حديث الزعيم إلى مجلة العاصفة


دخلت عليه في غرفته القائمة في الصف الثالث من بناية شاهقة في قلب بيروت، يشغل الحزب منها الشقة بكاملها، فهناك المكاتب المتعددة، والدواوين المختلفة، والوجوه الطافحة بنور الشباب والحياة. وقد يتخيل إلى الزائر لأول وهلة أنّ هنالك داراً حكومية منظمة أحسن تنظيم، والأصح دائرة عسكرية رئيسية شعارها الطاعة والنظام والتفاني. وقد أدهشني وأنا الغريب عن الحزب السوري القومي وأركانه أن ألمس لمس اليد سرعة انتشار هذا الحزب البالغ عدد المنتمين إليه ما يزيد على اثنين وعشرين ألفاً في جميع أنحاء سورية.

وكان الزعيم الأستاذ أنطون سعاده جالساً إلى مكتبه وحوله رهط من المساعدين الأمناء، وكلهم من خيرة الشبيبة المثقفة الراقية. ويختلف الزعيم عن مساعديه بحدة نظراته وكبر رأسه، فتدلّك نظراته الحادة على ذكاء نادر يعترف له بالزعامة والتفوق.

والأستاذ سعاده في مستهل العقد الثالث من عمره رَبْعُ القامة، أسود العينين، أسمر اللون، ذو ابتسامة خلابة ندر أن فارقت ثغره، قليل الكلام، كثير التفكير، سريع الحركة، فاستقبلني عند دخولي بلطف وإيناس، وكنت وإياه على موعد سابق سهّله أديب من الأصدقاء، فسالته حديثاً لجريدة العاصفة فلم يتردد بل أجاب عن أسئلتي بصراحة نشكره عليها:

قلنا: ما شجعك على القيام بحركة حزبية في بلاد لا تشجع على حركات كهذه؟

قال: شجعني على ذلك أنّ البلاد بلادي والقوم قومي، ومسألة إصلاح حال هذا الشعب وتقدمه تهمّني وتشغل أوقاتي، ومتى انتصرت الحركة التي نقوم بها اتسع المجال لقطف ثمارها.

قلنا: أيلوح لك أنّ نجاح هذه الحركة طابق المأمول؟

فأجاب: هو بقدر ما كنت أتوقع، بل أكثر قليلاً، فالأمة برهنت أنّ عناصر الحياة فيها قوية فلا يخشى عليها من الاضمحلال، أقول ذلك لأني اختبرت الأمر بنفسي، مما شجعني على المضي في حركتي حتى النهاية!

قلنا: كيف كان شعورك لدى دخولك السجن في المرتين الأولى والثانية، وما الفرق بينهما؟

قال: دخلت السجن في المرة الأولى شاعراً أنّ القضية التي أعمل لها في الخفاء أصبحت قضية علنية سيراها الشعب في أقوى صورها وأجمل مظاهرها، ودخلت السجن في المرة الثانية شاعراً أنّ الحزب السوري القومي يجتاز المحنة التي لا بدّ لكل حزب مثله أن يجتازها، ويمكنني القول إنه اجتازها بسلام!

قلنا: أتلاحظون كما يلاحظ سواكم تطوراً في الرأي العام تجاه حزبكم؟

أجاب: نعم، نلاحظ أنّ الرأي العام أخذ يفهم أهداف الحزب السوري القومي الحقيقية بعد أن وضح اختلاق الإشاعات حوله وتجلت مبادئه القومية العادلة!

قلنا: ما هو موقف السوريين في المهجر من حزبكم؟

قال: إنّ السوريين المهاجرين أكثر أهلية لتقدير هذه النهضة القومية الصحيحة، وإنا نعدّهم من القوى العاملة في الأمة السورية.

قلنا: ما رأيك في النهضة اللبنانية الحديثة، هل تطول؟

قال: الحقيقة أنّ هناك فورة لبنانية غير منظمة التفكير وغير منظمة العمل، ولا أقدِّر أنّ هذه الفورة تطول لأن الحاجة الاقتصادية والعامل الاقتصادي يحددان مدى الأعمال التي لا تنطبق على شروط الحياة.

وسألنا أيضاً: هل قرر الحزب السوري القومي دخول الانتخابات النيابية في لبنان، وعلى أي اساس؟

فأجاب: لم نقرر ذلك حتى الآن، فالمسألة لا تزال تحت النظر.

قلنا: ما رأيكم في مستقبل سورية ولبنان الاقتصادي والسياسي بعد المعاهدتين؟

قال: إنّ المعاهدتين لم تغيّرا تغييراً كبيراً الكيان اللبناني والسوري بالنسبة إلى الموقف العالمي. ولولا النهضة السورية القومية، التي يعمل لها الآن الألوف من الشباب المنتشرين في طول سورية الجغرافية وعرضها، لكنت من أشد المتشائمين بمصيرنا!

قلنا: ما رأيكم في تسوية قضية الإسكندرونة بين الحكومتين التركية والفرنسية وما هو موقف الحزب السوري القومي منها؟

قال: إنّ موقف الحزب السوري القومي من قضية الإسكندرونة لا يزال عند المستوى الذي أوضحه الحزب في المذكرة التي رفعها إلى عصبة الأمم بواسطة دار الانتداب، وفي الكتاب الذي أرسلته إلى المفوض السامي معرباً عن استعداد السوريين القوميين للدفاع عن اللواء والاحتفاظ به مهما كلف الأمر. أما التسوية الأخيرة بين الحكومتين الفرنسية والتركية فهي تسوية عرجاء ليس الثبات مضموناً لها!

أنطون سعاده
العاصفة، بيروت
السنة 6، العدد 96، 5/2/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير