مبادىء الحزب السوري القومي وغايته

مبادىء
الحزب السوري القومي
وغايته
“مشروحة بقلم الزعيم”

طبعة أولى ـ بيروت 1936
طبعة ثانية منقحة ـ سان باولو 1939
طبعة ثالثة منقحة ـ بوينُس آيرس 1946
طبعة رابعة “مضبوطة وكاملة” ـ بيروت ـ 18/9/1947

المبادىء الأساسية
المبدأ الأول ـ سورية للسوريين والسوريّون أمة تامّة
قد يبدو لبسطاء الدارسين أنّ كون سورية للسوريين أمر بديهي، لأنه واقع في التقدير السطحي، وأنّ كون السوريين أمة تامة حشو يمكن الاستغناء عنه أو عبارة يقصد منها غرض مستور. والحقيقة أنّ قومية السوريين التامة وحصول الوجدان الحي لهذه القومية، أمران ضروريان لكون سورية للسوريين بل هما شرطان أوليان لمبدأ السيادة القومية، سيادة الشعب الشاعر بكيانه على نفسه وعلى وطنه، الذي هو أساس حياته وأهم عامل في تكوين شخصيته. فإذا لم يكن السوريون أمة تامة لها حق السيادة وإنشاء دولة مستقلة، لم تكن سورية للسوريين تحت مطلق تصرفهم، بل كانت عرضة لادعاءات سيادة خارجة عن نطاق الشعب السوري، ذات مصالح تتضارب، أو يحتمل أن تتضارب مع مصلحة الشعب السوري في الحياة والارتقاء.
كل سوري يرغب في أن يرى أمته حرة، سائدة، مرتقبة يجب أن يحفر هذا المبدأ على لوح قلبه حفراً عميقاً.
إنّ الذين لا يقولون بأن سورية للسوريين وبأن السوريين أمة تامة يرتكبون جريمة تجريد السوريين من حقوق سيادتهم على أنفسهم ووطنهم، والحزب السوري القومي يعلنهم باسم ملايين السوريين التائقين إلى الحرية، الراغبين في الحياة والارتقاء، مجرمين.

المبدأ الثاني ـ القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية اخرى
منذ ظهر الحزب السوري القومي بمظهر محرر حقوق الشعب وسيادة الأمة من احتكار الطبقات الإقطاعية والنفعية المتاجرة بحق السيادة القومية، أخذ الرجعيون، الذين قاموا يحاربون هذا الحزب باسم القضية العربية، يذيعون أنّ الحزب السوري القومي يقصد، بهذا المبدأ الثاني من مبادئه الأساسية، عداء العرب ومحاربة فكرة العلاقات مع الأقطار العربية، في حين أنّ هؤلاء الرجعيين والنفعيين لم يتكرموا على الرأي العام ببيالن ماهية القضية العربية، لتي يدَّعون تمثيلها. والواقع أنّ هذا المبدأ هو نتيجة وتكميل للمبدأ الأول. فبما أنّ سورية للسوريين الذين يشكلون أمة تامة لها حق السيادة، كان من البديهي أن تكون قضيتها، أي قضية حياتها ومصيرها، متعلقة بها وحدها ومنفصلة عن كل قضية أخرى تتناول مصالح تخرج من متناول الشعب السوري. إنّ هذا المبدأ يحفظ للسوريين وحدهم حق تمثيل قضيتهم والبتّ في مصير مصالحهم وحياتهم. وبناءً على هذا المبدأ يعلن الحزب السوري القومي أنه لا يعترف لأي شخصية أو هيئة غير سورية بحق التكلم باسم المصالح السوية في المسائل الداخلية أو الإنترناسيونية، أو بحق إدخال مصير المصالح السورية في مصير مصالح أمة غير الأمة السورية.
إنّ ملايين الفلاحين والعمال واصحاب الحرف والمهن والتجارات والصناعات الذين تتألف الأمة السورية منهم لهم إرادة ومصلحة في الحياة يجب أن تبقيا من شأن مجموعهم وحده.

المبدأ الثالث ـ القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري
يتناول هذا المبدأ تحديد القضية السورية الواردة في المبدأ السابق تحدياً لا يقبل التأويل. وهو يظهر العلاقة الحيوية، غير القابلة الفصل، بين الأمة والوطن. فالأمة بدون وطن معين لا معنى لها، ولا تقوم شخصيتها بدونه. وهذا الوضوح في تحديد القضية القومية يُخرج معنى الأمة من الخضوع لتأويلات تاريخية أو سلالية أو دينية مغايرة لوضع الأمة ومنافية لمصالحها الحيوية والأخيرة.
إنّ وحدة الأمة والوطن تجعلنا نتجه نحو فهم الواقع الاجتماعي الذي هو الأمة بدلاً من الضلال وراء أشكال المنطق الصرف وتراكيب الكلام.

المبدأ الرابع ـ الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.
يتبع هذا المبدأ مبدأ التسلسل التحليلي. فهو شرح لماهية الأمة المذكورة في المواد السابقة. وهو من حيث مدلوله الإتنولوجي يحتاج إلى تدقيق وإمعان. ليس القصد من هذا المبدأ ردّ الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد معين، سامي أو آري، بل القصد منه إعطاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتمازجت، منذ عهد أقوام العصر الحجري المتأخر، السابقة الكنعانيين في استيطان هذه الأرض، إلى هؤلاء الأخيرين إلى الأموريين والحثيين والآراميين، إلى الإغريق والرومان والعرب. وهكذا نرى أنّ مبدأ القومية السورية ليس مؤسساً على مبدأ وحدة دموية أو سلالية، بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية، الذي هو المبدأ الوحيد الجامع لمصالح الشعب السوري، الموحد لأهدافه ومُثُله العليا، المنقذ للقضية القومية من تنافر العصبيات الدموية البربرية والتفكك القومي.
إنّ الذين لا يفقهون شيئاً من مبادىء علم الاجتماع، ولا يعرفون تاريخ بلادهم، يحتجون على هذه الحقيقة بادعاء خلوص الأصل الدموي وتفضيل القول بأصل واحد على الاعتراف بالمزيج الدموي. إنهم يرتكبون خطأين: خطأ علمياً، وخطأ فلسفياً. فتجاهل الحقيقة التي هي أساس مزاجنا ونفسيتنا وإقامة وهم مقامها، فلسفة عقيمة تشبه القول بأن خروج جسم يدور على محور عن محوره أفضل لحركته! أما ادعاء نقاوة السلالة أو الدم فخرافة لا صحة لها في أمة من الأمم على الإطلاق وهي نادرة في الجماعات المتوحشة، ولا وجود لها إلا فيها.
كل الأمم الموجودة هي خليط من سلالات المفلطحي الرؤوس والمعتدلي الرؤوس والمستطيلي الرؤوس ومن عدة أقوام تاريخية، فإذا كانت الأمة السورية مؤلفة من مزيج من الكنعانيين (ومنهم الفينيقيين) والآراميين والحثيين والعرب، فإن الأمة الفرنسية مؤلفة من مزيج من الجلالقة واللغوريين والفرنك، إلخ. وكذلك الأمة الإيطالية مؤلفة من مزيج من الرومان واللاتين والسمنيين والأتروريين (الأترسكيين)، إلخ. وقس على ذلك كل أمة أخرى. “السكسون والدنمركيون والنرمان، هذا ما نحن”. هكذا يقول تنيسن في أمته الإنكليزية.
أما أفضلية خلوص الأصل ونقاوة السلالة على الامتزاج السلالي (خصوصاً بين السلالات الراقية المتجانسة) فقد قام الدليل على عكسه، فإن النبوغ السوري وتفوّق السوريين العقلي على من جاورهم وعلى غيرهم أمر لا جدال فيه. ولقد كان النبوغ الإغريقي في أثينة المختلطة لا في إسبرطة الفخورة بأنسابها، المحافظة على صفاء دمها.
لا ينافي هذا المبدأ، مطلقاً، أن تكون الأمة السورية إحدى أمم العالم السامي أو العربي، أو إحدى الأمم العربية. كما أنّ كون الأمة السورية أمة عربية لا ينافي أنها أمة تامة لها حق السيادة المطلقة على نفسها ووطنها ولها، بالتالي، قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى. الحقيقة أنّ الغفلة عن هذا المبدأ الجوهري هي التي أعطت المذاهب الدينية في سورية المدية، التي قطّعتها بين نزعة إسلامية عربية ونزعة مسيحية فينيقية ومزقت وحدة الأمة وشتت قواها.
إنّ هذا المبدأ ينقذ سورية من النعرات الدموية، التي من شأنها إهمال المصلحة القومية العامة والانصراف إلى الانشقاق والفساد والتخاذل. فالسوريون الذين يشعرون أو يعرفون أنهم من أصل آرامي لا يعود يهمّهم إثارة نعرة دموية آرامية ضمن الأمة والبلاد، ما دام هنالك اتّباع لمبدأ الوحدة القومية الاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية والاجتماعية، بدون تمييز بين فارق دموي أو سلالي. وكذلك الذي يعلم أنه متحدر من أصل فينيقي أو عربي أو صليبي لا يعود يهمّه سوى مسألة متحده الاجتماعي، الذي تجري ضمنه جميع شؤون حياته والذي على مصيره يتوقف مصير عياله وذريته وآماله ومثله العليا. هذا هو الوجدان القومي الصحيح، فإذا كانت النعرة الفينيقية هي الـ Thèse والنعرة العربية هي الـ Antithèse أو بالعكس، أي إذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان نظريتين متعارضتين، فمما لا شك فيه أنّ مبدأ وحدة الأمة السورية المؤلفة من عدة عناصر أو سلالات، من جميع العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السوري والطابع السوري النفسي والعقلي، هو المبدأ الذي يقدم الـ Synthèse أو دمج النظريتين المتعارضتين وجعلهما نظرية واحدة، مذهباً واحداً هو القومية. إنّ في هذا المبدأ إنها جدل عقيم يهمل الواقع والمحسوس ويتشبث باللاحس والمفروض ـ جدل يحلّ علم الكلام محل علم الاجتماع.
يؤوِّل أعداء الحزب السوري القومي هذا المبدأ بأنه يجعل اليهودي أو الأرمني مساوياً في الحقوق والمطاليب للسوري، وداخلاً في معنى الأمة السورية. وهذا التأويل بعيد جداً عن مدلول هذا المبدأ الذي لا يقول، مطلقاً، باعتبار العناصر المحافظة على عصبيات أو نعرات قومية أو خاصة، غريبة، داخلة في معنى الأمة السورية. إنّ هذه العناصر ليست داخله في وحدة الشعب.
إنّ في سورية عناصر كثيرة “كالأكراد مثلاُ” وهجرات كبيرة يمكن أن تهضمها الأمة إذا مرّ عليها الزمن الكافي لذلك، ويمكن أن تذوب فيها وتزول عصبياتها الخاصة. وفيها هجرة كبيرة لا يمكن بوجه من الوجوه أن تتفق مع مبدأ القومية السورية هي الهجرة اليهودية. إنها هجرة خطرة لا يمكن أن تهضم.

المبدأ الخامس ـ الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية، وهي ذات حدود جغرافية تميّزها عما سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب إلى الصحراء في الشرق حتى الالتقاء بدجلة.
هذه هي حدود هذه البيئة الطبيعية، التي حضنت العناصر الجنوبية القادمة من جهة الصحراء والعناصر الشمالية القادمة من عبر طورس ومكّنتها من التصادم ثم من الامتزاج والاتحاد وتكوين هذه الشخصية الواضحة القوية، التي هي الشخصية السورية، وحبتها بمقومات البقاء في تنازع الحياة.
إنّ سر بقاء سورية وحدة خاصة وأمة ممتازة، مع كل ما مرّ عليها من غزوات من الجنوب والشمال والشرق والغرب، هو في هذه الوحدة الجغرافية البديعة وهذه البيئة الطبيعية المتنوعة الممكنات من سهول وجبال وأودية وبحر وساحل، هذا الوطن الممتاز لهذه الأمة الممتازة. وهي هذه الوحدة الجغرافية، التي جعلت سورية وحدة سياسية، حتى في الأزمنة الغابرة، حين كانت هذه البلاد مقسمة إلى كنعانيين وآراميين وحثيين. وقد ظهرت هذه الوحدة السياسية في تأليف لا مركزية أثناء أخطار الحملات الأشورية.
إنّ سورية الوطن هي أقوى عنصر في القومية السورية.
وكل سوري قومي يجب أن يعرف حدود وطنه ويبقي صورة بلاده الجميلة ماثلة لعينيه، ليجدر به أن يكون سورياً قومياً صحيحاً.

المبدأ السادس ـ الأمة السورية هيئة اجتماعية واحدة.
إلى هذا المبدأ الأساسي تعود بعض المبادىء الإصلاحية التي سيرد ذكرها وفصلها (فصل الدين عن الدولة. إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب). وهذا المبدأ هو من أهم المبادىء التي يجب أن تبقى حاضرة في ذهن كل سوري. فهو أساس الوحدة القومية الحقيقي ودليل الوجدان القومي، والضامن لحياة الشخصية السورية واستمرارها. أمة واحدة ـ مجتمع واحد. فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح، ووحدة المصالح تعني وحدة الحياة. وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة، التي لا يمكن التعويض عنها بأية ترضيات وقتية.
في الوحدة الاجتماعية تضمحل العصبيات المتنافرة السلبية وتنشأ العصبية القومية الصحيحة، التي تتكفل بإنهاض الأمة.

المبدأ السابع ـ تستمد النهضة السورية القومية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها القومي والسياسي
يقصد الحزب السوري القومي بهذا المبدأ الابتداء بالاستقلال الروحي، الذي يمثل الشخصية القومية ومزاياها ومثلها العليا وأهدافها. والحقيقة أنّ من أهم عوامل فقدان الوجدان السوري القومي، أو من عوامل ضعفه، إهمال نفسية الأمة السورية الحقيقية، الظاهرة في نتاج رجالها الفكري والعملي، وفي مآثرها الثقافية، كاختراع الأحرف الهجائية، التي هي أعظم ثورة فكرية ثقافية حدثت في العالم، ناهيك بآثار الاستعمار والثقافة السورية الزراعية التجارية والطابع العمراني، الذي نشرته سورية في البحر السوري، المعروف في الجغرافية بالمتوسط، وبما خلّده سوريون عظام كزينون وبار صليبي وأفرام والمعري وديك الجن الحمصي والكواكبي وجبران وطائفة كبيرة من مشاهير الأعلام، قديماً وحديثاً. أضف إلى ذلك قوّادها ومحاربيها الخالدين من حنون الكبير إلى هنيبعل، أعظم نابغة حربي في كل العصور وكل الأمم، إلى يوسف العظمة الثاوي في ميسلون.
إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيتنا، ونعلن أنّ في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم.

المبدأ الثامن ـ مصلحة سورية فوق كل مصلحة.
ليس هنالك أثمن من هذا المبدأ في العمل القومي. فهو أولاً، دليل النزاهة للعاملين. وهو من جهة أخرى يوجه العناية إلى الغاية الحقيقية من العمل القومي، التي هي مصلحة الأمة السورية وخيرها. إنه مقياس الحركات والأعمال القومية كلها. وبهذا المبدأ الواقعي يمتاز الحزب السوري القومي على كل الفئات السياسية في سورية، فوق ما يمتاز بمبادئه الأخرى، في أنه يقصد المصلحة المحسوسة المعينة التي تتشارك فيها حاجات ملايين السوريين وحالات حياتهم. إنه ينقذنا من الحوم حول معانٍ للجهاد القومي هي من باب اللامحسوس، أو غير المفيد.
إنّ حياة الأمم هي حياة حقيقية، لها مصالح حقيقية. وإذا كان الحزب السوري القومي قد تمكن من إحداث هذه النهضة القومية الباهرة في وطننا، فالفضل في ذلك يعود إلى أنه يمثل مصلحة الأمة السورية الحقيقية وإرادتها في الحياة.

المبادىء الإصلاحية
المبدأ الأول ـ فصل الدين عن الدولة
إنّ أعظم عقبة قائمة في سبيل تحقيق وحدتنا القومية وفلاحنا القومي هي تعلّق المؤسسات الدينية بالسلطة الزمنية وتشبث المراجع الدينية بوجوب كونها مراجع السيادة في الدولة وقبضها على زمام سلطانها أو بعض سلطانها، على الأقل. والحقيقة أنّ معارك التحرر البشري الكبرى كانت تلك التي قامت بين مصالح الأمم ومصالح المؤسسات الدينية المتشبثة بمبدأ الحق الإلهي والشرع الإلهي في حكم الشعوب والقضاء فيها. وهو مبدأ خطر استعبد الشعوب للمؤسسات الدينية استعباداً أرهقها. ولم تتفرد المؤسسات الدينية باستعمال مبدأ الحق الإلهي والإرادة الإلهية، بل استعملته الملكية المقدسة أيضاً، التي ادعت استمداد سلطانها من إرادة الله وتأييد المؤسسات الدينية، لا من الشعب.
في الدولة التي لا فصل بينها وبين الدين، نجد أنّ الحكم هو بالنيابة عن الله، لا عن الشعب. وحيث خفّ نفوذ الدين في الدولة عن هذا الغلو، نجد السلطات الدينية تحاول دائماً أن تظل سلطات مدنية ضمن الدولة.
الدولة الدينية التيوقراطية، منافية للمبادىء القومية، لأنها تقول بسيطرة المؤسسة الدينية على مجموع المؤمنين كمزاعم البابوية والخلافة. فالبابا هو أمير المؤمنين أينما وجدوا وكذلك الخليفة. ليس في الدين أمة ومصالح شعوب، بل مجموع من المؤمنين تسيطر عليه مؤسسة دينية متمركزة. ومن هذه الوجهة نرى الدين شيئاً دنيوياً، سياسياً، إدارياً تحتكره المؤسسة الدينية المقدسة. هذه هي الوجهة الدنيا من الدين، هي الوجهة التي كان الدين لا يزال يصلح لها حين كان الإنسان لا يزال في طور بربريته أو قريباً منها. أما في عصرنا الثقافي فإنه لم يعد يصلح.
هذه هي الوجهة التي يحاربها الحزب السوري القومي، لا الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية، المتعلقة بأسرار النفس والخلود وما وراء المادة.
إنّ فكرة الجامعة الدينية السياسية منافية للقومية عموماً وللقومية السورية خصوصاً. فتمسك السوريين المسيحيين بالجامعة الدينية يجعل منهم مجموعاً ذا مصلحة متضاربة مع مصالح مجاميع دينية أخرى ضمن الوطن، ويعرِّض مصالحهم للذوبان في مصالح الأقوام التي تربطهم بها رابطة الدين. وكذلك تشبث السوريون المسلمين بالجامعة الدينية يعرِّض مصالحهم للتضارب مع مصالح أبناء وطنهم الذين هم من غير دينهم، وللتلاشي في مصالح الجامعة الكبرى، المعرَّضة سياسياً، لتقلبات غلبة العصبيات، فما تلاشت في العهد العباسي والعهد التركي. ليس من نتيجة للقول بالجامعة الدينية سوى تفكك الوحددة القومية والانخذال في ميدان الحياة القومية.

القومية لا تتأسس على الدين، ولا تتأسس عليه الدولة القومية. لذلك نرى أنّ أكثر جامعتين دينيتين في العالم، المسيحية والإسلامية، لم تنجحا بصفة كونهما جامعتين مدنيتين سياسيتين، كما نجحتا بصفة كونهما جامعتين روحيتين ثقافيتين. إنّ الجامعة الدينية الروحية لا خطر منها ولا خوف عليها. أما الجامعة الدينية، المدنية والسياسية، فتجلب خطراً كبيراً على الأمم والقوميات ومصالح الشعوب، ولنا في العهد التركي الأخير أكبر دليل على ذلك.

المبدأ الثاني ـ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين.
الحقيقة أنه ليس لهذا المبدأ صفة مجرّدة عن المبدأ السابق، ولم يكن لزوم لوضع معناه في مادة مستقلة، لولا ما ذكرناه من محاولة المؤسسات الدينية الاحتفاظ بصفة السلطة المدنية، أو اكتساب هذه الصفة، حتى بعد وضع مبدأ فصل الدين عن الدولة موضع التنفيذ. والمقصود منه هو وضع حد لتدخّل المؤسسات الدينية مداورة (غير مباشرة) في مجرى الشؤون المدنية والسياسية وبسط نفوذها بقصد تحويل سياق الأمور ليكون في مصلحتها.

المبدأ الثالث ـ إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب
مما لا شك فيه أنّ بين طوائف ومذاهب أمتنا حواجز تقليدية ليست من الضروريات الدينية. إنّ في أمتنا تقاليد متنافرة، مستمدة من أنظمة مؤسساتنا الدينية والمذهبية، كان لها أكبر تأثير في إضعاف وحدة الشعب الاجتماعية والاقتصادية وتأخير نهضتنا القومية. وما زالت هذه الحواجز التقليدية قائمة، تُذهِب دعواتنا إلى الحرية والاستقلال صيحات ألم وتأوهات عجز. إنه لا يحسن بنا أن نعرف الداء ونتجاهل الدواء. نحن، السوريين القوميين، لا نفعل كالدجالين، الذين يدْعون إلى الاتحاد ويجهلون روابط الاتحاد، وينادون بالوحدة ولا يقصدون منها سوى غرض في النفس.
الوحدة شيء حقيقي لا وهمي، فلا تتركن الحقيقة وتتعلقن بالوهم.

المبدأ الرابع ـ إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة
هل في سورية إقطاع ونظام إقطاعي؟ لا ونعم.
لا، لأن الإقطاع غير معترف به قانونياً. ونعم لأن في سورية، في جهات متفرقة، حالة إقطاعية من الوجهتين الاقتصادية والاجتماعية. إنّ في سورية إقطاعات حقيقية تؤلف جزءاً لا يستهان به من ثروة الأمة، ولا يمكن بوجه من الوجوه حسبانها مُلكاً شخصياً، ومع ذلك فهي لا تزال وقفاً على “بكوات” إقطاعيين يتصرفون بها أو يهملونها كيفما شاؤوا، مهما كان في ذلك من الضرر للمصلحة القومية. ومنهم فئة تهمل هذه الإقطاعات وتغرق في سوء التصرف إلى حد يوقعها في عجز مالي ينتهي بتحويل الأرض إلى المصارف الأجنبية،، الرأسمالي الأجنبي، البلوتوقراطية الأجنبية. والحزب السوري القومي يعتبر أنّ وضع حد لحالة من هذا النوع تهدد السيادة القومية والوحدة الوطنية، أمر ضروري جداً.
إنّ هذه الإقطاعات كثيراً ما يكون عليها مئات وألوف من الفلاحين يعيشون عيشة زرية في حالة من الرق يرثى لها. وليست الحالة التي هم عليها غير إنسانية فحسب، بل هي منافية لسلامة الدولة بإبقائها قسماً كبيراً من الشعب العامل والمحارب في حالة مستضعفة، وخيمة العاقبة على سلامة الأمة والوطن، فضلاً عن إبقائها قسماً كبيراً من ثروة الأمة في حوزتها وفي حالة سيئة من الاستعمال. إنّ الحزب السوري القومي لا يستطيع السكوت على هذه الحالة.
أما تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج فهو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن الصحيح بين توزيع العمل وتوزيع الثروة. كل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق. وفي حالة من هذا النوع يتوجب تصنيف الإنتاج والمنتجين، بحيث يمكن ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن، وضبط نوال النصيب العادل من النتاج، وتأمين الحق في العمل والحق في نصيبه.
يضع هذا المبدأ حداً للتصرف الفردي المطلق في العمل والإنتاج، الذي يجلب أضراراً اجتماعية كبيرة، لأنه ما من عمل أو إنتاج من المجتمع إلا وهو عمل أو إنتاج مشترك أو تعاوني. فإذا تُرك للفرد الرأسمالي حرية مطلقة في التصرف بالعمل والإنتاج، فإن لا بد من وقوع إجحاف بحق العمل وكثير من العمال. إنّ ثروة الأمة العامة يجب أن تخضع لمصلحة الأمة العامة وضبط الدولة القومية. لا يمكن تنمية موارد القوة والتقدم في الدولة إلى الحد الأعلى إلا بهذا المبدأ وهذه الطريقة.
إنّ غير الملمين بالمسائل الاقتصادية لا يفرّقون بين وجود حالة إقطاعية وانتفاء قانونية الإقطاع، ولا بين إلغاء الإقطاع وإلغاء حق التملك الشخصي. فهم يخبطون في تفسير مبدأ الحزب السوري القومي الاقتصادي على غير هدى.

المبدأ الخامس ـ إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن.
إنّ تنازع موارد الحياة والتفوق بين الأمم هو عبارة عن عراك وتطاحن بين مصالح القوميات، ومصلحة الحياة لا يحميها في العراك سوى القوة، القوة بمظهريها المادي والنفسي (العقلي). والقوة النفسية، مهما بلغت من الكمال، هي أبداً محتاجة إلى القوة المادية، بل إنّ القوة المادية دليل قوة نفسية راقية. لذلك فإن الجيش وفضائل الجندية هي دعائم أساسية للدولة.
إنّ اعتمادنا في نيل حقوقنا والدفاع عن مصالحنا، على قوّتنا. نحن نستعد للثبات في تنازع البقاء والتفوق في الحياة وسيكون البقاء والتفوق نصيبنا.

غاية الحزب ووخطته
غاية الحزب السوري القومي إيجاد نهضة قومية تكفل تحقيق مبادئه وتؤدي إلى الاستقلال، والاستمرار في خدمة الأمة، والسعي لإنشاء جبهة عربية.
(المادة السادسة من الدستور. يجب الرجوع إلى النص الدستوري).
يتضح جلياً من نص هذه المادة أنّ النهضة القومية، البعث القومي، هي محور اهتمام الحزب السوري القومي. ويتضمن معنى النهضة القومية تأمين حياة الأمة ووسائل تقدمها وتجهيزها بقوة الاتحاد المتين والتعاون القومي الصحيح. فغاية الحزب بعيدة المدى عالية الأهمية لأنها لا تقتصر على معالجة شكل من الأشكال السياسية، بل تتناول القومية من أساسها واتجاه الحياة القومية. إنّ غرض الحزب هو توجيه حياة الأمة السورية نحو التقدم والفلاح، هو تحريك عناصر القومية فيها لتحطيم قوة التقاليد وتحرر الأمة من قيود الخمول والسكون إلى عقائد متهرئة وتقف سداً منيعاً ضد المطامع الأجنبية التي تهدد ملايين السوريين وكيانهم.
إنّ الحزب السوري القومي لا يبحث في كيفية هدم بعض الأشكال السياسية الداخلية كما يظن بعض الراغبين وبعض الراهبين، بل في كيفية البناء والفلاح القوميين في معترك الأمم.
إنّ الحزب السوري القومي يعتبر أشكال الحالة الراهنة الحكومية في سورية الجغرافية، أشكالاً قومية، حيث يصح هذا التعبير، يجب أن تتطور وفاقاً لتطور الفكرة والمصالح القومية. وكل ما يهمنا الآن من الحكومات الحاضرة أن لا يتضارب وجودها مع المصالح القومية الكبرى.
إنّ إنشاء جبهة عربية كان ولا يزال هدفاً من أهداف الحزب السوري القومي الكبرى. ولقد كانت هذه الفكرة تصاحبنا قبل تأسيس الحزب السوري القومي كما تصاحبنا الآن، ولم يكن إهمال ذكرها في النص الأول لغاية الحزب إلا من باب الاهتمام بالأهم والضروري المباشر أولاً، وهو النهضة السورية القومية والاستقلال القومي.
إنّ إيجاد جبهة من الأمم العربية تكون سداً ضد المطامع الأجنبية الاستعمارية وقوة يكون لها وزن كبير في إقرار المسائل السياسية الكبرى هو جزء متمم لغاية الحزب السياسية.
لقد صرّحنا ونعيد التصريح أنّ سورية هي إحدى الأمم العربية وأنها هي الأمة المؤهلة لقيادة العالم العربي، وما النهضة السورية القومية إلا البرهان القاطع على هذه الأهلية. من البديهي أنّ الأمة، التي لا عصبية لها تكفل القيام بنهضتها هي نفسها، ليست بالأمة التي يُنتظر منها أن تُنهض الأمم الأخرى وتقودها في مراقب الفلاح. إنّ القومية السورية هي الطريقة العملية الوحيدة والشرط الأول لنهضة الأمة السورية وتمكينها من الاشتغال في القضية العربية.
إنّ الذين يعتقدون أنّ الحزب السوري القومي يقول بتخلي سورية عن القضية العربية، لأنهم لا يفهمون الفرق بين النهضة السورية القومية والقضية العربية، قد ضلّوا ضلالاً بعيداً.
إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي ولكننا نريد، قبل كل شيء، أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا. يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية القيام بمهمتها الكبرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير