دروس قومية اجتماعية – إمتطاء العموميات إلى الخصوصيات

إنّ درس الحزب السوري القومي الاجتماعي ومبادئه وفلسفته وغايته وحركته وأعماله شيء، ودرس الأشخاص الذين يتفق أن ينضموا إلى صفوفه ونفسياتهم وغاياتهم وأهدافهم شيء آخر.
هذه حقيقة أولية ولكن كم هم الذين لا يفرّقون بين الحزب السوري القومي الاجتماعي والأشخاص الذين ينضمون إليه، ثم يُسمع عنهم أنهم طردوا أو «انسحبوا» أو انقلبوا؟

في سلسلة هذه الدروس التي نسوقها نتوخى شيئاً واحداً: فهم الحالات والقضايا النفسية والاجتماعية والمناقبية التي تعرض في مجرى نمو الحركة القومية الاجتماعية.

منذ مدة غير بعيدة اهتمّ الكاتب القومي الاجتماعي الكبير، الرفيق جبران مسوح، بأديب سوري له به علاقة مودّة.
وليس هذا الأديب أول أديب سوري اهتمّ به جبران مسوح.
ولكن حماس جبران مسوح ليس من تلك الفورات الاعتباطية الوقتية فهو لا يكلّ ولا يملّ. فأقام يراسل الأديب المذكور مدة، ويشرح له عن الحركة القومية الاجتماعية وزعيمها حتى حمله على الكتابة إلى الزعيم لإيجاد صلة مباشرة معه.
فوردت الزعيم رسالة وكتب مؤلفة ومترجمة للأديب المشار إليه.

أجاب الزعيم على رسالة الأديب وتناول مقدمة أحد كتبه التي فيها شرح لرغائب المؤلف وحركاته الاجتماعية وأبدى تقديره للنزعة الوطنية التي تُصورها تلك المقدمة وألقى أسئلة عن المؤسسة العالمية التي انتمى إليها الأديب «حباً بخدمة وطنه».
بقيت الأسئلة المذكورة بلا جواب، ولكن المراسلة تناولت موضوع النهضة السورية القومية وانتهت باعتناق الأديب الملمّح إليه مبادئها وانخراطه في الحزب السوري القومي.

وكان أحد القوميين الاجتماعيين يعمل في البيئة عينها، وتمكن من قبول إنضمامات عديدة أوجبت النظر في تنظيم الرفقاء الجدد.
وكان بين المنضمين أديب آخر سيأتي ذكره فيما بعد. ورجل صاحب إذاعة راديو. واقترح الرفيق العامل تشكيل هيئة إدارية يرأسها الأديب الأول، ويكون من أعضائها الأديب الثاني وصاحب الإذاعة الأثيرية.
فقبل الزعيم الاقتراح وعيّن الأديب الأول رئيساً، والأديب الثاني ناموساً، وصاحب الإذاعة خازناً. ولم يخلُ هذا التعيين من اعتراض تواضعي من قِبَل الأديب الأول، الذي أبدى للزعيم كثرة أشغاله الأدبية والاجتماعية، وضرورة قراءته عشرات الكتب في الشهر الواحد وشدة حاجته للإنتاج الأدبي.
ومن جملة معلوماته أنه عضو ضروري في عدة أندية وجمعيات ومؤسسات.
فهو ناموس في نادي كذا، ورئيس في نادي كذا وعضو عامل في جمعية كذا، وعضو مؤسس في عدة محافل ماسونية، وله علاقة ببعض المؤسسات الثقافية، وجميع هذه المراكز تتطلب منه مجهوداً كبيراً.

أجابه الزعيم أنه ينتظر منه أن يفهم أنّ القضية القومية قضية كلية، بينما مسائل الجمعيات والأندية هي مسائل جزئية، وأنّ الأديب الحي يجب أن يحوّل قلبه وعقله لخدمة قوميته وجنسه أولاً.
أما ما تعلق بشغفه بالمطالعة والكتابة فقد أثنى عليه الزعيم، وأشار عليه بالاهتمام بخدمة الحركة السورية القومية الاجتماعية عن هذا الطريق، فيترجم مبادئها وبعض منشوراتها الهامّة، ويكتب عنها ليعرِّف الأقطار الأميركية حقيقتها.

وبينما الزعيم يتوقع حصول التأثير الجيد المرغوب فيه من توجيهاته في نفس الأديب المذكور، إذا برسالة تطل على الزعيم من الرفيق جبران مسوح من توكومان يقول فيها إنّ الأديب الذي هو موضوع هذا الكلام قد كتب إليه يعرض استعداده لتقدمة بضع مئات من نسخ آخر كتاب أصدره تبرعاً منه للحزب ليبيعها ويقبض ثمنها ويحوّله إلى صندوقه.
ويقول الرفيق مسوح إنه ينتظر أن يحدد الزعيم كمية الكتب التي يجب أن يطلبها.

كان جواب الزعيم أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس حمّال كتب ولا واسطة للتذييع عن كتب أحد من الناس، إلا ما حمل رسالته ومبادئه وأفكاره وأهدافه.
أما التبرع لصندوق الحزب فله غير هذه الطريقة التي تحاول تسخير مؤسساته لإذاعة أسماء بعض الكُتّاب وبعض الكتب.

كان الزعيم يفضل لو أنّ الأديب المذكور كتب مقالة واحدة في العقيدة القومية الاجتماعية أو في الحركة على كل مئات النسخ التي يقدمها للإدارة الحزبية لتكلّف هذه الإدارة عدداً من الرفقاء حمل نسخ وبيعها في أوساطهم، ولكن الأديب كان له تفضيل آخر، على ما يظهر، وهو:
أن تنتشر كتبه ويذيع اسمه قبل انتشار المبادىء القومية الاجتماعية وإذاعة أهداف الحركة السورية القومية الاجتماعية وأعمالها!

بعد أن تسلّم الأديب المتبرع بالكتب وظيفته الإدارية بمدة يسيرة، ورأى حماس عدد من الرفقاء الجدد كتب إلى الزعيم يعتذر عن تمنّعه الماضي ويقول إنه لا يعرف الكلل ولا التعب.
ثم لما وجد الأعمال التنظيمية تقتضي سهراً ومشقة وبذل مجهود كبير أرسل على أثر كتابه الأخير كتاباً آخر يقول فيه، إنه أخطأ وإنه لا يقدر أن يترك شيئاً من الوظائف الاجتماعية التي في يده، وإنه يحتاج للمواظبة في سبعة محافل ماسونية يجتمع كل محفل منها في وقت غير وقت غيره، لأنه عضو مؤسس فيها جميعها، ولذلك يفضل الاستعفاء من الوظيفة، وإنه مع ذلك «يبقى جندياً مستعداً لكل خدمة»!!.
هذه كانت آخر خدماته.

أما الأديب الثاني الذي شغل وظيفة ناموس فكان قد أبدى اندفاعاً في سبيل القضية وكتب مقالة فيها روح ووعد بكتابة غيرها.
ثم ساد السكون.
وفي رسالة منه إلى الزعيم قال إنه هو توقف عن الكتابة، وليس الجريدة عن النشر، لأنه غير واقف على معلومات كثيرة عن سير الحركة!

ولما طُلب من هذا الأديب أن يكتب للزوبعة رسائل ومقالات أرسل مقالة عن عيد ميلاد المسيح أقل ما يقال فيها إنها تمجيد للمسيح اعتيادي مبتذل. لم يكن ذلك غريباً.
ولكن الغريب أنه تمكن من كتابة مقالة عن المسيح بدون الاستناد إلى معلومات جديدة أو قديمة عن سير حركة المسيحية!!!.

وأما صاحب إذاعة الراديو فقد قدِم بنفسه لمقابلة الزعيم وموافقته على أنّ الأديبين لم يقوما بما يجب عليهما نحو القضية. فلما أخذ عليه أحد الرفقاء، في حضرة الزعيم، اتصاله بعناصر الرجعة المعادية للنهضة القومية الاجتماعية قال إنه يريد أن يوضح موقفه وخلاصة إيضاحه أنه يعتقد أنّ له شخصيتين الواحدة ضمن الحزب والثانية خارجه!!!.

أنكر الزعيم صواب هذا المبدأ وأعلن عدم اعتراف الحزب بكل ما هو من باب الشخصيتين والوجهين واللسانين والحقيقتين.
ولما سأل هذا «الرفيق» الزعيم عما يريد اتخاذه من الترتيبات الإدارية للفئة القومية الاجتماعية التي أصبحت بلا إدارة، أجابه الزعيم أنه سينتظر ما يظهر من الرفقاء هناك، وأنه يرى أنّ مقدرة الأشخاص يمكن أن تظهر بدون وظائف، فمتى عمل الرفقاء بدافع ذاتي أولاً، اختار الزعيم من العاملين من ظهر أنه أكثر اقتداراً وأشد غيرة على القضية.

انصرف الرجل وقد وقعت بطيخة من يده. وهنا ظهرت حكمته. فهو قد تمكن، بمهارة خارقة العادة، من الاحتفاظ ببطيخة الرجعيين والنفعيين الذين لا يهمهم لا كثيراً ولا قليلاً أن يكون للمرء شخصية واحدة أو شخصيتان أو أكثر.
صار «عروبياً صميماً» صار يكتب في رسائله:
«تحية العروبة».
وقال:
«سراً» لبعض معارفه من هذا النوع إنه قَدِمَ «ليدرس الزعيم» وإنه مكلّف بهذا «الدرس» من نحو سبعين عضواً دخلوا الحزب السوري القومي الاجتماعي في منطقته، وإنهم ينتظرون وصوله ليعطيهم محصل درسه. وأخذ يستعمل لقب الزعيم في رسائله بتهكّم واستهزاء كأن يقول: «قل لفلان إنّ المسألة كيت وكيت. وإذا لم يصدق فقل له إني أحلف «بحياة الزعيم!».

كل الحق في خسارة هذه العناصر الهامّة هي على الحزب السوري القومي الاجتماعي وعلى زعيمه بنوع خاص. وجهل الزعيم المسائل السياسية جعل الحزب واحداً أو واحداً وسبعين شخصاً لا يقبلون زعيماً إلا من كان على مبدأ الشخصيتين والوجهين واللسانين والحقيقتين!

إنّ قضية النهضة السورية القومية الاجتماعية هي قضية نهوض بالأخلاق والمناقب قبل كل شيء. فالأخلاق الضعيفة والمثالب النفسية قلّما قدرت على النهوض بأمة أو تغيير حالة شعب سيئة.

ليس الحزب السوري القومي الاجتماعي مطية للرغائب الخصوصية، أو وسيلة لاكتساب الشهرة والمراكز العالية من أهون الطرق.
كلا، إنه حركة جهادية لا امتياز فيها إلا بالعمل والحرب في سبيل القضية القومية المقدسة.
فمن ظن الحزب القومي الاجتماعي غير ذلك فبعض الظن إثم.

إننا لا نفرح بنمو الحزب القومي الاجتماعي إلا حين ينمو بالعناصر الكبيرة الهمّة، القوية الروحية، التي ترجو فلاح الأمة قبل فلاحها الخاص. هذه العناصر التي تبذل نفسها في سبيل العقيدة والقضية تجد من الأمة تقديراً وتخليداً.

أنطون سعاده
الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 68، 15/10/1943

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير