خطاب الزعيم في خونين 31/1/1943

»متى انتصرت الحركة السورية القومية الاجتماعية فسيُدعى المغتربون إلى وطنهم ليحيوا فيه مكرّمين معززين متمتعين بخيراته الكثيرة وإقليمه الجميل.
وإني أؤكد لكم أنّ الذين لم يصيبوا نجاحاً في المغترب ولا يمكنهم دفع أجرة سفرهم سيعودون إلى وطنهم في بواخر سورية يخفق عليها علم سورية وبعناية بحارة سوريين يحسنون معاملتهم ويحفظون كرامتهم».

(ذكرنا في وصف رحلة الزعيم إلى خونين وكوردبة أنّ الزعيم ألقى خطاباً في المدينة الأولى في اجتماع القوميين الاجتماعيين العام. وإننا نحاول هنا أن نعيد إعطاء بعض فقراته وتركيب أهم معانيه.

افتتح الزعيم خطابه مثنياً على الروحية الجيدة التي تحققها في رفقاء خونين وعلى حميتهم. وصوّر أهمية ذلك الاجتماع الصغير الكبير بقوة عقيدته، العظيم بعلو معنوياته، قال):
»إنّ الأمم الكبيرة لم تكن كبيرة في الأصل، بل كبرت باعتناقها المبادىء الصحيحة التي تفتح أمامها سبل التقدم والارتقاء والفلاح. إنّ أمماً كبيرة كإنكلترا وألمانية وفرنسة وغيرها لم تكن بهذا الكبر من قبل. ولم تبلغ إنكلترا أن تكون، مع إقليم وايلس، نحو أربعين مليوناً من النفوس إلا بعملها بالمبادىء القومية الصحيحة التي مكّنتها من الصعود من درجة أمة صغيرة لا تزيد على ستة ملايين إلى مرتبة أمة عظيمة تبلغ نحو أربعين مليوناً عدا عن ملحقاتها ومستعمراتها.
»كما ارتفعت أمم من درجة الصغر إلى مرتبة الكبر بتوخيها العقيدة الصالحة لكيانها. كذلك هبطت أمم من مرتبة الكبر إلى درك الصغر بعدولها عن عقائدها الصحيحة إلى عقائد غير صالحة لكيانها وتقدمها.

»نحن، السوريين، كنا في الماضي أمة كبيرة، عظيمة وبسطنا سلطاننا وسؤددنا على ثلاثة أرباع المنطقة التي كان لها شأن تاريخي في العالم المعروف، وكان لأساطيلنا البحرية من الصولة والقوة ما لأساطيل بريطانية وأميركانية اليوم، وما بلغنا ذلك السؤدد إلا بقوة مبادىء الحياة التي تفوّقنا بها على غيرنا في معترك الحياة والارتقاء.
ثم تطرّق فساد النظرة إلى الحياة إلى بعض أجهزتنا ومؤسساتنا، فلم نتمكن من الثبات ضد الجماعات التي كانت في فوران نهضاتها.
ثم سقطنا تحت مطارق الفتوحات البربرية المتعددة. فتفكك نظامنا وعمّت فينا الفوضى وشاعت فينا المذاهب الفاسدة والنظرات الغريبة عن مصالحنا فصرنا أمة صغيرة بعد أن كنا أمة كبيرة عظيمة.

»كانت سقطتنا عظيمة على قدر عظمة البناء الذي شيدناه واتساع السؤدد الذي أقمناه، حين كان البحر المتوسط كله تحت سيطرة أساطيلنا وحين كانت إفريقيا وشبه جزيرة إيبريا حيث إسبانية والبرتغال اليوم، مستعمرة لنا، وحين كانت آسيا الصغرى من جملة أملاكنا».

(واستطرد الزعيم، مبيناً إمكانية استعادة ذلك السؤدد وتلك العظمة، مبرهناً أنّ العظمة الماضية هي حجة كافية لقابلية تفوّق شعبنا وسبقه.
أما الحجة القاطعة على إمكان تحقيق أملنا بإنشاء عظمة وسؤدد جديدين فهي «في قيام نهضتنا القومية الاجتماعية على عقيدة صحيحة، عظيمة، متينة.
ومنذ الآن يمكننا أن نقول إننا قد أصبحنا في عداد الأمم العظيمة بمبادئها، العظيمة بنهضاتها، العظيمة بالمستقبل العظيم الذي يفتحه لها إيمانها».

ثم أخذ الزعيم يشرح كيف أنّ النهضة القومية الاجتماعية تأست في اجتماعات أصغر كثيراً من الاجتماع الذي تكلم فيه في خونين، وقال إنّ أهمية هذه النهضة العظيمة كانت في قوة مبادئها وليس في عدد الذين حضروا اجتماعاتها الأولى).

»الأمم بمبادئها أولاً ثم بضخامتها (هكذا استطرد الزعيم) ولما كانت مبادىء نهضتنا أصح المبادىء الصالحة لحياتنا وارتقائنا وأفضلها لبناء المجتمعات الصحيحة في العالم، فلنا إيمان لا يتزعزع، بأننا سنغدو أمة عظيمة بضخامتها، كما أننا أمة عظيمة بمبادئها».

(شدد الزعيم على السامعين أن لا يحتقروا الاجتماعات القليلة العدد، وأن يهتموا للأساس العقائدي الذي فيه سر النمو والقوة. «متى كانت العقيدة صحيحة، فاالاجتماعات الصغيرة لا تلبث أن تصير اجتماعات كبيرة إذا صحت العزائم» وتطرق الزعيم إلى حضّ القوميين الاجتماعيين في المغترب على العمل المتواصل، موضحاً أنّ المغتربين يمكنهم أن يقوموا بنصيب كبير من عمل إنهاض أمتهم وأنّ عمل المغتربين يمكن أن يكون معنوياً وأن يكون مادياً.

ثم أشار إلى بعض إمكانيات العمل المعنوي من حيث إفهام الشعوب الأميركية حقيقة نهضتنا ومزايا شعبنا وكيف هُضمت حقوقنا وكيف نطالب بها، ومن حيث إقناع جميع السوريين المغتربين، بوجوب درس النهضة القومية الاجتماعية وفهمها وتأييدها بالقول والمناصرة المادية، لأن مبادئها هي الوحيدة الصالحة لإنقاذ سورية وشق طريق الحياة والتفوق أمامها. وقال الزعيم في هذا الصدد):
«إنّ المغتربين هم جزء من الأمة السورية وقوة من قواها. فإذا اتحدوا في الحركة السورية القومية الاجتماعية أمكنهم أن يفعلوا أفعالاً باهرة».
(وعطف الزعيم على هذا القول مذكّراً أنّ هذه الإمكانيات السورية في المغترب هي التي جعلته يصمّم على زيارة المهاجر السورية بنفسه ليحمل الدعوة القومية الاجتماعية إلى المغتربين وليجعل لهم نصيباً في فخر العمل القومي الاجتماعي وفي إنهاض أمتهم.

أبدى الزعيم أسفه لحالة عدد كبير من السوريين المغتربين السيئة الذين يقاسون شظف العيش، فضلاً عن مرارة فراق الوطن والأهل، وعما يتعرضون له في أوساط مغتربهم من سوء الفهم وظلم التحكم.
فاغرورقت عيون بعض السامعين بالدموع، تجاه هذه الحقيقة القاسية التي أظهرها الزعيم وأعلن أنها ليست خافية عليه وأنه لا يغفلها، ثم قال):
»متى انتصرت الحركة السورية القومية الاجتماعية فسيدعى المغتربون إلى وطنهم ليحيوا فيه مكرّمين، معززين، متمتعين بخيراته الكثيرة وإقليمه الجميل. وإني أؤكد لكم أنّ الذين لم يصيبوا نجاحاً في المغترب ولا يمكنهم دفع أجرة سفرهم سيعودون إلى وطنهم في بواخر سورية يخفق عليها علم سورية وبعناية بحارة سوريين يحسنون معاملتهم ويحفظون كرامتهم».

(تكلم الزعيم في الاجتماع المذكور نحو ساعة ونصف. وقوطع خطابه مرات كثيرة بالهتاف والتصفيق والدعاء بحياته.

وكأن التقادير شاءت أن يكون خطاب الزعيم في خونين جواب سورية السالف على خطاب رئيس الوزارة البريطانية السيد تشرشل، الذي ألقاه في لندن في الحادي والعشرين من مارس/أذار الماضي وحدّد فيه حقوق الأمم «الصغيرة» في النمو ضمن العالم الجديد، الذي في عُرفه يجب أن ينتج عن الحرب الحاضرة، ويكون مرؤوساً من متحد أمم بريطانية وروسية السوفياتية وأميركانية.

فالزعيم ألقى خطابه في الحادي والثلاثين من شهر يناير/كانون الثاني الماضي، أي بما يزيد على شهر وعشرين يوماً قبل خطاب تشرشل فكأن الزعيم رأى ما يخبئه المستقبل من النظريات الخطرة على أسباب نمو بعض الأمم التي هي «صغيرة» الآن بحكم بعض حوادث التاريخ الماضية وليس بحكم وضعها الطبيعي وقابليتها للنمو.

ويمكن أن يُعدّ خطاب الزعيم جواباً أيضاً على مقالة أعدّها رئيس «معهد حقوق الشعوب» في برلين الدكتور هانس كلر، ووزعتها القيادة العليا الألمانية في سنة 1941، على ما ورد في خبر «الأسوشياتد برس» صادر عن برلين في 6 سبتمبر/أيلول من السنة المذكورة. والنقطة الهامّة في هذا الصدد الواردة في مقالة العالِم الألماني المذكور، التي يجيب عليها خطاب الزعيم هي قوله:
«إنّ جوهر الدولة هو القوة (يعني القوة الفعلية في الحال وليس القوة الكامنة التي يمكن أن تظهر في الوقت الموافق). فإما أن يكون للدولة قوة وإما أن لا يكون لها قوة. فإذا لم يكن لها قوة فإنها لتعزية قليلة أن يكون لها الحق في أن يكون لها قوة».

من هذه المقابلة المختصرة ندرك أهمية خطاب الزعيم في 31 يناير/كانون الثاني الماضي الذي يحتل مركزه ليس فقط في الدفاع عن حق سورية، بل في تعيين موقف سورية القومية الاجتماعية في قضية من أهم القضايا العالمية التي هي الآن على بساط البحث).

أنطون سعاده
الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 61، 15/6/1943

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير