فلسطين كلّ فلسطين عاصمة الصّراع

الأمين وليد زيتوني

ذُكر أنّ الجنرال غورو المندوب السّاميّ على الشّام ولبنان، وحين دخوله دمشق بعد معركة ميسلون، ذهب مباشرةً إلى الجامع الأمويّ وتحديداً إلى قبر صلاح الدّين ركله قائلاً: “قم يا صلاح الدّين ها قد عُدنا”، في إشارةٍ انتقاميّةٍ واضحة إلى انتصار الفرنجة من جديد بعد أنّ كان صلاح الدّين قد انتصر على ريكاردوس قلب الأسد في معارك فلسطين وخروجهم من القدس آنذاك.

أسوّق هذه الرّواية للدّلالة أنّ الغزاة في كافّة هجماتهم القديمة منها والحديثة، يعتبرون هذه المنطقة الّتي نطلق عليها اسم سورية الطّبيعيّة واحدة في جغرافيّتها وشعبها وأحداثها التّاريخيّة المشتركة. ولهذا شدّد أنطون سعاده على أنّ المسألة الفلسطينيّة ليست مسألة مستقلّة، بل هي مسألة لبنانيّة في الصّميم ومسألة شاميّة في الصّميم ومسألة عراقيّة في الصّميم ومسألة أردنيّة في الصّميم. من هنا جاءت مواقف الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ تجاه المسألة الفلسطينيّة توازي حجم الخطر الّذي يهدّدها، ويعتبر الحزب نفسه ليس معنيّاً معنويّاً بها فقط إنّما مستنفراً وبحالة حرب دائمة مع العدوّ المحتلّ لأرضنا وخيراتنا وثرواتنا. ففلسطين كلّ فلسطين من دون تجزئة ولا تمييز بين منطقة وأخرى هي ميدان الصّراع وإنّ كانت القدس تمثّل رمزيّته، لما تحمله هذه المدينة من أهميّة خاصّة لدلالات إيمانيّة أكثر ممّا هي جيو ـ استراتيجيّة أو جيو ـ اقتصاديّة وغيرها.

استناداً للزّعم التّوراتيّ القائل أنّ “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النّيل”، سيبقى هدف الدّولة الزّائلة وهي ما تسعى إليه سلماً وحرباً بالتّعاون والاشتراك مع من يعنيهم الأمر من الدّول الاستعماريّة الّتي تعاقبت على غزونا واحتلالنا ونهبنا. وعليه نرى أنّ هذه الدّول كانت وما زالت ترعى مصالح “إسرائيل” وأمنها وتسعى بشكلٍ دائم إلى تثبيت وجودها وتقويته على حساب أمّتنا، وتعمل على إفراغ المسألة الفلسطينيّة من أحقّيتها من خلال التّعطيل والمماطلة.

والقدس جزء من هذه العمليّة الّتي ترعاها بالتّكافل والتّضامن بدءاً من قرار تقسيم فلسطين ذات الرّقم 181 في تشرين الثّاني 1947 الصّادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، والّذي نصّ على وضع القدس تحت الإشراف الدّوليّ.

شكّل هذا القرار، مسمار “جحا”، في سياق ربط النّزاع وفي مسار المفاوضات المشبوهة اللّاحقة. فمنذ إعلان بن غوريون في 16 كانون أوّل 1950 أنّ القدس “عاصمة إسرائيل” والفصول تتوالى لحصر المسألة الفلسطينيّة بهذه النّقطة دون غيرها متجاوزةً باقي التّراب الفلسطينيّ. وهنا يتبادر إلى ذهننا السّؤال التّالي: إذا فرضنا تنازل العدوّ عن القدس، وهو أمر مستبعد، هل يمكن القبول والتّنازل عن أيّة قطعة من الأراضي الفلسطينيّة؟ وهل لسلطة موجودة حاضراً أو متواجدة مستقبلا ًالحقّ أو القدرة على هذا الأمر؟

صحيح أنّ المناورات السّياسيّة قائمة على قدم وساق، وأنّ الدّول العربيّة الخانعة تشترك وبفعاليّة كبيرة تارةً بالضّغوط وطوراً بتشكيل لجان دفاع وإقامة مؤتمرات صاخبة بالشّكل متساهلة بالمضمون، إذا لم نقل متواطئة على حساب شعبنا وحقّه في التّحرّر وإزاحة الاحتلال عن كامل أرضنا. فمن لجنة القدس الّتي يرأسها العاهل المغربيّ إلى مؤتمرات الجامعة العربيّة وقراراتها، طريق معبّد بالتّراجعات والتّنازلات وحتّى الاعتراف بالكيان سريّاً وعلنيّاً، ولن يكون آخرها فورة التّطبيع القائمة حاليا.

إنّ الأنظمة الرّجعيّة ومنذ قيام الدّولة الزّائلة تعمل بإيحاءات مشغّليها من الدّول القابضة على القرار وتنفّذ أجندتها المرحليّة الّتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، وهي مسؤولة بكليّتها عن ضياع فلسطين والأجزاء المحتلّة الأخرى من أمّتنا.

إنّ اعتراف “ترامب” وغيره من الإدارات السّابقة واللّاحقة للولايات المتّحدة الأميركيّة وغيرها من الدّول لا يلزم إلاّ نفسها. وليس لها الحقّ في إخضاع إرادة الشّعوب في تقرير مصيرها وتحقيق كيانها. نحن شعب سنقوى على الحصار، سنقوى على الجوع والعطش، لدينا إرادة القتال والصّبر على الشّدائد حفاظاً على كرامتنا وعزّتنا وحرّيّتنا.

“إنّ القوّة هي القول الفصل في إحقاق الحقّ القوميّ أو إنكاره”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى