الباطل سلاح العاجز

تناولنا في المقالين السابقين أهم قول حاول رشيد سليم الخوري أن يطعن به سراً الزعيم، محاولاً أن يلصق به تهمة الهرب من الوطن والتخلي عن رفقائه. وإذا كان لا بد من قول كلمة ختامية للبحث المتقدم فليس أجدر من الإشارة إلى أنه لا يمكن رشيد الخوري، ولا بوجه من الوجوه، أن ينفي أنه هو قد تخلى عن وطنه منذ زمان وأنه كان أبعد الناس عن الجهاد في سبيل عزّه، ومن أكثرهم عملاً على إذلاله.


وإذا كان يوجد سياسيون سوريون هربوا من حومة الجهاد هرباً فعلياً لا شك فيه، فهم السياسيون الذين يريد رشيد الخوري أن يجعل الإيمان بهم شرطاً للإيمان بسعاده!


ننتقل في هذه المقالة إلى تناول الأقوال الأخرى التي أوردها الخوري في معرض الطعن بسعاده، من غير أن نقف طويلاً عندها ليتسنى لنا إعطاء وقت أكثر للبحث الرئيسي المقصود من هذه السلسلة.


يقول الخوري: «إذا كان سعاده لا يؤمن بأعمال الأحزاب السورية الأخرى ورجالها، فنحن أيضاً لا نؤمن بأعماله» وهو قول لا يدل، بسذاجته، إلا على قصر مدارك قائله.


جعل الخوري الإيمان برجال الأحزاب السورية الذين أوصلوا الشعب السوري، بشعوذاتهم، إلى حضيض الفقر والعجز شرطاً للإيمان بسعاده وأعماله، ولكن الخوري لا يقيم دليلاً واحداً على السبب الموجب لهذا الشرط، فضلاً عن أنه لا يبين لنا من هم الرجال الذين يعنيهم، فإذا كان يعني رجال «الكتلة الوطنية» المرحومة فأين هم هؤلاء الرجال الذين ادعوا، ليخدعوا الشعب، أنهم لن ينفكوا عن محاربة فرنسة حتى ولو لم يبقَ من خلاف بينهم وبينها إلا على عقال؟!.


هؤلاء الرجال هم في طليعة السياسيين الدهاقنة الذين هربوا وتخلوا عن مسؤولياتهم في ساعة الشدة، وألقوا سلاحهم أمام الأجنبي المحتل ورموا بما ادعوا أنه قضية يعملون لها إلى الأرض.

وإذا كان يعني غيرهم فليذكرهم لنا بأسمائهم وليبين لنا ما وضعوا من مبادىءوقواعد وما قدموا به من أعمال غير تحريض الغوغاء المتعصب على القلاقل وبلبلة الحالة، ليستطيعوا أن يقولوا إنهم ذوو تأثير وشأن.


العميان، فضلاً عن المبصرين، يدركون أنه لو كان لسعاده شي من الثقة بهذه الطبقة السياسية التي تحسب نفسها فوق الشعب وتتخذه وسيلة لقضاء لباناتها لما كان وجد حاجة به لإنشاء الحزب السوري القومي، وشق طريق جديدة تسير عليها الأمة السورية نحو المستوى اللائق بها، بل لكان تبع رجال الطبقة المذكورة وانخرط في إحدى الشركات السياسية التي أنشؤوها للمضاربة في المساومة والبيع والشراء.


أليس مجرد إنشاء الحزب السوري القومي على أساسه القومي المتين دليلاً كافياً على أن سعاده قد رفس برجله كل ركام البضاعة السياسية التي جمعها أولئك المشعوذون، وجميع العقاقير وقشور البطيخ التي وضعوها عند سرير الأمة المريضة يجرعونها منها السموم المخدرة والقاتلة، مدّعين أنها أدوية ناجعة لجميع الأمراض والأوصاب، فكيف يعقل أن يعود باعث النهضة السورية القومية إلى التأمين على تدجيل أولئك الدجالين والقول بحسن علاجهم وصواب طرقهم؟


إن عقلاً سخيفاً؟ عاجزاً كعقل رشيد سليم الخوري، فقط يجيز مثل القول الواهي الذي أراد أن يطعن به الزعيم في ناحية منيعة من نواحي تفكيره وعمله.


لا نتناول بكثير ولا بقليل امتعاض رشيد سليم الخوري من الاستحسان الذي لاقاه إهداء الأديب القومي الكبير جبران مسوح كتابه (القاموس الحزين) إلى الزعيم.


كذلك لا نقف كثيراً عند قوله: «من أين للقوميين هذا المال الكثير؟» فقد علّقنا على هذا القول في الحلقة الأولى من هذه السلسلة بهذه العبارة: إن الخوري لم يبين مقدار ما سماه «المال الكثير» ولم يكلف نفسه سؤال دائرة التحقيق في سان باولو، حيث أوقف الزعيم، عن مصدر «المال الكثير»!


إن تهمة تسلّم «مال كثير» هي آخر تهمة يمكن أن يلجأ منافق إلى محاولة إلصاقها بالحزب السوري القومي. فإن متتبع تاريخ جهاد الحزب السوري القومي منذ أول نشأته إلى اليوم يجد أن قلة المال كانت أكبر صعوبة واجهها الحزب، وتغلب عليها بتضحيات عظيمة، ولو كان للقوميين «مال كثير» كما يدّعي، باطلاً، رشيد الخوري، لكان الموقف تغير من زمان، من جميع الوجوه، وأكبر برهان على أنه ليس للقوميين «مال كثير» يبذرونه هو أن رشيد الخوري قام يعاديهم ويطعن في زعيمهم بعد أن كان مدحه في مقالة أظهر فيها مناقب الزعيم ومؤهلاته الفكرية والشخصية لإبداع النهضة السورية القومية!!.


ما تبقى من أقوال رشيد الخوري لا يمكن أن يوصف بأكثر من أنه حجة لجأ إليها اللئام، ولا علاقة لها البتة بشأن الحزب السوري القومي، وواضح فيها كل الوضوح الاختلاق بقصد الطعن في شخصية الزعيم كقوله: «وماذا تنتظر من رجل كان يضرب أباه؟» وهو يعني به الزعيم، فماضي أنطون سعاده ماضٍ ناصع كله تضحية في سبيل راحة أبيه وإخوته الصغار الذين كان أباً لهم حين كانوا بعيدين عن أبيهم، وكان ساعد أبيه الأيمن في إنشاء وإدارة (الجريدة) و(المجلة). وجميع المقربين إلى المغفور له العلامة الدكتور خليل سعاده يعلمون أنه توفي قرير العين لوثوقه بأن ابنه أنطون سيحقق ما كان يتوق لرؤياه وما بذل هو كل حياته، عملياً، في سبيل إرضاء نفسه الطموحة به.


ولولا انحطاط مثالبي عظيم في نفس رشيد الخوري لما سولت له رمي الزعيم بمثل هذا الاختلاق الذي يعرف الخوري نفسه بطلانه، وهو الذي كان يزور الدكتور سعاده وابنه أنطون في منزله وفي إدارة (الجريدة). وكان يرى الوئام والتعاون بينهما، وهو اختلاق لا تسول نفس لها مقدار حبة خردل من نبالة الأخلاق لصاحبه إتيانه، من أجل شفاء حزازة صدر أو نيل فائدة مادية. وهذا صحيح، حتى ولو كان المقصود الطعن فيه غريباً وغير ذي تاريخ جهادي عظيم ومقام قومي أعلى في صميم الشعب، فكيف والمقصود الطعن فيه له هذا التاريخ وهذه المنزلة والطاعن يقول إنه صديقه؟!.


ولو كان سعاده كما يرميه رشيد الخوري فكيف يكتب له الخوري بلهجة الصديق الحميم، ويطلعه على ما لا يطلع غير الأصدقاء الشرفاء على مثله من شؤون حياته الخصوصية، كما يقول له في جوابه على كتاب الزعيم إليه المنشور القسم العمومي منه في عرض مقالة سابقة (الصفحة 45 أعلاه)؟
الباطل سلاح العاجز وكيد يرتد في نحر الكائد، وساء مصير المنافقين.
هاني بعل

،سورية الجديدة، سان باولو

العدد109، 19/4/1941

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير