البناء الثّقافيّ أساس النّهضة

رئيس النّدوة الثقافيّة الأمين إدمون ملحم


تشكِّلُ الثّقافة في أعمال الحركة القوميّة الاجتماعيّة شأناً عظيماً لما لها من وظائف وغايات. فهي، بالدّرجة الأولى، شأن اجتماعيّ حضاريّ وعمل عقليّ راقٍ يُحقّق يقظة الشّعب ونهضته ويخدم المجتمع وتقدّمه من خلال الانكباب على أوضاعه ومشكلاته، ومن خلال كشف حقائقه وإظهار قيمه الجميلة ومثله العليا. وغاية الثّقافة هي إحياء المناقب واستئصال المثالب ومحاربة الفساد والجهل المتفشّي والتّفكير الانحطاطيّ والارتقاء بالفكر والمجتمع وصولاً إلى حياة أفضل وأجمل. ويمكن توظيف الثّقافة في خدمة الأهداف والمطامح النّبيلة كالتّربية والتّنوير والعلاج وتصحيح الانحراف وتوجيه السّلوك الإنسانيّ وترسيخ الفضائل وتنشئة الأجيال وتهذيب النّفوس وترقية المجتمع والسّعي لإقامة الحياة الجميلة. لذلك يقول سعاده إن “قصد الثّقافة أو التّربية هو دائماً تقويم الاعوجاج وتوجيه قوى الحياة نحو الأفضل”.
ومنذ تأسيس الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ بدأت حرب العقائد الكبرى في الأمّة، حرب بين عقيدة قوميّة جديدة بتعاليمها وغايتها السّامية وبين عقائد زائفة قديمة بأساليبها وأفكارها الرّجعيّة وأغراضها الخصوصيّة المنحطّة. وفي هذه الحرب، الّتي ستقرّر المصير القوميّ كلّه، برزت قضيّة الثّقافة وأهمّيّتها واعتُبرت القضيّة الأولى الّتي تواجه العقيدة القوميّة الاجتماعيّة. والسّبب يكمن في أهميّة الثّقافة ودورها لحسم الحرب العقائديّة – الصّراع المميت بين تاريخ حديث وتواريخ دخيلة مستمرّة – بين نفسيّة فتيّة أصيلة ونفسيّات شائخة انحطاطيّة – بين مبادئ الحياة الجديدة ومبادئ الحياة الجامدة… لذلك قال سعاده: “إنّ حرب العقائد الّتي أعلنّاها نحن حين أعلنّا تعاليمنا السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة تتطلّب منّا جعل قضيّة الثّقافة في مقدّمة القضايا الّتي يجب أنّ نوليها اهتماماً خاصّاً، وأن نخطّط لها الخطط ونرتّب الصّفوف”.

ومنذ البداية بدأ سعاده الاهتمام بقضيّة الثّقافة، فأنشأ لها المؤسّسات الخاصّة ووضع لها المناهج والقوانين وأصدر التّعليمات إلى المسؤولين في المغتربات لإيلائها أهمّيّة استثنائيّة و”تعميم إنشاء الجمعيّات السّوريّة الثّقافيّة في جميع المهاجر القوميّة… وإنشاء مجلّة ثقافيّة جامعة تنشر المحاضرات والأبحاث والأخبار الثّقافيّة الّتي تصدر عن هذه الجمعيّات”. ويوضح سعاده أنّه لم يقصد من إنشاء الجمعيّات “مجرّد ستر الحركة ووقايتها، بل تنشيط العمل التّثقيفيّ الّذي هو في أساس جميع أعمالنا الأخرى” . وسعاده لم يترك مناسبة إلّا وشدّد فيها على أهمّيّة الثّقافة لأنّها تشكِّلُ “ناحية أساسيّة من نواحي عملنا” وشرطاً ضروريّاً لعمل مؤسّسات الحزب الجديدة وحيويّتها. وقال “إنّ معركة التّثقيف لا تزال في بدئها، إنّها جبهة من جبهات حرب العقائد الكبرى. إنّها حربنا المقدّسة…” .
وقبل سفره، أنشأ سعاده في خريف سنة 1937 “النّدوة الثّقافيّة” “للأبحاث الثّقافيّة ولنقل الفكر من السّطحيّات ومسائل الإدراك العاديّ إلى الأساسيّات وقضايا العقل العلميّ والفلسفيّ” . وفي قانون النّدوة، يشرح سعاده الغاية من “النّدوة الثّقافيّة” بالنّص التّالي: “التّعمّق في درس التّعاليم القوميّة الاجتماعيّة المتضمّنة في المبادئ والشّروح التّعليميّة، والتّمكن منها وإيضاح المبادئ والقيم والقواعد القوميّة الاجتماعيّة، والقضيّة النّاشئة عنها والنّظرة إلى الحياة والكون والفنّ الحاصلة منها، والمسائل والقضايا الّتي تعالجها وموقف الحركة القوميّة الاجتماعيّة منها، وبعث التّراث السّوريّ الفكريّ، والإنتاج الدّراسيّ والأدبيّ والفنيّ على هذه الخطط، إحياءً للقيم الجديدة وتحقيقاً للثّقافة السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة المشتملة عليها” .
وبعد عودته من المغترب القسريّ أعاد سعاده العمل بالنّدوة الثّقافية بعدما وجد أنّ “انتشار الحركة القوميّة الاجتماعيّة، في السّنوات الأخيرة، كان مجرّد انتشار أفقيّ، سطحيّ، يعرّضها بقاؤها عليه للميعان والتّفسّخ والتّفكّك” .

ويمكن القول أنّ هذه “النّدوة الثّقافيّة” التي أنشأها سعاده هي بمثابة تأسيس لمركز استراتيجيّ للأبحاث والدّراسات يتفوّق بقانونه ووضوح غايته على أهمّ مراكز الأبحاث الاستراتيجيّة العالميّة. لقد حرص سعاده على توفير البيئة الملائمة التي تنبت فيها المعرفة اليقينية وحثَّ الأوساط الثّقافيّة على اكتساب معرفة عميقة وراسخة وغنيّة بمحتواها وعلى تنمية التّراكم المعرفيّ واتّباع منهجيّة البحث العلميّ وطرق التّفكير المنظوميّ systemic thinking لتوليد المعرفة الحقّة وللتعمّق بفهم أهداف الحركة والقضايا التي تواجهها. لقد سبق سعاده عصرنا الحاليّ المعروف بعصر المعرفة أو مجتمع “المعرفة” بتأكيده على أهمّيّة المعرفة وضرورتها للتقدم والارتقاء وباعتماده شعاراً ينصّ على أنّ “المجتمع معرفة والمعرفة قوّة”.
وفي المحاضرة الأولى من محاضراته العشر، شدّد سعاده على حضور “النّدوة الثّقافيّة” التي صنّفها في “صدر وسائل الاطلاع والمعرفة الصّحيحة” ، وقال: “أمّا الحضور إلى النّدوة فيجب أنّ يُعتبر، خصوصاً في الأوساط الثّقافيّة، واجباً أوليّاً أساسيّاً في العمل للحركة القوميّة الاجتماعيّة، لأنّه إذا لم نفهم أهداف الحركة وأسسها والقضايا والمسائل التي تواجهها، لم نكن قادرين على فعل شيء في سبيل الحركة والعقيدة والغاية التي اجتمعنا لتحقيقها. فالمعرفة والفهم هما الضّرورة الأساسيّة الأولى للعمل الذي نسعى إلى تحقيقه” .
وفهْمُ أهداف الحركة وأسسها لا يعني حفظ نصوص مبادئ الحزب وتردادها كما يفعل بعض الحرفيّين المتحجّرين، بل يعني دراسة هذه المبادئ، التي تشكِّل “قواعد انطلاق الفكر” ، والمسائل التي تواجهها ودراسة القضيّة التي تتكوّن منها “بكامل أجزائها وفروعها وما تتكشّف عنه من مناقب وأهداف سامية وما تتعرّض له في سيرها من مثالب في الحياة” . وهذه القضيّة تستوجب إقامة النّدوات والمحاضرات والأبحاث الفلسفيّة والتّاريخيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والنّفسيّة، وتحتاج كما يقول سعاده، “إلى دراسة منظّمة متسلسلة لا تجمعها محاضرة واحدة أو كتاب بل هي تستمرّ، ويستمرّ الفكر يتغذّى منها ويتفتّح على شؤون العالم مطلقاً، ويظلّ مجتمعنا يجد في هذا التّفتح وهذا الاستمرار مراقي إلى ذروة الحياة الجيّدة التي تليق بالإنسان الرّاقي ويليق الإنسان الراقي بها” .

في الخطاب الذي ألقاه في توكومان عام 1943 بمناسبة مرور أحد عشر عاماً على نشوء النّهضة السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة، عبَّرَ سعاده أمام رفقائه عن عظيم سروره لأنّهم حقّقوا “بسرعة مشروع فرع الجمعيّة السّوريّة الثّقافيّة للاهتمام بالأمور الثّقافيّة التي يحتاج إليها مجموعنا.” وقال: “هم لم ينشئوا هذه الجمعية للاهتمام بالمعلومات الكماليّة، بل أنشؤوها لتثقيف أنفسهم في الوعي القوميّ والمبادئ القوميّة الاجتماعيّة التي هي أساس كلّ ثقافة”. وأضاف: “نحن بحاجة إلى تثقيف نفوسنا بالتّعاليم القوميّة الاجتماعيّة التي تصيّرنا أمّة واحدة حيّة قبل حاجتنا إلى محاضرات طائشة، مبعثرة في التّاريخ والأدب والفلك والهلك والفنون الجميلة. لا فائدة لنا من جميع العلوم والفنون، إذا لم يكن لنا غرض موحّد في الحياة. الثّقافة القوميّة الاجتماعيّة هي أساس كل ثقافة”.
واليوم، وفي ظلّ ما تتعرّض له أمّتنا من حرب على وجودها وهيمنة على ثرواتها وحكوماتها، ما أحوجنا إلى الثّقافة القوميّة الاجتماعيّة الأصيلة التي تراهن على إرادة الحياة في شعبنا وعلى النّفوس المؤمنة والواثقة بقدراتها وبما يختزن فيها من خير وحقّ وجمال وإبداع.
ما أحوجنا اليوم إلى الثّقافة القوميّة الاجتماعيّة في مواجهة غزو ثقافيّ وفكريّ وإعلاميّ هو أخطر بكثير من الغزو العسكريّ لأنّ غايته هي احتلال العقول وإحداث الهزيمة في نفوسنا وبالتّالي إحداث تغييرات فكريّة وذهنيّة تجعل من شعبنا مستسلماً للإرادتين الدّوليّة والصّهيونيّة وراضخاً لمشيئتهما… ومواجهةً للتطبيع الذي يطّلُ برأسه في كل السّاحات والميادين وللغزو الثّقافيّ والإعلاميّ الذي يشوّه الحقائق والذي تتمثّل آثاره السّيئة بالتّبعيّة والتّغريب وبتخريب ثقافتنا وتهشيم شخصيّتنا وتشويه صور حياتنا وقيمنا، من واجبنا أنّ نكون في صلب معركة المصير القوميّ ضدّ أعداء الأمّة والوطن، معركة الدّفاع عن وجود الأمّة وسيادتها وهويّتها القوميّة الحضاريّة وتراثها الثّقافيّ الغنيّ بالمآثر والإنجازات والمواهب الطبيعيّة… ولكن هل نستطيع مواجهة عدوّنا الثّقافيّ- الوجوديّ المتسلّح بالعلم والتّكنولوجيا ومراكز البحوث المتقدّمة من دون رؤية واضحة وخطّة هجوميّة تعتمد قواعد التّفكير العلميّ والعمليّ والثّقافة القوميّة التي تحرِّك الوجدان القوميّ وتنمّي روح الرّفض في شعبنا لمفاهيم “السّلم الإسرائيليّ”؟

هل نستطيع المواجهة من دون التّعبئة الفكريّة الواسعة والإنتاج المعرفيّ والعلميّ وبذل الجهود البحثيّة والثّقافيّة بكلّ أشكالها من قبل الأدباء والمفكّرين والباحثين والمثقّفين والفنّانين والطّلبة لتأهيل المجتمع بثقافة عصريّة جادّة وموحِّدة تمكّنه من التّصدي والمواجهة لكلّ المعضلات والتّحدّيات الحضاريّة والإنسانيّة ومن تحقيق النّصر في معركة الوجود والتّحرّر والبناء وتثبيت الهويّة القوميّة؟
في ظلّ أوضاعنا المتردّية والتي نشهد فيها استفحال النّزعة الفرديّة الرّعناء والعصبيّات الطّائفيّة والمصالح الخصوصيّة والفئويّات والمماحكات والنّزاعات وإلى ما هنالك من أمراض تفتك بمجتمعنا، لا يسعنا إلّا التّمسك بعقيدتنا القوميّة الاجتماعيّة والانكباب على دراستها والسّعي لتعميمها في أوساط الشّعب لأنّها وحدها عقيدة الإنقاذ المعطّلة لكلّ الانقسامات والفئويّات والعصبيّات والجامعة للشّعب.
فتعالوا لننتج الثّقافة القوميّة الصّحيحة التي تفجّر الطّاقة الخلّاقة في مجتمعنا وتؤهّله وتعدّه لمواجهة الأخطار بخطّة نظاميّة عقلانيّة تحيي حقيقتنا التّاريخيّة وتراثنا الإبداعيّ وتعمل لوحدة المجتمع ورقيّه…
تعالوا نحمل المبادئ القوميّة الاجتماعيّة المعبِّرة عن حقيقة الأمّة ومقاصدها ونقدّمها للشّعب كعقيدة إنقاذ ووعي قوميّ صحيح ونعمل على تحقيق غايتها فنثبت للعالم أنّ أمّتنا لا مكان لها في قبر التّاريخ…
تعالوا نعمل على إيقاظ فكرة الأمّة وبناء النّفوس بناءً جديداً في المناقب الجديدة… نبني الإنسان الجديد في فكره وقلبه ووجدانه، الإنسان الممتلئ بالفضائل الجميلة والمتسلّح بالعلم والمعرفة والتّفكير النّقديّ والوجدان القوميّ… تعالوا ننمّي وعيه بحقيقته الاجتماعيّة والإنسانيّة وبحرّيّته وكرامته… تعالوا نعمل على إغناء شخصيّته وتنوير مواهبه وإمكاناته وتحفيزه على النّهوض من التّردي والانحطاط وحياة الذّلّ والعبوديّة والخنوع ليحيَ حياة العزّ والشّرف والانتصار.
نحن قادرون أنّ نُثبت للعالم أنّ في نفوسنا استعداداً للتطوّر والإبداع والإشعاع من خلال ما نتمتّع به من مواهب طبيعيّة ومن خلال ما في أمّتنا من طاقات هائلة وما يكمن في نفسيّتها من علم وفنّ وفلسفة وجمال… فأمّتنا هي أمّة الثّقافة والعمران، أمّة التّاريخ الحافل بالخير والنّور والعطاء الحضاريّ، أمّة العلوم والأبجديّات والمعارف والشّرائع والفلسفات الإنسانيّة والأديان السّماويّة، أمّة النّوابغ والعبقريّات الخّلاّقة ومشاعل الفكر والأدب والنّهضة والحريّة والسّلام.

إنّ قضيّتنا القوميّة بأشدّ الحاجة في هذه المرحلة إلى الأدباء والمفكّرين والمثقّفين والطّلاّب وكلّ المؤمنين والغيورين على مصلحة الأمّة والوطن. إنّ الواجب القوميّ يدعونا جميعاً لنصرة قضيّتنا المقدّسة التي تعاقدنا من أجلها لنقف معاً وننتصر معاً. إنّي أكاد أسمع صوت سعاده العظيم ينادينا قائلاً: “إنّنا ننبّه المثقّفين منّا إلى صوت الواجب. إنّنا ننادي النّفوس النّبيلة الشّريفة لتتقدّم إلى الأمام فيرى العالم وجه سورية الحقيقيّ النّبيل”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى