وضعية سورية الإنترنسيونية منع رسول روزفلت من المرور بسورية


بين الرابع والسادس من هذا الشهر [فبراير/شباط] وردت برقيات عن أنقرة واستنبول معلنة أنّ الممثلين الفرنسين في أنقرة رفضوا الترخيص على جواز سفر رسول روزفلت الشخصي إلى الشرق الأدنى ليمرّ بسورية الشمالية التي تحتلها فرنسة تحت اسم الوصاية من جمعية الأمم المرحومة. فاضطر الرسول المذكور السيد دنوبن للتوجه رأساً بالطيارة إلى القدس في السادس من الجاري حيث أقام مدة قصيرة، ثم رحل إلى العراق. وقد ثبت أنّ ممثلي فرنسة في تركية رفضوا التصريح بجواز مرور السيد دنوبن بسورية بناءً على تعليمات من حكومة المارشال بتان في فيشي.
إنّ هذا الحادث الهامّ يلقي نوراً على الوضعية الغامضة من الوجهة الإنترناسيونية لسورية، لأن منع فرنسة مرسل رئيس الولايات المتحدة من المرور بسورية لا يمكن قبوله كشيء عادي، ولا بدّ من تحليله للاستنارة بالنتائج التي نصل إليها.

لا يمكن أن يعزى رفض الحكومة الفرنسية إجازة مرور رسول روزفلت بسورية إلى أي فتور في العلاقات بين فرنسة والولايات المتحدة. وفي بحثنا هذه النقطة لا نجد غير سببين يمكن أن يكون حمل أحدهما الحكومة الفرنسية على هذا التصرف أو كلاهما معاً. وهذان السببان هما: عدم رغبة الفرنسيين في إيقاف الولايات المتحدة على ما صارت إليه سورية الشمالية التي تعهدتها فرنسة «بالوصاية» وعلى الشدة العسكرية المتخذة ضد رجال النهضة السورية القومية. فهي لا تريد تقارير أميركةنية جديدة كتقرير لجنة كراين الشهيرة التي زارت سورية الشمالية بعد الحرب الماضية لتقف على رغبات السكان. والسبب الثاني هو إشارة من برلين إلى حكومة فيشي بأن الحكومة الألمانية أو الحكومتين الألمانية والإيطالية لا تكون مرتاحة إلى إجازة الحكومة الفرنسية مرور رسول روزفلت في القسم الشمالي من سورية.

فإذا كان السبب الثاني هو الذي حمل حكومة فيشي على رفض الترخيص للسيد دنوين بزيارة شمال سورية، فهو لا ينفي وجود السبب الأول. وقد تكون الحكومة الفرنسية شكرت الله على وجود السبب الثاني الذي تستر به السبب الأول، لأنه مع أنّ فرنسة مضطرة، نوعاً، في هذه الظروف، لعدم إتيان ما يغضب ألمانية، خصوصاً بعد اتفاق منتوار، فمما لا شك فيه أنّ وجود ممثل الرئيس روزفلت في شمال سورية يمكّنه من الاتصال برجال الحركة السورية القومية وإعادة علاقات قديمة بين مطالب سورية القومية وسياسة الولايات المتحدة. وهذا ما لا ترغب فيه السياسة الفرنسية الضيقة، التي فضّلت دائماً أن ترى سورية تنتقل قسماً بعد قسم من تحت نيرها إلى تحت نير غيرها على أن تراها أمة موحدة ناهضة كدولة يمكن أن يصير لها شأن في العلاقات الإنترنسيونية. وهذا أيضاً ما لا ترغب فيه سياسة دولتي المحور التي تريد إقصاء كل سياسة أخرى غير سياستهما عن سورية.

ولا مشاحة في أنّ فرنسة لا تريد التنازل عن امبراطوريتها، وأنها تمنّي نفسها بالبقاء في القسم الشمالي أو في القسم الجبلي ــــ البحري المتوسط من سورية ــــ لبنان. وقد يكون اتفاق منتوار بين هتلر والمارشال بتان أغرى الفرنسيين بهذه الآمال. وليس من باب إذاعة الأسرار القول إنّ عدداً من المفكرين الفرنسيين يعتقدون بإمكان إقناع ألمانية بأن الاتفاق مع فرنسة على السياسة الاستعمارية هو خير من الاتفاق مع إيطالية. وقد تكون إنكسارات إيطالية الأخيرة قوّت هذا الاعتقاد عند الذاهبين هذا المذهب من الفرنسيين. ولكن المسألة بين ألمانية وفرنسة ليست، أو لم تعد، مسألة السياسة الاستعمارية، بل مسألة من نوع آخر تتعلق بالسياسة الأوروبية وبالسياسة الاقتصادية الأوروبية. وما دامت فرنسة قد سقطت، فسواء أكانت أسباب سقوطها حربية أم سياسية أم اجتماعية، فمركزها السياسي والحربي الحاضر أضعف كثيراً من مركز إيطالية التي لم تسقط، مع كل انكساراتها في الخارج. إنّ فرنسة اليوم تحت رحمة الجيش الألماني وقد ألقت سلاحها. وهذه الوضعية لا تسمح للفرنسيين بالغلوّ في أمانيهم.

وفيما نحن نبحث وضعية سورية الإنترناسيونية على ضوء موقف الحكومة الفرنسية الأخير يجب ألا نغفل الاهتمام الكبير بمسألة النفط السوري الذي تبذله الدبلوماسية الألمانية في سورية والعراق. وقد نشرنا في العدد السابق خبر وصول الناموس المختص بشؤون الشرق الأدنى في وزارة خارجية ألمانية إلى سورية. فبينما إيطالية عاجزة عن تنفيذ منهاجها السياسي في البحر المتوسط لا تقف ألمانية لتنتظر حليفتها. فهي تعمل الآن ما بوسعها وتزاحم بريطانية العظمى على بناء جامع إسلامي في برلين كجامع لندن لتكتسب مودة المسلمين في سورية والعراق، ولإبقاء السوريين والعراقيين منصرفين إلى الشؤون الدينية، بدلاً من الشؤون القومية، لأن الاستعمار الأجنبي وجد أقوى أسلحته في النعرات الدينية.

ومما لا شك فيه أنّ الحكومة الألمانية أخذت علماً بفحوى الخطاب الذي ألقاه زعيم الحركة السورية القومية في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1938 في نادي همبلط في برلين، أثناء مروره بألمانية وهو في طريقه إلى المهاجر السورية، وصرح فيه أنّ انتشار المبادىء والنظريات السورية القومية في العراق، ونشوء الحزب العراقي القومي على مثال الحزب السوري القومي، سيسمحان بالتعاون السياسي الاقتصادي بين سورية والعراق، وبانتهاج سياسة عمرانية تقضي في المستقبل على جدب الفلاة الممتدة بين البلادين، وتحوّل البيئتين إلى بيئة اجتماعية واحدة تمكن من النظر، في المستقبل، في إنشاء ما سماه الزعيم «سوراقية». ولا ننسى أنّ العراق كان أكثر من مرة جزءاً من الإدارة السورية. فقد كان هكذا كل مدة العهد السلوقي وكل مدة العهد الأموي.

وقد اهتمت الدوائر الألمانية السياسية لهذه النظرية السورية القومية. ولكن يظهر أنها فضلت سلوك السياسة التي سلكتها قبلها بريطانية العظمى وفرنسة. وهي سياسة الالتجاء إلى النعرات الدينية، وتنفيذ سياستها على أساس التودد إلى المسلمين. فالسياسة الأجنبية ذات المصالح في سورية، سواء أكانت بريطانية أم ألمانية، تسير على خطة واحدة:
الاتفاق مع بعض «المشتغلين بالسياسة» من الطراز السوري العتيق على بعض أمور ترضي أولئك «السياسيين». ثم التظاهر بالغيرة على المسلمين والدين الإسلامي لتعطي أولئك «المشتغلين بالسياسة» وسيلة يجذبون بها العامة.
أما إيطالية فتلعب، في هذا الصدد، دورين إذ بينما يعلن موسوليني أنه يريد أن يحمي الإسلام والمسلمين تتفق وزارة الخارجية الإيطالية مع غبطة البطريرك الماروني ويوسف السودا على سلك سياسة إيطالية مسيحية تحل محل السياسة الفرنسية المسيحية.

وخلاصة القول إنّ وضعية سورية، من الوجهة الإنترناسيونية، لا تزال غامضة. ومن الوجهة الداخلية لا يوجد موقف سوري واضح غير موقف الحزب السوري القومي المعبّر عن حقيقة مصالح الشعب السوري وحقوقه.

الزوبعة، بوينس آيرس،
العدد 14، 15/2/1941

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير