الفلسفة الاجتماعية معنى الأمة وصفتها 1

الأمة جماعة من البشر حَيُوا ولا يزالون يحيون حياة واحدة في بلاد واحدة.

نظرة عامة: في المحاضرة التي ألقيناها في حفلة «العروة الوثقى» في الجامعة الأميركية ونشرناها في جزء المجلة الأول من هذا المجلد عرضنا في كلامنا على «مبادىء أساسية في التربية القومية» لمعنى الأمة ومثَّلنا هذا المعنى بصورة ضيقة لم يسمح لنا المجال وحدُّ الموضوع بالتوسع فيها. ولمّا كانت مسألة الأمة والقومية من المسائل الجديدة في حياة الشرق الأدنى الفكرية وفي حياة الأمة السورية على الخصوص، رأينا أن نبحث بحثاً مستقلاً وافياً في معنى الأمة المستمد من تركيبها المادي وحياتها الروحية وفي صفتها التي هي نتيجة تفاعل مادية الأمة وروحيتها.
يرى القارىء أننا قد صدّرنا هذه المقالة بتعريف شامل للأمة وهو تعريف لم نقرره إلا بعد دروس وتأملات تحتوي على مواضيع صعبة وقضايا خطيرة سنعرض لها فيما يلي من هذا البحث، لكي يشترك معنا المطالع في استقراء الأسباب التي حملتنا على وضع هذا التعريف، مخالفين فيه الكثير من الآراء الشائعة في محيطنا عن معنى الأمة المستند إلى نظريات غير علمية. وسيرى القارىء أيضاً أنّ التعريف الذي نتقدم به إليه ليس التعريف الوحيد في هذا الباب، بل هنالك تعاريف فرعية قال بها جمهور العلماء الاجتماعيين مما سنعرض لبعضه:

الأساس المادي و البناء الروحي: الأمة أساس مادي يقوم عليه بناء روحي . فكل أمة يجب أن تكون مؤلفة من مادة بشرية هي الأجسام المتسلسلة من بعض العناصر، ومادة طبيعية هي المحيط بجغرافيته وجوّه وحدوده وكنوزه الطبيعية. وعلى هاتين المادتين الأساسيتين يقوم بناء الأمة الروحي الذي يميّزها عن غيرها من الأمم. ولقد ظن بعض العلماء المتقدمين وعامة الناس، أنّ الأمم تتميز بعضها عن بعض بعناصرها أو سلالاتها والصحة في هذا القول ضعيفة، لأن العناصر نفسها هي التي تتباين بسلالاتها، أما الأمم فلا تتميز إلا بروحياتها وحياتها وتقاليدها الاجتماعية التي هي نتيجة العمل العقلي ومجرى الفكر. أما صفة الأمة فمستمدة بالأكثر من الأهلين ونوع أعمالهم. فللسكان الذين يقطنون قطراً واحداً ويحيون فيه حياة الأمم المستقلة بعمرانها واجتماعها وجهان: اعتبارهم بحسب كثرتهم وازدحامهم أو قلّتهم وتفرقهم، وبحسب نوع المهنة التي يمتهنونها. وأهمية الوجهة الثانية تبدو لنا من الحقيقة التي ترينا أنّ مجموع وطنيــي قطر ما يختلف في الكثافة والرقة تبعاً لنوع العمل الذي يعملونه، فمعدل الكثافة للسكان الذين يتعاطون رعاية الماشية وتربيتها ليس كمعدل السكان الذين يعملون في الزراعة، ومعدل هؤلاء ليس كمعدل أهل الصناعة من الازدحام والكثرة.

وأما البناء الروحي فهو، على أنه غير منفصل عن الأساس المادي، نتيجة تفاعل عقول أبناء الأمة الواحدة وتمكنهم من إظهار رابطة عقلية تربطهم في الشرائع والقوانين والتقاليد الاجتماعية واللغة والأدب والتربية، فالشرائع والقوانين توجد رابطة ا لنظام السياسي والشرعي التي تنظم العمل الاجتماعي وتمثّل مجموعة عامة من الأفكار المقررة الوحدة الاجتماعية. والتقاليد الاجتماعية مظهر هذه الوحدة. واللغة أو بالحريّ الأدب المكتوب، يُظهر لنا مقدار شعور الأمة بالجمال واقترابها من الحقيقة وهو، في نفس الوقت، يؤثّر على الأمة ويساعد على تنمية الاستعداد الفطري وتكوين الخلق القومي. والتربية نظام عام يمرِّن عقول أعضاء الأمة الواحدة ويوحدها والغرض منها أن لا تقتصر على تغذية الذكاء بمقدار كافٍ من الأفكار، بل أن تحضّ الأخلاق على طلب مثل عليا مشتركة. إذاً فالشرائع والقوانين والتقاليد الاجتماعية واللغة والأدب والتربية هي البناء الروحي الذي تشيّده الأمة على الأساس المادي المؤلف من بعض العناصر البشرية والإقليم ومزاياه. وإننا لنكتفي بما تقدم تمهيداً لبحثنا في علاقة كل قسم من الأقسام المتقدمة بمعنى الأمة:

الأمة والعنصر: نرى من مطالعة ما كتب في صحافتنا وكتبنا في المسألة القومية أنّ الكثيرين ممن تصدوا لمعالجة هذا الموضوع لم يكونوا على بيّنة علمية عصرية في ما كتبوا فوقعوا في أغلاط أفسدت على الأمة رأيها من ذلك أنهم أساؤوا فهم معنى العنصر، وجعلوا العنصر أو السلالة (Race) والأمة شيئاً واحداً، وظنوا أنّ التاريخ هو المرجع الوحيد لمعرفة «أصل» الأمة «ونسبها» فعوّلوا على مروياته أكثر كثيراً مما يجب. وقد يكونون استمدوا استنتاجاتهم في ردّ الأمة إلى «أصلها» من النظرية العتيقة القائلة: العائلة تنشىء العشيرة والعشيرة تولد القبيلة والقبيلة توجد الأمة والدولة. والحقيقة أنّ هذه النظرية فاسدة من أساسها، لأن الأمم المعروفة في العالم كله لا يمكن ردّ كل منها إلى قبيلة معروفة.

الأمة ليست عنصراً من العناصر البشرية ولا مجموعة عنصرية واحدة. وا لحقيقة التي لا جدال فيها هي أنّ كل أمة مؤلفة من مجموعات عنصرية متنوعة، أي أنها مزيج من سلالات بشرية مختلفة. وقد ظن كتّابنا الذين لا يزالون يتابعون علماء العصر الغابر وما قبله أنّ مسألة سلامة السلالة هي أفعل عامل في حفظ قوام الأمم، فحذوا هنا حذو أهل الغرب الذين تباروا زمناً في المباهاة بالسلالة «الأنغلوسكسونية» و«السلالة الجرمانية» و«السلالة الفرعية الفرنسية»، الخ. أما علماء العصر الحاضر فيسخرون بمثل هذه المباهاة الباطلة، ونشير بصورة خصوصية إلى هــ.ج. ولز وأمثاله. وليس من العبث أن يسخر العلماء العصريون بالمباهاة المشار إليها لأنهم اطَّلعوا على نتيجة أبحاث علماء طبائع البشر وعلماء السلائل البشرية وعلماء الحياة وعلماء الحيوان الذين حصروا الفوارق السلالية في الصفات الطبيعية فقط. فالسلالة أمر واقع فيزيائي تثبته دلائل فيزيائية من حيث القامة والشكل واللون. فإذا اعترفنا بهذه الحقيقة الحيوانية (الزولوجية) وجب علينا أن نعترف أنّ كل أمة تضم سلالات مختلفة منها سلالة المستطيلي الرؤوس ومنها سلالة المستديري الرؤوس. وذوو الرؤوس المستطيلة ينقسمون إلى سلالتين: الواحدة تشتمل على القامات الطويلة واللون الأبيض والثانية تشتمل على القامات القصيرة واللون الأسمر. ولا تخلو أمة من الأمم من بقايا عناصر عبرت إليها وخلّفت فيها ممثليها. وإذا أخذنا فرنسة مثلاً لما نقول، وجدنا أنّ الأمة الفرنسية أكثر الأمم اتحاداً وتلاؤماً، ومع ذلك فهي من أكثر الأمم اختلاطاً في عناصرها. ولا عبرة بما يقوله بعض العلماء ومن جملتهم مكدوغل إنّ امتزاج عناصر الأمة الواحدة بعضها ببعض قد يولد مع الزمن «سلالة فرعية» جديدة غنية بتنوع مزاياها المستمدة من عناصرها المتنوعة. وقد ردّ باركر المذكور آنفاً، على هذا القول الواهي بالزعم المدعوم بالواقع أنّ السلالة ليست إلا حقيقة فيزيائية متميزة بدلائل فيزيائية، ولسنا نجد في الفرنسيين من الدلائل الفيزيائية ما يجعلهم سلالة فرعية متميزة عن الإنكليز. بل إننا، على العكس من ذلك، نجد أنّ في فرنسة وإنكلترة سلالات مختلفة باقية على أشكالها، ولو افترضنا أنه يمكن إزالة الفوارق السلالية بواسطة مزج السلالات المختلفة بعضها ببعض فإن ما تقتضيه هذه العملية من الوقت لأكثر كثيراً من الوقت الذي مرَّ على تكوّن الأمم الأوروبية. لذلك يترتب علينا أن نزيل من أذهاننا فكرة الوحدة الفيزيائية للأمة. والذي أجمع عليه جمهور العلماء أنّ وحدة الأمة العنصرية أمر خيالي لا يجوز قبوله علمياً. فالأمة إذاً ليست وحدة فيزيائية دموية بل وحدة تقليدية عقلية. وبين الأمة والسلالة هوة عميقة جداً، إذ السلالة شكل فيزيائي عام أما الأمة فليست كذلك، بل هي اقتناع عقلي عام. السلالة حقيقة طبيعية وجدت قبل التاريخ، أما الأمة فشيء تكوّن مع مرور الزمن وعمل على تكوّنه فكر وشعور وإرادة العقول البشرية فهي مركّب اصطناعي. نقول: «اصطناعي» ليس لنقلل من أهمية كيانها بل لأنها شيء روحي والشيء الروحي ليس حقيقة بعينها كائنة في الدم، بل هو ما يحصل تدريجاً بمرور الزمن وبذل الجهد. ومهما روى لنا الرواة عن وحدة الدم وأصله فحقيقة الأمة تبقى في «روحها» في أفكارها العامة وشعورها العام، لا في أشكال جماجمها ولا في أنواع دمائها.

قال رينان «الأمة مبدأ روحي أوجده شيئان: الواحد في الزمن الحاضر الثاني في الزمن الغابر؛ الواحد في الاحتفاظ بمجموعة ذكريات غنية والآخر وجود شعور بالاتفاق هو الرغبة في الحياة معاً، هو إرادة الاستمرار على جعل الإرث المتصل بالقوم وحدة فعّالة لا تتجزأ». ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أنّ المعنى اللغوي للفظة «أمة» العربية لا يفيد الالتباس العنصري الذي يفيده معنى لفظة «ناسيون» المأخوذة من اللفظة اللاتينية Natio التي معناها «المولود» أو «الولادة» أو النسل، فمعنى لفظة «الأمة» في القاموس هو الجماعة من الناس بقطع النظر عن الولادة والنسل ومصطحباتهما.

أنطون سعاده
المجلة، بيروت 
المجلد 8، العدد 3، 1/5/1933

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير