تدخّل الدين في الدولة

في أخبار الوطن الأخيرة الواردة بطريق الولايات المتحدة التي تناقلتها الصحف السورية في أميركا الخبر التالي:
«إحداث مقام محمدي أعلى بسورية»
«دمشق ــــ اتّخذ المؤتمر المحمدي العلمي القرارات الآتية:
1 ــــ إحداث مقام أعلى يكون مرجعاً لجميع الشؤون الدينية ويشارك الوزراء في مقرراتهم. ولا يتبدل بتبدلهم على أن يوضع له نظام خاص يتعلق بكيفية انتخابه وصلاحيته بعد قبول هذا المبدأ من لدن الحكومة.

2 ــــ إعادة نقابة السادة الأشراف في حلب وزيادة عدد أمناء الفتوى والمدرّسين وجعل رواتب المفتين بحسب درجاتهم.

3 ــــ عدم انتخاب الحكام المدنيين ليحلّوا محل القضاة الشرعيين وملء الشواغر في المحافظات.

4 ــــ أن يكون للمفتين وحدهم حق إعطاء وثيقة بالوعظ والإرشاد للعلماء الذين هم أهل لذلك.

5 ــــ أن يكون للمفتين حق مراقبة التدريس الديني والمدارس الدينية وألا يعيّن مدرّس إلا بعد الفحص أمام لجنة مؤلفة من أربعة علماء برئاسة المفتي.

«وقد خوّلت اللجنة الإصلاحية التنفيذية جميع الحقوق للمطالبة بتنفيذ مقررات المؤتمر».
يظهر من الخبر المتقدم أنه كما في لبنان كذلك في الشام. ففي لبنان سعى الإكليروس المسيحي سعياً حثيثاً للتدخل في جميع شؤون «الدولة» السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولغرس الاعتقاد في نفوس الشعب بأن لبنان وطن المسيحيين ودولتهم. وفي هذه الحالة يصير مركز الإكليروس المسيحي قوياً جداً.

وفي الشام لم يكن خافياً وجود نزعة لحسبان هذه المنطقة وطن الرسوليين ودولتهم.
وعلى هذا الاعتقاد استند جميع المتنفذين الطامعين في الحكم لتأييد نفوذهم. فيروى بتأكيد عن السيد فخري البارودي «زعيم الشباب» أنه كان يخرج، عندما يرى لزوماً لتقوية مركزه، فينادي العامة قائلاً ــــ:
«يا أمة محمد» وأنه يعدّ هذا النداء نداءً «وطنياً». والظاهر أنّ الإكليروس المحمدي لا يريد أن يترك للإكليروس اليسوعي أمراً يحسد عليه فاتخذ مؤتمر «العلماء» القرارات المثبتة آنفاً.
وقد يكون شجعه على اتخاذها وجود شيخ ديني على رئاسة «الدولة» وبعض خطابات هذا الرئيس الدال على أنه هو أيضاً يرى أنّ «دولة» الشام دولة محمدية أي دولة دينية للأكثرية الدينية.

إنّ إحداث مقام أعلى يكون مرجعاً لجميع الشؤون الدينية، كالبطريرك أو الباب عند المسيحيين، هو شأن من شؤون التنظيم الديني البحت الذي لا احتجاج عليه. وقد يوجد هذا «المقام الأعلى» في وظيفة الإفتاء، فكان «مفتي الجمهورية» مرجعاً أعلى للشؤون الدينية، وإذا أراد الإكليروس المحمدي أن يكون له غير هذا التنظيم الديني فله ما يريد.
أما أن يكون المقام الديني الأعلى المقترح إيجاده «مشاركاً الوزراء في مقرراتهم» فأمر آخر لا يتعلق بالتنظيم الديني بل يتعلق بتنظيم الدولة.
وما رمى إليه علماء الدين المحمدي الشاميون في اقتراحهم هو شيء في غاية الخطورة وقبوله يجعل قبضة رجال الدين على شؤون الدولة قبضة شديدة.
وتزداد قوة هذه القبضة بطلب المقترحين جعل صاحب المقام الديني ثابتاً في الوزارة لا يتبدل بتبدل الوزراء، فيصبح الوزير الديني الدائم أقوى مركز حكومي في الدولة، وتصبح السلطة الدينية على جميع شؤون الدولة أقوى سلطة.

قبول هذا الاقتراح، يجعل، عدا ما ذكر آنفاً، الوطنية نفسها مرتبطة بالمذهب الديني.
وهذه الحالة هي أفضل حالة للمطامع الاستعمارية في سورية، فدولة مسيحية ودولة رسولية يجعل مباراة هاتين الدولتين واحتكاكهما وتزاحمهما وسيلة لتدخّل الإرادات الأجنبية تدخلاً واسعاً في البلاد والتأثير على أهلها.

المقررات الأخرى التي يقترح مؤتمر علماء الدين العمل بها لا ترمي إلا إلى توسيع تدخّل رجال الدين في المسائل العمومية التي ليست من شؤون الدين البحت.
فالاقتراح الثالث الذي يطلب عدم العدول عن القضاة الشرعيين الدينيين إلى رجال القضاء الممدني، هو اقتراح يرمي إلى إبقاء القضاء في أيدي رجال الدين زيادة في سلطتهم ونفوذهم، فيكونون هم مرجع الشؤون المختصة بالحقوق المدنية كالعقود وجميع ما يدخل فيها من الأحوال الشخصية، وهو ما يحدد المجتمعات الدينية في الوطن تحديداً يشبه التحجر، لأنه يمنع التطورات الحقوقية المدنية ويزيد الحواجز بين الملل التي تتألف منها الأمة الواحدة.

الاقتراح يجعل إصدار وثيقة الوعظ والإرشاد إلى علماء الدين من حق المفتين فقط هو من أمور التدقيق في التنظيم الإكليريكي وتقوية سلطة المراجع الدينية وأهم منه الاقتراح الخامس الأخير فمراقبة المدارس الدينية والتدريس الديني كله من قبل المفتين، إذا أجيزت لهم بقانون، صارت من أعظم عقبات التربية القومية المدنية.

ونذكر بهذه المناسبة أنّ مثل هذا الطلب طلبه البطريرك الماروني في لبنان في خطابه أواخر سنة 1937 وكان من جملة القضايا التي رد فيها زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي على البطريرك.

إنّ مراقبة التدريس الديني يجب أن تكون من قبل الإدارة القومية المجرّدة عن التحمس والهوس الدينيين التي يجب أن يكون غرضها منع حصول التحمس الديني بواسطة التعليم، لأن حصوله يضر بالقومية الصحيحة ويباعد بين أبناء الوطن الواحد، ويجعل تشبث كل فريق منهم بوجهة نظر دينه في مسائل الاجتماع والحياة الدينية من عوامل التفرقة القومية، كما كانت الحال حتى اليوم، ويكفي الأمة ما لاقته وتلاقيه من هذه الشرور.

إنّ جوهر الاعتقادات الدينية وهي المختصة بالإيمان بالله والخلود والحشر هو شيء لا تعقّد فيه ولا يمكن أن يحصل فيه غلط، ولكن المسائل الدنيوية التي يتناولها التعليم الديني ويجمدها تجميداً تاماً هي المسائل الخطرة التأويل.
وتأويلها يجب أن يكون تحت مراقبة إدارة الدولة التي يجب أن يكون من صلاحيتها ومسؤولياتها إيجاد وسائل التقدم الفكري في القضايا الإنسانية، وضمانة تساوي الحقوق المدنية، وإزالة تناقض الاعتقادات الاجتماعية في الأمة الواحدة، أي العمل بالمبدأ السادس الأساسي والمبادىء الأول والثاني والثالث الإصلاحية من مبادىء الحزب السوري القومي الاجتماعي.

إذا أجازت حكومتا لبنان والشام مطامح رجال الدين، وأقرّت مطاليبهم الرامية إلى جعل الدولة تحت سلطة المؤسسات الدينية، فإنها تزيد المشاكل التي ستتركها للعهد القومي الاجتماعي المقبل.

أنطون سعاده
 الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 48، 15/7/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير