هل نكون مُبدعين ومُنتجين ومُتفوّقين أم نبقى مُستهلكين؟

رئيس النّدوة الثّقافيّة الأمين إدمون ملحم

شعباً بأسره يعاني من الفقر والحرمان والظّمأ والجوع والبرد والتّخلّف والتّلوّث والتّبعيّة وانتشار الأمّيّة والفوضى والفساد والرّأسماليّة المتوحّشة وسلطويّة الأنظمة القمعيّة وفقدان السّيطرة على الموارد والمصير. فهو محاصر بكمٍّ هائل من مشاكل السّياسة والبيئة والصّحّة والسّكن والمياه والغذاء والتّعليم والبطالة والبيروقراطيّة والتّهجير والذّلّ والشّقاء، وعاجز عن التّغيير في هذا الواقع المرير، لا يمتلك إلّا الطّاعة والخضوع لسلطويّة الأنظمة الأبويّة السّياسيّة والاجتماعيّة ومؤسّساتها الخاضعة بدورها لنظامٍ عالميّ تقوده الولايات المتّحدة الأميركانيّة الّتي تفرض مشيئتها على الدّول بما يفيد مصالحها وتمنع تشكيل الدّولة الحديثة في أمّتنا. لذلك ليس غريباً أن يتكوّن عند غالبيّة الشّعب شعور بالاغتراب والضّعف والانسحاب من ميدان الفعل والمسؤوليّة وعدم المقدرة والعجز الكامل عن التّأثير في الأحداث أو عن تقرير المصير وأن يزداد قبولها بالوضع الرّاهن وانغماسها في الغيبيّات وفي الفكر الخرافيّ معلّلةً هذا الانغماس بالرّبط بين الخرافة والدّين وبالتّأكيد على دعم الدّين لحقيقة الظّواهر الخرافيّة بالارتكاز إلى وجود بعض النّصوص الدّينيّة الّتي تتحدّث عن السّحر والحسد والجنّ والشّياطين وغيرها من الظّواهر.

نحن عاجزون عن وضع الحلول لمشاكلنا والسّير على طريق النّهوض والتّقدّم والتّطوّر العلميّ. وفي الوقت الّذي يواصل فيه العالم خطوات التّفوّق في ميادين التّربية والتّعليم والاقتصاد والاجتماع والاتّصالات والتّجديد التّقنيّ والتّكنولوجيّ والأبحاث العلميّة والفيزيائيّة والطّبيّة والاستكشاف الفضائيّ وغيرها من مجالات المعرفة، ما زلنا، وما زال العالم العربيّ كلّه، في أواخر السُلّم للدّول المنتجة للبحوث العلميّة، وما زلنا نضع العراقيل أمام مشاريع الحداثة والتّنوير والتّطوير، ونبتعد عن بذل الجهود في اعتماد التّخطيط السّليم القائم على أساس المعرفة الواقعية لحالة المجتمع ونرفض الانفتاح الفكريّ والأفكار النّهضويّة، لا بل نضّحي بها من أجل السّلامة الشّخصيّة أو تحقيق مصالح خصوصيّة أو من أجل الحفاظ على العادات والتّقاليد المتنافرة المستمدّة من أنظمتنا المذهبيّة والعشائريّة…

وما زلنا نعيش في تجمّعات تقليديّة عشائريّة وطائفيّة مُغلقة تمنع الانفتاح الدّيمقراطي والتّفاعل الطّبيعي بين أبناء المجتمع الواحد، وتُعرقل نشوء الانتماء الوطنيّ والشّعور القوميّ وقيام المواطَنة الصّحيحة. ما زال تفكيرنا، بشكلٍ عام، وفي كثير من جوانبه وأبعاده، تفكيراً قبائليّاً – مذهبيّاً – رجعيّاً، تفكيراً سطحيّاً – هشّاً – أجوف، يعبّرُ عن حالات الانقسامات والضّياع والاتّكاليّة والظّلام والموت…

ما زلنا نقتتل على السّماوات ونغرّد كالعصافير في أقفاصنا المُغلقة ونحتمي بمعتقلاتنا المذهبيّة والقبليّة والإثنيّة، ونسبح في عالم الغيب والتّأمّل والأحلام الطّوباويّة، ونعيش في متاهات الخرافات والقوى الخفيّة والسّحريّة والشّعوذة وقراءة الكفّ والتّنجيم والأعاجيب المثيرة، ونتخبّط في القضايا الزّائفة والمعتقدات الدّينيّة والخطابات الأصوليّة والغيبيّة والشّعارات الوهميّة والتّفكير الأوّليّ السّطحيّ، مفضّلين النّزق على المنطق، والغرائز على لغّة العقل والأقفاص بدل الأجواء الفسيحة… وما زالت المسافة تتّسع بيننا وبين العالم الغربيّ الصّاعد نحو مزيد من الارتقاء والفتوحات العلميّة، بينما نحن، ولجملة من الأسباب من بينها عدم تقديرنا للعلم والعلماء والعقول المبدعة وعدم اعترافنا بقيمة أعمالهم، ندفع بهجرة الكفاءات العلميّة والعقول المتفوّقة إلى الغرب لتساهم بتقدّمه الاقتصاديّ وبإنجازاته واختراعاته في الطّبّ والعلوم وفي كلّ المجالات ولتذوب في مجتمعاته وتنصهر فيها حيث يلاقون كلّ الدّعم والاحترام والعيش الكريم وتتأمّن لهم فرص البحث وإمكاناته والأجواء الملائمة للإنتاج والإبداع وتحقيق الذّات… وفي الوقت ذاته، نتراجع نحن في ميادين المعرفة والثّقافة الرّصينة والبحث العلميّ والبناء والنّمو والتّطوير ونسير إلى الوراء، إلى مزيد من التّخلّف والتّبعيّة والتّراجع والانحدار، عاجزينَ عن استيعاب أصحاب الكفاءات العلميّة وتأمين البيئة الملائمة لهم وعاجزين عن مواجهة العقبات والتّحدّيّات التّاريخيّة وعن السّير في مشروع نهضة حقيقيّة، بنّاءة، تنبع من داخلنا، من صميم مجتمعنا وتعمل على تجديد معالم حياتنا.

إنّ كلّ التّحديّات الدّاخليّة والخارجيّة الّتي نواجهها يجب أن تشكّل حافزاً قويّاً لنا لكي نستفيد من العلم ومناهجه ومن التّفكير العلميّ ومبادئه، ولكي نعرف أنفسنا معرفة صحيحة ونستعيد مكانتنا في قافلة العمران والارتقاء البشريّ ونكون مبدعين ومنتجين ومتفوّقين لا مجرد مستهلكين لنتاج الغير.

فهل نتّعظ ونستفيد من منهجيّة التّفكير العلميّ ونسير على أنوار الحقائق أم نبقى على ما نحن عليه سائرين إلى مزيد من التّقهقر والانحدار؟

هل نتّعظ ونعتمد العقل – الشّرع الأعلى لحلِّ مشاكلنا وللخروج من أزماتنا وحالتنا السّيّئة أم نبقى على ما نحن عليه ننتظر حصول المعجزات والحلول السّحريّة؟

نحن الآن في عصر التّراكم المعرفيّ والتّطوّر العلميّ… عصر الاكتشافات والإنجازات العلميّة والطّاقة الذّرّيّة والحقول الإلكترونيّة… عصر الثّقافة العقليّة الّتي أنهت أزمنة الجهل والسّحر والمعجزات.

منذ عشرينيّات القرن الماضي، قال أنطون سعاده الكلام التّالي:
“كلّنا يعلم أنّ زمن الـمعجزات والعجائب والـخرافات قد مضى وأصبح النّاس يسيرون على أنوار الـحقائق بعد أن كانوا يسيرون في ظلمـات الـجهل. والّذين لا يتبعون الـحقائق خاسرون لا محالة. ونحن، السّوريّون، لكي نكون من الفائزين في نهضتنا الـحديثـة، يجب علينا أن نسير بـموجب الـحقائق الرّاهنة. أمّا إذا كنّا ننتظر مسيحـاً آخراً آتياً من السّماء، أو أمّاً حنوناً آتيةً من الأرض لتمنحنا ما نريد، فثقوا بأنّنا سننتظر إلى الأبد”.

أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلّد الأوّل، “السّوريّون في عالم الاقتصاد” – الـجريدة، سان باولو، العدد 80، 1922/6/10.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى