فقال إنّ الرأيين (رأي الريحاني ورأي الخوري) هما في طبيعة الوجود.
وعلّل منشأ الجدل بأنه من نتائج «ما يصيب الشرق العربي من هوان سياسي وانحلال اجتماعي»، ثم انتقل إلى محاولة إيضاح أشد رسوخاً وذي صفة إيجابية فقال:
«وقد أصيبت الفنون بما أصيبت به تبعاً لظروف الحياة التي يخضع لها الشرق العربي والتي تخضع الإنسانية من بعد الحرب لها.
ولا يكون علاجها بإنكار ما للدموع وما للشجن من أثر في الحياة.
وإنما يكون علاجها بأن تبعث الدموع، وأن يبعث الشجن النفسي، إلى التماس المثل الأعلى، كما تدفعها الحماسة وتدفعها النجدة والمروءة إلى التماسه.
ولو أنّ أرباب الفن في الأدب والغناء والنقش وسائر الفنون الرفيعة وضعوا هذا المثل أمام أنظارهم لأرجعوا إلى الفن حياة أقوى بكثير من حياته اليوم، ولما كان الجدل الذي ثار في هذا الصيف الأخير بين أمين الريحاني وبشارة الخوري».
بعد الكلام المتقدم يحاول هيكل أن يخطو خطوة فاصلة فيقول:
«ماذا عسى أن يكون المثل الأعلى؟ أعتقد أنّ الشرق قد ضل طريقه في هذه العصور الأخيرة متأثراً بتعاليم الغرب، فأصبح مثله الأعلى مادياً، يحسب الحرية التي تسمو بها النفس إلى المكان الأرفع، أن ينال الجسم وأن تنال الشهوات كل مبتغاها.
وقد يكون للبيئة الطبيعية في الغرب، ما يدفع إلى التطلع إلى مثل هذا المثل الأعلى.
لكن بيئة الشرق الطبيعية وتاريخه منذ العصور الأولى، وتاريخه بنوع خاص منذ انتشرت الحضارة الإسلامية (المحمدية) في ربوعه، يجعل هذا المثل الأعلى الذي يتخذه الغرب أمامه دون ما تتطلع إليه النفس الشرقية.
فهذه النفس تؤمن بوحدة الوجود وترى في هذه الوحدة والاتصال بها والفناء الروحي فيها غاية ما ترجوه، ولذلك كانت أمثال هذا الشرق تجري:
«بأن من اعتز بغير الله ذل. ومن افتقر لغير الله هان». ولا تعرف شيئاً في الحياة يعادل تقوى الله. أفيمكن أن يصور الفن هذه المعاني وأن يصل بها من درجات السمو إلى ما يجب أن يصل إليه الفن؟».

هي أول محاولة للانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن التعميم إلى التخصيص، ومن السلبية إلى الإيجابية، ولكنها محاولة غامضة، متخبطة، مطلقة، مستبدة. ففيها ينظر هيكل إلى الفن من زاوية «الشرق والغرب»، ويحدد الشرق بكلام لا تحقيق فيه لتاريخ «الشرق» الذي يذكره ولا لفلسفة ذلك التاريخ ولا للمحمدية نفسها التي يطبعها، استبداداً، بهذا الطابع الجزئي، وكان الأفضل أن لا يحاول تجريدها من خصائصها العملية في مادية حياة البيئة التي نشأت فيها.

أما تحديده المثال الأعلى للشرق كله، مدخلاً فيه العالم العربي كله، فهو من التحديدات الاستبدادية الضيقة، التي تكون أكثر قبولاً عند عامة المتعلمين وعند قليلي التعمق من خاصتهم، نظراً لبساطتها وقلة ما تطلبه من إنعام نظر وجهد في التفكير، ولكنها ليست مما يمكن العقل الفلسفي الأساسي الاطمئنان إليه وقبوله مستقراً لتفكيره وشعوره.
وكم يخالف هذا التفكير السطحي المتمركز في تحديد التصور بالأمر الواقع رأي الدكتور خليل سعاده في روحية الشرق الدينية إذ قال:
«الدين في الشرقي قطعة من حياته. فهو بحسب الحياة وسيلة لتشريف الدين (تقوى الله والفناء الروحي في وحدة الوجود) لا الدين وسيلة لتشريف الحياة والسمو بها من مرتبتها الحيوانية إلى مرتبة روحانية تطهر الأخلاق وتهدم الفواصل غير الطبيعية القائمة بنيه وبين أخيه في الوطنية والبشرية».

(المجلة، السنة الأولى، العدد 13، بيونس آيرس في 15 ديسمبر/كانون الأول 1915).
إني موقن كل اليقين بفساد ذاك التقسيم السطحي الذي يعدّ الشرق كله روحياً والغرب كله مادياً ويحسب طلب مبتغيات الجسد وشهواته من «التأثر بتعاليم الغرب».
ولكني أعتقد أنّ توقف سير الحضارة في الشرق عند حد هو ما جعل النفس الشرقية تعمد إلى الفناء في الشؤون الخفية من المسائل النفسية، فصارت مسائل اللاهيولى أو ما وراء المادة المسائل الوحيدة التي تتجه إليها النفس التي اضطرت لهذا النهج بسبب ترك النظر في المسائل الوجودية، الهيولية، الحسية.
وحيثما انعدمت أسباب التقدم العمراني انعداماً يكاد يكون كلياً، صارت مطالب ما وراء المادة نفسها مادية في معظمها، فصارت الجنة جنة حلى وملابس وعطور وما شاكل.
واعتقد أنّ اطراد سير الحضارة في المتوسط والغرب، ابتداء من سورية، جعل للمسائل النفسية، الوجودية، الهيولية، الحسية النصيب الأوفر من انشغال النفس.
أما المادية والروحية فهما من نصيب الشرق والغرب كليهما.
ويصعب كثيراً، من وجهة نظر الحياة، حسبان قسم كبير من المسائل النفسية الخفية التي تعنى بها شعوب «النفسية الشرقية» مسائل روحية بالمعنى الحيوي.
ويدخل في هذا القياس، المسائل الخفية الشائعة في الغرب كالروحانية والصوفية وغيرهما، وكما وجدت المادية في الغرب كذلك وجدت في الشرق، فمسائل الحب المادي والشهوات الجسدية نشأت نشوءاً مستقلاً في الشرق كما في الغرب.
وفي الفنون المعبرة عن النفسية الشرقية أحسن تعبير نجد الموسيقى التي يسمونها «العربية» أو الشرقية قد اتخذت وجهة مادية من الشهوات الحادة في حين أنّ الموسيقى الغربية انتصرت على المادية انتصاراً رائعاً وارتفعت فوق فضاء الشهوات الجسدية ارتفاعاً عظيماً.
فللشرق مادية قوية وروحية منعكفة على المسائل الخفية التي لا تبرز إلى الحياة أو الوجود، وللغرب مادية قوية وروحية تعنى بالوجود وبتسامي الحياة ضمن الوجود الإنساني، وهي على عكس روحية الشرق التي طلبت التسامي وراء الوجود (الوجود الإنساني).
ولذلك أرى من أشد الخطأ حسبان التسامي وراء الوجود وحده «روحية» والتسامي ضمن الوجود «مادية».
إذا كان الشرق المتسكع في قيود المادة قد رأى، في أرقى فلسفاته الهندية والصينية، أنّ الطريقة الوحيدة لانتصاره على المادة هي إهمال قضايا المادة وثقافتها، فإن العقل السوري الذي خطط للمتوسط والغرب قواعد ثقافته المادية والروحية رأى أنّ الانتصار على المادة يكون بمعالجتها والقبض عليها وتسخيرها للغايات النفسية الجميلة التي تجعل الوجود الإنساني جميلاً، صريحاً، نيّراً.
إنّ تحديد المثال الأعلى في عبارة حسين هيكل: «من اعتز بغير الله ذل ومن افتقر لغير الله هان» هو تجميد لا قوة له لغلب المادية في الحياة الروحية وشؤونها في الوجود. وهو ليس مبدأً روحياً إلا إذا حسبنا الروحيات قاصرة على الغيب.

إنها نظرة مصرية شرقية هذه النظرة التي تضع المثال الأعلى في هذه العلبة المطرزة الخفيفة الحمل يحملها المرء في جيبه وينتقل بها من مكان إلى مكان، وكلما عنّ له النظر في المثال الأعلى فتح العلبة وأخرجه منها ونظر إليه بإعجاب وشهق شهقة الفرح ثم أعاده إلى موضعه واستمر في حاله من حله وترحاله.
«الفناء الروحي في وحدة الوجود» إذا كان مثالاً أعلى فهو مثال عدمي أو فنائي لا وجودي، والروحية الموافقة له هي روحية كسيحة، مريضة تتجه نحو الغيب الذي تجعله مستقراً للوجود وتشيح بوجهها عن الوجود الإنساني الذي لا تحسبه إلا عبّارة إلى الغيب وواسطة للفناء فيه.

هذه النظرة التي يثبت بها الأدب المصري نفسيته الشرقية هي نظرة منافية لخطط النفس السورية في سياق التاريخ. وعدم أخذ السوريين بهذه النظرة هو من الأدلة على ما ذهَبْتُ إليه حين أعلنت:
أنّ سورية ليست أمة شرقية وأنها ليست ذات نفسية شرقية.
وإذا كان السوريون أولعوا بالتغني «بالمزايا الشرقية» التي وصلت إليهم في مزيج من أدب الهند والفرس والعرب فما ذلك إلا لتلاشي نظرتهم إلى الحياة وضياع مثلهم العليا في تعاقب الفتوحات واضطراب مجرى الحياة السورية الاجتماعية والروحية.
وهذه الحقيقة هي التي جعلت ميخائيل نعيمة يسبق حسين هيكل إلى حسبان نفسه شرقياً وتفضيله النظرة «الشرقية» التي يزعم أنها تقول مع محمد:
«ولا غالب إلا الله» على النظرة التي يزعم أنّ الغرب يعبّر عنها بقوله:
«ولا غالب إلا أنا» (انظر فتاوى كبار الكُتَّاب والأدباء في مستقبل اللغة العربية ونهضة الشرق العربي. طبع «الهلال» مصر، سنة 1923) فهو قد جعل الغرب كأنه يقول:
«ولا غالب إلا أنا» وهو يقصد بقوله المقابلة بين موقف الشرق وموقف الغرب من الوجهة السياسية والعمرانية قبل كل شيء.
وقد أخذ حسين هيكل فكرة نعيمة في التعبير عن موقف الشرق وجعلها مثالاً أعلى للنفسية الشرقية.
لنتابع تفكير نعيمة قليلاً.
إنه يقول في مقالته التي أجاب بها على استفتاء مجلة الهلال إنّ الفرق بين الشرق والغرب منحصر في نقطة واحدة جوهرية هي:
«إنّ الشرق يستسلم لقوة أكبر منه فلا يحاربها، والغرب يعتقد بقوته ويحارب بها كل قوة.
الشرق يرى الخليقة كاملة لأنها صنع الإله الكامل.
والغرب يرى فيها كثيراً من النقص ويسعى لتحسينها.
الشرق يقول مع محمد: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا». ويصلّي مع عيسى: «لتكن مشيئتك». ومع بوذه يجرد نفسه من كل شهواتها.
ومع لاوتسو يترفع عن كل الأرضيات ليتحد بروحه مع «الطاو» أو الروح الكبرى.
أما الغرب فيقول: «لتكن مشيئتي». وإذ يخفق في مسعاه يعود إليه ثانية وثالثة ويبقى يعلل نفسه بالفوز. وعندما يدركه الموت يوصي بمطامحه لذريته».
وفي اعتقاد نعيمة:
«إنّ فرسخاً مربعاً من بلاد الصين «الخاملة» يحوي من الجوهر أكثر من كل جزائر اليابان «الناهضة».
هذا كلام إذا أزلت منه زخرف التعبير الأدبي، الشعري لم تجد فيه حقيقة واحدة غير جهل شؤون الحياة وتطورها منذ ظهر الإنسان على مسرح الطبيعة وجهل التاريخ وفلسفته. فالشرق، لعلة طبيعية، على الأرجح، حاول من قبل «تحسين الخليقة» كما حاول الغرب «تحسينها» من بعد.
ولذلك نشأت الأديان في الشرق، أي لتحسين الخيقة.
وقد «حسنت» الأديان الخليفة تحسيناً كبيراً، ولا شك. ولكنها عصت كل تحسين جديد نشأ بعد أحكامها، فأصحابها لا يقرّون بمعرفة جديدة إلا مكرَهين. وإذا كان عيسى، السوري البيئة، رمى إلى تأديب النفوس بقوله:
«لتكن مشيئتك» فهو أعلن الانتقاض على «المنزل» بالذهاب إلى «تكميل الناموس»، ومحمد نفسه الذي نشأ في بيئة بعيدة عن التفكير بالقضايا الفلسفية الكبرى نطق بالوحي «ولكل أجل كتاب».
فليس في سُنَّة المسيح ولا في سُنَّة الرسول، إذا أخذت كلها، ما يمنع «تحسين الخليقة» أو ما يرفضه.
ولست أعتقد أنّ تعاليم بوذه ولاوتسو أنشئت بقصد منع التفكير في «تحسين الخليقة»، ولكن العقلية الشرقية، التي عجزت عن حل قيود الروح المادية بنظرة إلى الحياة والكون فاهمة، هي التي وقفت عند «أحكام» الفلسفات الدينية وتعليلاتها الافتراضية المستندة إلى «قوة أكبر منها» حددتها تلك الفلسفات تحديدات متباينة جعلت الخالق الواحد «ينزل» تعاليم غير واحدة فيما يختص بالحياة الإنسانية ضمن الوجود وقبل «الفناء في وحدة الوجود».
اختار ميخائيل نعيمة التكلم على «الخليقة» و«تحسينها» ليضع القارىء أمام الاصطلاح. وكلامه كلام أديب، لا كلام فيلسوف أو عالم أو فنان، وها الصين تترك اليوم «جوهر» الخمول لتأخذ «بعرض» النهوض.
وليس يعني ذلك زوال القواعد الصالحة من تعاليم لاوتسو.

مما لا شكّ فيه أنّ نفسية الذين يذعنون لكل «ما كتب الله أن يصيبهم» ترى في هذا الإذعان أجمل المثل العليا وأحبها وأفضلها. وسواء أكانت هذه النفسية شرقية أم غربية، فهي نفسية لها مصيرها وهو غير مصير النفسية اتي لا تقبل بما هو دون «ما يكتبه الله» للذين يعملون بالمواهب التي أعطاهم.
إنّ صوفية نعيمة الهدامة التي أبرزها في أحد خطبه في بيروت سنة 1932 أو 1933 بقوله إنّ القوة هي في الأمم العاجزة «المستغنية» عن التسلح (وإن يكن استغناؤها قهراً أو كرهاً)، وإنّ الضعف هو في الأمم المستكثرة من آلات الحرب، قد نبذتها سورية ولا تفكر في جعلها مثالاً أعلى لها.
أما في مصر فقد تجد تربة جيدة لنموها وازدهارها كما يظهر من اقتباس حسين هيكل مثاله الأعلى من عبارة ميخائيل نعيمة الواردة في مقابلته بين الشرق والغرب، ومن أقوال غيره كمصطفى صادق الرافعي.

ولم يخرج من دائرة التخبط في موضوع النهضة الأدبية غير من ذكرت من كبار الأدباء. طه حسين نفسه الذي يعد في مقدمة مفكري مصر وفي طليعة كبار أدبائها كتب مقالة في عدد الهلال الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 1933 بعنوان «نهضتنا الأدبية وما ينقصها» قال فيها إنّ الأدب في اللغة العربية قد سار مرحلة كبيرة وإنه لا تزال تنقصه أشياء، وخلاصة المقالة أنّ مواضع الضعف «في نهضتنا» هي:
1 ــــ اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة.
2 ــــ ثقافة أدبائنا من الأدب الأجنبي ثقافة محدودة.
3 ــــ أدباؤنا لا يحسنون الآداب الأجنبية القديمة التي أنشأت الأدب الأجنبي الحديث.
4 ــــ لا يحفل أدبناؤنا بالعلم ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة منه. وفي رأي طه حسين أنه إذا أزيل هذا الضعف من «أدبائنا» فنهضتنا الأدبية تستكمل شروط ارتقائها إلى ذروتها. والحقيقة أنّ هذا الكلام يدل في ما عبّر عنه طه حسين نفسه في مقالته المشار إليها «بالطول والعرض»، أي بالخلو من العمق. إنه كلام شكلي لا أساسي، كما سيتضح فيما يلي:
وعباس محمود العقّاد، كاتب مصري آخر كبير ذو شهرة، أجاب في عدد الهلال المذكور فوق على سؤال:
هو يصبح لنا أدب عالمي؟ وفي جوابه يقول:
«فالأدب العالمي ليس مرتبة من مراتب السمو يرتفع إليها الكتاب والكاتب، ولكنها حالة من الحالات تتيسر أسبابها فتظهر وتخطئها هذه الأسباب فيخطئها الظهور».

والظاهر أنه يعني بالأدب العالمي انتشار الكتب بواسطة الترجمة والطبع في مختلف اللغات لا قيمة الأدب العالمية.

فيأخذ يبحث عن الظروف والأسباب العملية التي تذيع الكتاب، كالغرابة عند المترجَم إليهم، ووجود المترجِم، وحسن الطباعة، ووجود شركات النشر، نسبة عدد القُرّاء، وغير ذلك من الأمور السطحية والعملية التي لا يمكن أن يقوم عليها أدب عالمي لأمّة من الأمم على نسبة ارتقاء المثال الأعلى والفكر والفن.

والخلاصة أنك لو جمعت جميع الأقوال والآراء المتقدمة وأمثالها لما حصل لك منها غير اضطراب في الفكر وتشتت في الشعور يحرمانك إدراك حقيقة الأدب عموماً والشعر خصوصاً، ورسالة الفن.

أنطون سعاده
الزوبعة، بيونس آيرس، العام الثالث،

العدد 50 (15/8/1942) ص 1 ــــ 3

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير