دروس قومية اجتماعية – النجاح الفردي والنجاح القومي

يوجد في بيئتنا، وخصوصاً في أوساطنا الناجحة مادياً، ميل إلى الاعتقاد أنّ الأفراد الناجحين مادياً هم أهل لتولّي أمر النجاح القومي والتدخل في المسؤوليات العليا للقضية القومية.
يندر أن لا يعتقد غني من أغنيائنا أنّ ثروته التي أحرزها بنشاطه وكدّه واجتهاده وسهره واقتداره في العمليات التجارية وتتبّع حركة السوق، وأحياناً بتقتيره أو بمضارباته أو بحسن حظه، هي شهادة له بأهليته للتدخل مباشرة في القضايا السياسية الكبرى وفي المسؤوليات القومية العليا، ولإدارة العمل القومي برمّته وللاضطلاع بجميع الأعباء السياسية أو بضرورة أخذ رأيه وموافقته في كل سياسة قومية أو مشروع سياسي ينتظر منه أن يؤيده، فهو لا يكتفي بأخذ رأيه وموافقته للغاية الأخيرة والعقيدة الأساسية والأهداف والمثل العليا، بل يريد أن يُستشار في كل خطة سياسية يجب تقريرها لخدمة العقيدة والقضية، أو أن يكون مرجع الموافقة الأخيرة لها.

ذكرنا في مقالة «الوطنية والأريحية في المغترب» التي نشرناها في العدد الثالث والستين من الزوبعة (ص 445 أعلاه) أخطاء عدد كبير من أغنيائنا المغتربين، الذين بدلاً من أن يؤيّدوا نهضة أمتهم وبعث قوميتهم وشرف جنسهم يبذلون مبالغ كبيرة من ثرواتهم التي كسبوها، بالأكثر بتعاملهم مع تجار صغار سوريين فضّلوا شراء بضاعة مخزن مواطنهم على شراء بضاعة مخازن غير مواطنيهم (لا ننسى أنّ معظم حركة تصريف بضائع التجار السوريين الكبار متعلق رأساً بمبلغ انتشار التجار السوريين الصغار وإذا كان بعض تجارنا توصلوا أن يبيعوا إلى تجار أجانب أكثر مما يبيعون إلى تجار سوريين فذلك لم يحدث غالباً إلا بعد تأسيس كيانهم التجاري على مقطوعية التجار السوريين الصغار المنتشرين في مدن وقرى ودساكر ديار الغربة) في طلب رضى بعض الحكومات أو في اكتساب وجاهة عرضية كوسام من دولة أجنبية ناصروا قضيتها أو هدموها تزلفاً.
وقلنا إنّ هؤلاء الأغنياء الغلطانين وجدوا تحبيذاً لغلطهم من صحافة لا غاية لها غير التملق والتزلف، فأصبحوا يعتقدون أنّ رأيهم يجب أن يكون الأعلى في جميع المسائل القومية وقضايا الأمة الكبرى، بل أصبحوا ينظرون إلى عامل أو مفكر أو شارع قومي نظرة الاستهزاء أو اللامبالاة والتكبر.
وصاروا ينتظرون بل قد تعودوا أن يروا أنّ القضايا تطرح نفسها عليهم وتتقدم إلى مقاماتهم وقصورهم خاشعة، واجفة، متملقة.

مقياسهم في تفكيرهم هو:
النجاح الفردي المادي. هم أغنياء وقد يكون مؤسس العقيدة وصاحب الدعوة غير مثري فكيف يمكن توليته الأمر؟ إنّ ثروتهم دليل مقدرتهم ونجاحهم الفردي يعطيهم قوة ويشهد لهم أنهم أفعل. أما الذي ليس غنياً فبأي حق يكون زعيماً أو قائداً أو رئيساً؟

هذه الحالة النفسية المعقدة الملازمة لجميع أفراد طبقة أغنيائنا، لا أفراداً نادرين منهم، هي من جملة المشاكل الصعبة الحل التي لا بدّ من حلها لاكتساب تعاون الأغنياء منا في نهضتنا القومية الاجتماعية.

إنّ نجاح أغنيائنا الإفرادي هو دليل نشاط كل واحد منهم وشدة جدّه في العناية بأسباب ثروته وفلاحه الخاص، لكنه ليس دليلاً على مبلغ شعور كل أحد منهم مع غيره ــــ مع مواطنه ومع أبناء أمّته في قضية الخير العام ــــ لا على مبلغ فهمه قضايا الأمة السياسية والاقتصادية ونسبتها إلى النظام والترتيب السياسي ــــ الاقتصادي الإنترناسيوني.

النجاح الفردي، على ما يعترضه من صعوبات نسبية، حقيقية، هو نجاح محدود ومنحصر في نقاط قليلة ولا يمكن اتخاذه قاعدة أو مقياساً للنجاح القومي أو لمقدرة الفرد على إحراز النجاح القومي العام.

إنّ طبيعة النجاح القومي تختلف كل الاختلاف عن طبيعة النجاح الفردي.
وإننا نرى أنّ مبادىء النجاح الفردي غير المحدود تصل إلى الاصطدام بمبادىء النجاح القومي والاجتماعي ويأخذ هذا الاصطدام أحياناً شكل ثورة دموية من العامة على طبقة امتياز النجاح الفرد المطلق، التي لا يهمها إذا أهين شرف الأمة أو ذلّت أو فقدت سيادتها طالما تقدر هي (الطبقة) أن تظل متمتعة بخيرات الدنيا المادية.

وكثيراً ما يجرّ العمل بمبدأ النجاح الفردي المطلق إلى تحالف الرأسمال الوطني النفعي مع الإرادة الأجنبية الاستعمارية، كما هو حال معظم الإقطاعيين وأصحاب الثروة في بلادنا الذين يأتمرون مع الرأسمال الأجنبي المدعوم بالسياسة الاستعمارية على استغلال ذلّ الأمة وسقوطها، كما بيَّن ذلك الزعيم في مقالته الهامّة «شق الطريق لتحيا سورية» (انظر ج 2 ص 124). ذلك لأن طبيعة العمل بقاعدة الغنى الفردي بصرف النظر عن النجاح القومي، لا يمكنها أن تربط مصيرها بمصير طبيعة العمل بقاعدة النجاح القومي قبل كل شيء، التي تتطلبها أحياناً كثيرة التضحية بمعظم أو بكل الثروة الخاصة من أجل تأمين حرية العمل للنجاح القومي العام.

قاعدة النجاح الفردي المطلق هي:
عدم الشعور بالمسؤولية إلا عن النجاح الخاص.

قاعدة النجاح القومي المطلق:
عدم الشعور بالمسؤولية إلا عن النجاح العام أو عدم الشعور بالمسؤولية عن النجاح الخاص إلا ضمن النجاح العام.

هاتان قاعدتان تفرضان همّين مختلفين:
همّ الحالة الفردية وهمّ الحالة القومية. الهمّ الأول يطلب تحقيق غرض الفرد وهو المحدود الأسهل. والهمّ الثاني يطلب تحقيق غرض المتحد أو الأمة.
والذي يظن أنه بنفس الطريقة والأسباب التي حقق بها [الغرض الأول يمكنه تحقيق] الغرض الثاني لا ينزل هذا الظن من نفسه منزلة اليقين إلا بمقدار جهله مقتضيات النجاح القومي وأسبابه.

والذي يمكن تقريره، من درس طبيعة عمل صاحب عقلية النجاح الفردي، أنه غير مؤهل للاضطلاع بأعباء الإدارة العليا للنجاح العام إلا حين يكون هذا النجاح قد تأمن بعمل أصحاب نفسية النجاح القومي المطلق وبالاستناد إلى مؤازرتهم، وفي مثل هذه الحالة، لا يكون قيام صاحب النجاح الفردي على الحكم، مثلاً، إلا من باب النفوذ الشخصي في النجاح العام الحاصل من المجهود العام بإدارة أصحاب نفسية النجاح القومي العام.

ولزيادة الإيضاح نقول إنّ مثرياً كبيراً يقدر أن يشتري عدداً من الصحف الكبرى لتذيع عن شخصيته ومقداراً كبيراً من الأصوات الانتخابية، وأن يساوم بعض ذوي النفوذ والأحزاب على انتخابه رئيساً لجمهورية أمة أنشأها عظماء الفكر وقادة الجهاد القومي، ووضع قواعد كيانها شارع عظيم وثبتته المؤسسات العديدة التي أوجدها ذلك الشارع أو غيره من عظماء التفكير القومي.

هذا شيء يختلف كل الاختلاف عن مؤهلات القيام بإنشاء الكيان القومي وإبداع الإصلاح اللازم له، وعن قيادة الأمة في أحرج الظروف، وفي مشاكل الترتيب السياسي ــــ الاقتصادي الإنترناسيوني.

إنّ رئيس الجمهورية يجد حالة راهنة وكياناً قائماً، ومؤسسات مضطلعة بالأعباء مؤيدة بعدد من رجال الفكر والرأي وأهل الاختصاص.
كل شيء قد تأسس من قبل وصنع بدقة وإتقان في إبداع فني رائع.
وعلاقات الأمة الإنترناسيونية قد وضعت على أساس متين، وحالة البلاد الداخلية تحتمل البذخ والترف والتبذير بالأغلاط السياسية إلى أمد لا يقل عن مدة انتخاب رئيس جمهورية على الأقل.
ولكن ما أبعد هذه الحالة عن حالة لمَّ شمل أمة مشتتة، ووضع أسس نهضتها وبعثها، وشق طرق حقوقها ومصالحها ومحاربة أدوائها الداخلية، وإعطائها عقيدتها ومثلها العليا، وتوليد حركتها وقيادتها في الحرب الداخلية والحرب الخارجية إلى أن تحرز النصر الأخير، وتحتل مركزها في نظام العالم!

النفوذ الشخصي والوجاهة الشخصية هما مصلحة فردية من طبيعة العمل للنجاح الفردي، مهما كانت المظاهر الخارجية التي يتذرعان بها دالّة على الغيرة على المصالح العامة، ولا يمكن بوجه من الوجوه حسبانهما قاعدة أو أساساً للنجاح القومي.

النتيجة الأكيدة لهذا البحث، هي أنّ مؤهلات العمل للنجاح القومي في مسؤولياته العليا هي غير مؤهلات العمل للنجاح الفردي، وأنّ قضايا ومشاكل إدارة العمل القومي هي غير قضايا ومشاكل إدارة العمل الفردي، ولا يجوز الخلط بين العملين ومؤهلات كل منهما، إلا بقصد خدمة النجاح الفردي على حساب العمل للنجاح العام.

لا يعني ذلك أنّ كل الأغنياء محرومون حتماً من مؤهلات الخدمة العامة أو المسؤوليات العليا في مراتبها.
ولكنه يعني أنه إذا وجد غني أهل لذلك فأهليته ليست في غناه ولا في نجاحه الفردي، بل في مبلغ اضطلاعه في القضايا العامة وإدراكه طبائع العمل للنجاح القومي وخصائصه التقنية وفي مقدرته السياسية والإدارية، وفي بُعد نظره في العمل السياسي.
كل ذلك مجرداً بالكلية عن ثروته ونفوذه الشخصي المكتسب من مقدرته المالية وإمكانه التأثير على عدد من التجار المحتاجين إلى التعامل معه بموجب نظام النسيئة وغير ذلك.
تُعرف المؤهلات المذكورة بالنظريات الصالحة التي يبديه ذلك الفرد الغني، وتكون قابلة النظر والنقد التقنيين ولا تكون من تلك الآراء البسيطة أو العاطفية التي يقبلها البسطاء، ولكنها لا تشتمل على خطة تقنية صالحة لإنقاذ الحالة أو لشق الطريق، وفي هذا الموقف لا ميزة لغني على فقير.
الإثنان يقفان أمام الحق العام متساويين في الحقوق الشخصية وفي الامتحان.
وللحكم في المؤهلات للأعباء العليا العامة الصيغة مقاييس تقنية.
فلا يكفي أن يقول غني أو فقير:
«إنّ بلادنا تحتاج لإزالة التحمّس الديني والتعصبات العمياء» ليكون مساوياً الشارع القومي، وأهلاً لإنقاذ الأمة من تحمساتها الدينية الصبغة في القضايا القومية العامة.
إنّ طائفة كبيرة من العبارات البسيطة المشابهة للعبارة المتقدمة تدور على ألسن الأغنياء والفقراء، ولكنها خالية من كل قيمة تقنية.
إنها تشبه أقوال أفراد اجتمعوا حول سرير مريض فقال الواحد:
إنّ إزالة ا لحمى عنه تسكّن وجع رأسه. وقال الآخر:
أعتقد أنّ سرعة نبضه تسبب له اضطراباً. وقال غيره:
إني أعتقد بصحة المثل القائل المعدة بيت الداء.
إلى آخر ما يمكن قوله بتكهنات بسيطة لا تغني عن الحاجة إلى نطاسي يصل إلى العلة ويكون حكيماً في معالجته التقنية، التي كثيراً ما تصطدم باعتراضات غير التقنيين والذين يريدون أن يكون لهم رأي في كل المسائل وكل المواقف.
عند هذا الحد يمكن إلقاء هذا السؤال:
ألا يمكن التوفيق بين مبدأ النجاح الفردي ومبدأ النجاح القومي؟
وعليه نجيب أنّ ذلك ممكن، بل ضروري.
ويمكن بلوغ درجة أعلى من درجة «التوفيق».
يمكن إيجاد الامتزاج بجعل كل من المبدأين فاعلاً في المبدأ الآخر بالاستمرار.
وإيجاد هذا التمازج هو من خصائص العمل القومي وليس من خصائص العمل الفرد.
فإذا أمَّن الشارع القومي والعقيدة القومية إمكانيات النجاح الفردي في نتائج النجاح العام الحاصلة أو المنتظر حصولها فقد قدّم مبدأ النجاح القومي السدي.
وإذا أدرك مبدأ النجاح الفردي شدة ارتباطه وتعلقه بالنجاح القومي ورأى ضرورة المساهمة في مبدأ هذا النجاح فقد قدّم مبدأ النجاح الفردي اللّحمة.

النجاح القومي العام هو مؤمِّن بطبيعته النجاح الفردي.
أما النجاح الفردي فليس مؤمِّناً بطبيعته النجاح القومي، لأن طبيعته استبدادية وغرضه محصور في الفرد بذاته. فيحتاج الفرد العامل بهذا المبدأ لإدراك مبدأ آخر:
إنّ استمرار النجاح الفردي لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن استمرار النجاح العام، وإنّ غرض النجاح الفردي المادي هو السعادة التي لا يمكن أن توجد في المجتمع التعيس، لأنها ليست ذات خصائص نفسية ــــ اجتماعية كطبيعة مبدأ النجاح العام.

ويساعد الفرد الناجح على نجاح قضية مجتمعه العامة بترك الاستبداد برأيه وبتأييد العمل العام على أساس العقيدة والمبادىء والغاية الأخيرة، وترك ذوي الشأن والاختصاص في هذا العمل يعملون بهدوء بدون اشتراط التدخل في خصائصه وأساليبه إلا حين يكن حاصلاً على تفويض عام يخوّله حق التدخل.

إذا أدرك أغنياؤنا هذه المبادىء الأولية قدّموا لنهضة أمتهم خدمة كبيرة تسجل لهم في صفحات النجاح القومي، الذي يكسبهم بدوره امتيازات كبيرة ويفتح أمامهم طريق العز العالي والسعادة الكبرى.

ونقول في الختام إنّ لهذا البحث تفاصيل لم يشملها هذا المقال يمكن ذا الفكر والعلم استخراجها، وقد نعود إليها إذا احتجنا للعودة.

أنطون سعاده
الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 64، 1/8/1943

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير