اللُّغةُ قعدت حينَ قعدنا


ناظر الإذاعة والإعلام في منفّذيّة حاصبيّا الرّفيق جهاد الشّوفي

…كتبَ حضرةُ الزَّعيم إلى الأمينةِ الأولى: “اجتهدي في لُغتِكِ الأصليّةِ (العربيّةِ)، لأنَّها ستكونُ أساسَ لُغتِكِ في المستقبل”.

…ممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ اللّغةَ هي القالبُ العملانيُّ الّذي تُصاغُ فيهِ الأفكارُ، والآراءُ، وهي القالبُ الصُّحِيُّ السَّليمُ للتعبيرِ عنِ الوجدانِ، وبواعثِ النَّفسِ الكامنةِ مهما تعدَّدتِ الاتجاهاتُ فيها، والمقاصِدُ منها…

…و”لُغتنا العربيّةُ” كما وصلت إلينا، لم تكنْ منزّهةً وبعيدةً عن عشراتِ اللُّغاتِ واللَّهجاتِ الّتي كانت سائدةً في بلادنا، كالآراميّة، والسريانيّة، والأشوريّة وغيرها… ونحنُ الآنَ نتعاملُ مع هذهِ اللُّغةِ بما استقرّت عليها حالُها الآنَ، ولا غنى لنا عنها، وكلُّ كلام يدفعُ للتبرءِ منها هو كلامٌ باهتٌ من النَّاحيةِ العِلميّةِ، أو الثَّقافيّةِ أو القوميّةِ، وصحيحٌ أنَّ “سعاده”، لم يجعلِ اللَّغةَ رابطاً أساسياً من هيئةِ الأمّةِ ومفهومِها، ولكنّنا الآنَ إزاءَ لُغةٍ، حضنت ثقافتنا والكثيرَ الكثيرَ منْ مُدوناتِنا، وفيها سكبنَا فكرَنا وهمّنا وعِلمنا، وباتت لنا المرجِعَ الّذي نؤوبُ إليهِ للتَّعبير عن نفسيّتنا، وأخلاقنا، ومفاهيمنا، فـ “اللغةُ هي واقِعٌ اجتماعيٌّ، لمجتمعٍ إنسانيٍّ وأرضيٍّ…”

…اللّغة العربيـّةُ الآنَ في محنةٍ حقيقيّة وتقرع طبول الخطر، وليس صحيحاً ما يُقالُ: “اللُّغةُ لا تموتُ”، فاللُّغة تموتُ حينَ يتوقّفُ النَّاطقونَ بها عن التَّحدّثِ بها، وتتوقّفُ عندهم إمكانيّةَ الخلقِ والإبداعِ والنّتاج الفكريّ والسِّياسي والثَّقافي، فاللّغةُ تترجِمُ ما في النُّفوس، فحينَ يهونُ شعبٌ ويفترُ ويُقصّر عن مواكبةِ العلمِ والتَّقدمِ، وخلقِ “الجديد”، فطبيعيٌّ إذًا أنّ تواكِبَ اللُّغةُ هذا التّدهور والانحدار…

…الدَّارسونَ يعرفونَ جيّداً بأنَّ اللُّغةَ العربيةَ، تتوافر فيها خصائص توليديّة واشتقاقيّة وتركيبيّة قادرة على أنّ تتعهّدها بالنّماء الأبدي، والتّكاثر الطبيعيّ الحضاريّ، فهذا في خاصيّةِ طبعها، يُضافُ إلى ذلكَ ما رُفِدت بِهِ من لغاتِ بلادنا، وهنا نستقرىءُ عبقريّتها، وقدرتها…

…ونحنُ نسألُ الآنَ، لماذا تعيشُ لُغتُنا عُسرَ التَّنفّسِ؟ لماذا تتنحّى لُغتنا، عن مدارجِ الإنسانيّةِ والحضارةِ، وتتقدّمُ لُغاتٌ أخرى، في التّواصلِ والحوار والمعلوماتيّةِ! تفرضُ اللُّغةُ نفسَها حينَ يتقدّمُ النَّاطقونَ بها في مجالاتِ الصِّناعةِ على أنواعِها والتّكنولوجيا والزّراعة والتِّجارة والسِّياسةِ، فأينَ نحنُ والعرب مجتمعينَ منْ كلِّ هذا التّطوّرِ والتَّقدّمِ؟

…لقد قعدتِ اللُّغةُ حينَ قعدنا! فبلادنا المُشظّاةُ بينَ حروبٍ، واحتلالاتٍ، واقتتالاتٍ طائفيّةٍ، وتقسيم، وفسادٍ وغلاء، وتُعاني بأغلبِها فقراً وعوزاً، تتراجعُ في كلِّ شيءٍ، بينما ينصرفُ “القادرون منّا”، إلى أمورٍ لا ترفعُ من شأننا، ولا تُعزِّزُ وجودنا، ولا تستبِتُّ تاريخنا، فكيفَ لنا أنّ نُعاتِبَ اللُّغةَ ونحنُ نسوقُها إلى المِحنةِ! لقد انحازتْ لُغتنا إلى الصّمتِ، وهي شاهدٌ حيٌّ على تقهقرِنا، و”تخلُّفِنا” وهواننا…

ويا للأسف فإنّنا ندفعُ بها، إلى كلِّ ما هو موروثٍ من أخبارِ العربِ البائدةِ، وإلى تنميقاتِ شعرِ الغزلِ، و”الخطاباتِ السِّياسيّة”… ولأنَّ اللّغةُ تحيا بأهلِها، سكتت حينَ سكتنَا، وانزوت حينَ انزوينا، وهي الشَّاهدُ علينا نحنُ “المُتطفّلينَ على حضارة الآخرينَ…”

…لا يُمكنُ التَّقدمُ بلغتنا، التّي باتت منكودةً شِبهَ مهجورةٍ، ما لم نتقدّمَ نحنُ أنفسنا، ونُطلِقُ أنفسنا في مضمارِ الحضارةِ والزَّمن. وفي ظلِّ الوضعِ السِّياسيّ والاجتماعيّ الّذي يعصِفُ ببلادنا، والحربُ الكونيّة الّتي تُمارس علينا، سنجِدُ صعوبةً في تعزيزِ دورِ لُغتنا، ولأنّنا حزبٌ نهضويّ لا يقبلُ مهادنةً ولا استكانةً، وندفعُ من دمنا ضريبةَ انتماءٍ ووجود، وعلينا واجبُ حمايةِ أهلنا وبلادنا، اقترحُ أنْ نبدأَ، بتوحيد مُصطلحاتٍ خاصّةٍ لها علاقة بالوطن، الشُّهداء، الجمال، الخير، الحقّ، السّعادة، التّـضحية، الدّفاع، التّـعاون، المحبّة، الجنود، المواطنون، السّلطة.

…يُحزنني من ذهبَ إلى القول: أوكي بدل طيّب، كنسلت بدل ألغيت، وفرمتّ بدل أعدتُّ تنظيم، ودوبلت بدل ضاعفت، ومبرمج بدل مخطّط له، وشنّصت معي بدل حالفني الحظّ، وفنّشوني بدل فُـصِلت، وأكّست بدل ألغيت، وسيّفت بدل حفظت، وبكّتّ بدل غلّفت.

…نحنُ بحاجّةٍ ماسّةٍ إلى بعثِ الحيويّةِ بلغتِنا، وإلى عقلنةِ هذهِ اللُّغةِ بما يتناسبُ مع أفكارِنا ومبادئنا، إذا كنّا فعلاً راغبينَ في تعزيزِ قوى الخيرِ والحقِّ والجمالِ، وفي نفسيّتنا ما يختزِنُ ذلكَ كُلّهُ، وليس علينا سوى السَّعي لتحقيقِ غاياتِنا النَّبيلةِ…

…كنتُ تلميذاً ثُمَّ صرتُ مُدرّساً للغةِ العربيّة، وكدتُ أكرهها لكثرةِ ما قرأتُ أكلَ زيد التّفاحة…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى