استقلال لبنان منقوص وطريق الحريّة طويل وشاق

77 عاماً على إعلان استقلال لبنان، والزمن واقفٌ عند سؤال أنطون سعاده: أي استقلال حقّقه الكيان؟ فكيف يكون استقلالٌ وسيادة، والنّظام الطائفي الذي أوجدته قوى الخارج في 1920 من رحم «سايكس ــ بيكو»، قد أنتج، بعد 100 سنة، انهياراً شاملاً في الإدارة والاقتصاد والاجتماع والبيئة والصّحة والثقافة، وسبّب التّعاسة والفقر للبنانيين وسمح لتحالف المصارف والتّجار الفاسدين بسرقة مدّخراتهم؟

إن الاستقلال الذي يُعيد إنتاج النّظام الفاسد والحرب الداخلية، ويعطي لقوى الانتداب القديم دور المفوّض السامي، ويترك البلاد ملعباً للصراع بين الخليج وتركيا على حساب اللبنانيين، هو استقلال منقوص ومشوبٌ بغير عاهةٍ وعيب. كيف تتساكن السيادة مع التدّخلات الأميركية السافرة، ومحاولات السيطرة على ما بقي من مؤسسات الدولة، وبعضهم في الداخل يهلّل لهذا التدخّل ويعوّل على العقوبات والحصار؟

أي استقلال ولبنان ممنوع عن أن يتكامل مع امتداده القومي من دمشق إلى بغداد بما يسمح له بالفكاك من الهيمنة الغربية والتكامل في مواجهة الحصار؟ بدل أن يبقى سوقاً للبضائع المستوردة ولأنماط التفكير الاستهلاكي، حتى بارت الأراضي وفُقِدَت الحِرَف وغابت الصناعات وشبكات المواصلات وسكك الحديد، وأخيراً تدمّر المرفأ وشُلَّ المطار.وفيما يَعَمُّ الجوع والخراب، ينتهك العدو الإسرائيلي تراب لبنان وسماءه وبحره، ويضع نصب عينيه السيطرة على موارد الغاز والنّفط ويسعى إلى تفكيك لبنان ليجد مشروعية للدولة اليهودية على أرض فلسطين، ومُدَّعو «السيادة» يطالبون بتنازل لبنان عن مكمن قوّته بسلاح المقاومة ويفخّخون معادلة «الجيش والشعب والمقا_ومة» مهرولين لجرّ لبنان إلى التطبيع والتفاوض مع العدوّ.السيادة والاستقلال لا يتحقّقان والشعب تتقاذفه تبعيّات الطائفيّة والمناطقية والعشائرية وتصيبه الأمراض الاجتماعية من غير أن يسعى إلى الخلاص وسماع صرخات التوحيد والمواطنة، بينما يخسر شبابه باليأس والهجرة.لقد قدّم الحزب السوري القومي الاجتماعي شهيد الاستقلال الوحيد البطل سعيد فخرالدين الذي واجه الاحتلال الفرنسي في بشامون في 16 تشرين الثاني 1943، ومن بعده «شهيد العلم» حسن عبدالساتر الذي أنزل العلم الفرنسي عن قبّة البرلمان ورفع العلم اللبناني في 28 نيسان 1944. لكن النّظام الطائفي عاد وانقضّ على سعاده في 8 تمّوز 1949، ليصير الشهيد الأوّل ضدّ مؤامرة تحالف الطوائف والقوى الخارجية على حساب الشعب، ولا يزال تحالف الطوائف يقف اليوم عائقاً أمام أي أملٍ بالتقدم والتغيير.

أيّها اللبنانيون، إن طريق استقلالكم الحقيقي طويل وشاق ولا يمرّ إلّا عبر المواطنة القائمة على روح المساواة في الحقوق والواجبات واحترام النّظام العادل وامتلاك القوّة الحكيمة. فلا يكفي الخروج من «القواويش» إلى باحة السجن وضمن أسواره التي يقف عليها السّجانون وهم دائماً منكم في الغالب. بل إن أولى خطوات الحريّة هي بناء نظام جديد في انتخابات نيابية على أساس لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي، ومواجهة التدخّلات الخارجية وأدواتها في الداخل، وليس فقط الالتفاف حول سلاح المقاومة، بل لتصبح المقا_ومة نهجاً وحياة شاملةً في مواجهة عدوّ الخارج والتصدّي للفساد في الداخل.

عمدة الإعلام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير