رأي النهضة – الائتلاف


ظهر جلياً من أعمال المجلس النيابي الماضي أنّ أعضاءه قد يمثلون كل شيء إلا مصلحة الشعب اللبناني وإرادته. فقد أنفق النواب كل وقتهم المفيد ومعظم زخمهم في المشادة بين جانبين والمناورات لترجيح كفة أحدهما على الآخر. فما أسِفْنا لحل المجلس.

والظاهر أنّ حل المجلس عُدَّ انتصاراً لفريق الموالين للحكومة واندحاراً للفريق الذي أطلق على نفسه لقب “الكتلة الدستورية” فازدادت شقة الخلاف اتساعاً بين هذين الفريقين. وجاءت الانتخابات تبشر بحرب ضروس بينهما ابتدأت بالترويج والتشييع عن الضعف والقوة إلى أن كان اليوم الثامن والعشرون من الشهر الماضي فإذا الاحتكاك في عاليه يبدي نواجذ الرغبات المتصادمة وينذر بشرّ التطاحن.

وماهي إلا أيام حتى تسري في الجمهورية اللبنانية إشاعة مؤداها أنّ مفاوضات تجري تحت رعاية المفوض السامي للوصول إلى تفاهم بين الجانبين المتضادين، ثم يثبت الخبر الخبر فإذا الائتلاف أمر واقع.
وقع الائتلاف وقعاً شديداً في أوساط الشعب. وسخط قسم كبير من الصحافة اللبنانية عليه. وقامت بعض الفئات تسخط وتنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولم يكتفِ الساخطون بذلك، بل قام عدد منهم يبرقون إلى وزارة الخارجية الفرنسية ويقدمون عرائض احتجاج إلى المفوضية في بيروت.

إنّ النقمة على حادث من الحوادث السياسية التي لها علاقة قوية بمصالح الشعب أو تحبيذه، حق من حقوق الشعب التي لا يمكن تجريده منها. ولكن لنبحث قليلاً في المجاري التي يريدون أن تجري فيها هذه النقمة.
إذا استثنينا بعض الأحزاب التي لها برامجها، وهي ناشئة في بدء عهدها السياسي، وجدنا أنّ الشعب كان قبل الائتلاف منقسماً إلى جبهتين: فهنالك المتمسكون بـ ؟الكتلة الدستورية؟، وهناك المتمسكون بالفئة الحكومية، وكل جهة من هاتين الجهتين تتعصب لنفسها فترى فيها كل الخير وترى كل الشر في الجهة الأخرى، فماذا يجري بعد الائتلاف؟

لقد تم الائتلاف بناءً على أنّ المعارضين الحائزين على الحرية السياسية المطلقة اتفقوا مع الحكوميين الحائزين على الحرية السياسية المطلقة. فما هو وجه الحكمة من النقمة على الائتلاف والاحتجاج لدى المفوضية ولدى وزارة الخارجية.

لماذا لا يريد الناس الائتلاف بدلاً من الخلاف الذي أثير بين نظريتين خصوصيتين لا بين مبدأين سياسيين اجتماعيين أو اقتصاديين؟
إنّ الذين شدّوا لـ “الكتلة الدستورية” أرادوا رضاها وقد رضيت الجبهتان بالائتلاف بدلاً من التطاحن وسفك الدماء. وليس في ذلك جريمة.

أما الاحتجاج لدى المفوضية فقد قام على الوهم أنّ المفوضية هي التي أوجبت الائتلاف. وليس هذا صحيحاً إلا إذا صوّرنا الجميع مؤتمرين بأوامر المفوضية، غير خاضعين لمبدأ أو منهاج شعبي. حتى ولو كان هذا الواقع لما كان هنالك أي وجه لمؤاخذة المفوضية بشيء أو لطلب تدخّلها في شيء شعبي بحت. هي تحترم تعهدات العهد الجديد كل الاحترام. وأما الاحتجاج لدى وزارة الخارجية الفرنسية فسخافة لا يمكن أن تظهر من رجال يحترمون أنفسهم والشعب الذي يحاولون تمثيله.

إذا كان السخط على الائتلاف يقوم على أنه لم يحقق كل المنافع الخصوصية التي كانت تتلاطم في الاختلاف، فليس الذنب في ذلك ذنب المختلفين أو المؤتلفين، بل هو ذنب الشعب الذي لا يزال متعلقاً بالشخصيات والطائفيات ومُعْرِضاً عن الأخذ بالمثل القومية العليا ومبادىء الحزبية الاجتماعية الاقتصادية الصحيحة.
مما لا شك فيه أنّ الائتلاف خير من الاختلاف وسفك الدماء. أما الشعب فواجبه البحث عن المبادىء القومية واعتناقها وعن المؤسسات القومية الناشئة وتقويتها وعن أشخاص المبادىء والمؤسسات وتأييدهم. هذا هو طريق الأمم الحية الوحيدة!
والشعب الذي لا يعرف مبادئه ومنظمته القومية لا يحق له أن يتذمر وينقم!

أنطون سعاده
النهضة، بيروت
العدد 1، 14/10/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير