خيانة اللّغة

عميد التّنمية المحلّيّة والشّؤون الانتخابيّة والبلديّة الرّفيق مكرم غصوب

في ذلك اليوم من الأمس البعيد، القريب جدّاً من الذّاكرة، لم أجلب معي “الخوري” و”الشّيخ” كما طلب ممازحاً أستاذ المادّة الّتي كانت تدرّس للمرّة الأولى في بلادنا، ولم أطلب من أمّي أن تضيء شمعة لتمثال أخرس، ولم أتنكّب المراجع كما فعل بقيّة الطلاّب، فقط دخلت غرفة الامتحان في الذّكاء الاصطناعيّ وبيدي قلمين، أنا الّذي لم يكن يخشى من الخيانات إلاّ خيانة الحبر… السّؤال كان واحداً “بأيّ لغة تفكّر؟” وأنا كنت وحيد إجابتي “بأيّة لغة فكّر من خلق اللّغة؟” قلت كلمتي ومشيت… ظننت حينها أنّني تركت لغتي ورائي، بأنّني سبقتها بفكري، لأنّ كما يقال “الفكر يسبق اللّغة”، بأنّني خنتها مرّةً جديدة.

تلك الّتي أعشقها عميقاً، خنتها مراراً منذ الطّفولة، بعد أن فُضّت بكارتي اللّغوية حين اغتصبتني مدرستي بلغة المحتلّ يوم كانت تمنعنا من التكلّم بلغتنا القوميّة تحت طائلة “القصاص”، وبعدها، ولأنّي كنت أسير السّائد القائل بتناقض العقل والعاطفة، ساقتني الاختصاصات العلميّة إليها بلغات أجنبيّة، وفي كلّ خيانة كنت أعزّي نفسي قائلاً “نخون لنكون أوفياء! نخون لنكون أحراراً…”.

حتّى أتى اليوم الّذي حاصرني فيه شبح العدم في آخر زوايا الحياة، وضع سكينه المسنون على وريدي وسألني: “أتؤمن الآن بي؟ في البداية أخرسني، خانتني كلّ اللّغات الغريبة عن شعوري القوميّ، قبل أن تظهر أمامي وفيّةً لغة انتمائي فاتحةً باب السّؤال الإجابة “أتؤمن بوجودي؟”… ومن يومها أقول له بلغة اعتزازي القوميّ “حين تزور بيتي، لن تطرق باباً، فأنا يا عدمي أسكن الأبواب”…

تحرّرت من السّائد حين فهمت أنّ العلاقة بين اللّغة والوجود تشبه العلاقة الحقيقيّة بين العاطفة والعقل، تلك العلاقة الدّائريّة التّفاعليّة الّتي يُخلق فيها المعنى بالتّعبير عنه حيث تكون الغاية وسيلة.

حينها أدركت أنّ اللّغة لا تموت إنّما علاقتها مع الوجود، فقرّرت أن أبحث عن لغتي في التّاريخ، فوجدتها في أبجديّة القوم الّذين نقلوا اللّغة من الصّورة إلى الأبجديّة، كانوا الرّوّاد في إذاعة ونشر الحروف الهجائيّة في العالم مؤسّسين لأعظم انعطافٍ في التّاريخ. فمن الصّوريّة إلى الرّمزيّة إلى التّجريد إلى الدّلالة وآليّات الاشتقاق، إذا كان للسّومريّين فضلٌ على الحضارة الإنسانيّة في نشأة الكتابة المسماريّة، فللكنعانيّين الفضل الأكبر لأنّهم ارتقوا في فنّ الكتابة من الإشارة إلى العبارة ومن التّجسيد إلى التّجريد. ولأن “أنسنة” الأشياء فعل ارتقاء، قرّرت أن أخلق لهذه النّبرات الصّوتيّة الّتي لا معنى لها بحدّ ذاتها، المعاني والدّلالات كونها إبنة الوجدان الممتد عميقاً في التّاريخ، فصارت بالنّسبة لي:

أ، ألف الأمّة الّتي لا تنحني.

ب، باء البدء الّذي ليس له انتهاء.

ج، جيم الجسد والجمال.

د، دال الدّليل والدّلالة.

هـ، هاء الهيام والحبّ.

و، واو الوجود الواجب.

ز، زين الزّوبعة الفاعلة المجدّدة.

ح، حاء الحقّ والحياة والحرّيّة.

ط، طاء الطّريق المحدّد الاتّجاه.

ي، ياء اليراع.

ك، كاف الكرامة.

ل، لام اللّقاء والتّلاقي.

م، ميم المجتمع والمجتمع معرفة والمعرفة قوّة لكنّها مسؤوليّة إنسانيّة أيضاً.

ن، نون الـ “نحن” المتحرّرة من النّزعات الفرديّة بالنّظام الأخلاقيّ.

س، سين السّؤال والفلسفة والسّيادة.

ع، عين العقل والعاطفة والعلاقة التّفاعليّة الدّائريّة.

ف، فاء الفكر والفضيلة والفداء.

ص، صاد الصّمود والمقاومة.

ق، قاف القوّة والقضيّة.

ر، راء الرّوح المحلّقة.

ش، شين الشّعب الثّائر.

ت، تاء التّاريخ العظيم.

ث، ثاء الثّابت ولا ثابت إلّا المتطوّر.

خ، خاء الخيال الخلق المتجدّد الّذي به ننتصر على الصّعوبات.

ذ، ذال الذّكاء الوراثيّ والتّفاعليّ.

ض، ضاد الضّحك والفرح.

ظ، ظاء الظّفر والانتصار.

غ، غين الغياب الجماعيّ وصناعة الحضارة.

وليس أجمل من موسيقى هذه النّبرات الصّوتيّة المحمّلة المعاني، حين تتعلّق ببعضها للتّعبير والتّواصل، كأنّها مع تلك الحركات المخفّفة سمفونيّة بلا آلات موسيقيّة. أمّا السّكون فموضوع آخر، صفر اللّغة وثقبها الأسود! هذه الدّائرة الفلسفيّة الّتي غيّرت مفهوم المنطق والنّظرة إلى الحياة…

هو رقم وليس برقم وهي حركة وليست بحركة، الوجود في العدم، الحضور في الغياب، موسيقى الصمت…

وحين “أنسنتُها” وقفت لغتي أمامي، كأنّني مرآتها وسألتني “بأيّة لغة نفكّر؟” فأجابها وجداني القوميّ “بأيّة لغة تعبّر؟” وعلى قصاصة ورق كتبت “لا تخن لغتك لن تجد أوفى منها، وإن كان لا بدّ من خيانتها للتّجدّد فخنها معها جدّدها وتجدّد” وكان بيدي قلم وحيد!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى