رأي النهضة – البيان الوزاري اللبناني


عقد المجلس النيابي جلسته الخاصة بالإصغاء إلى البيان الوزاري الذي تتقدم به الحكومة الائتلافية الجديدة لتحصل على رضى المجلس وثقته. وقد تلا معالي رئيس الوزارة برنامج حكومته الذي “قطعت الحكومة عهداً على نفسها بإنفاذه”، وطلب منح وزارته الثقة بناءً على هذا البرنامج. وقد نشرت النهضة النص الكامل لبرنامج الوزارة الائتلافية في عدد أول أمس.
إنّ انتفاء طور الانتخابات النيابية واتْباع الائتلاف النيابي بائتلاف حكومي قد أمّنا إيجاد الصفاء الضروري لابتداء عهد إنشائي يثبت أساس الحكم الوطني. وهذا التأمين الذي يسمح للحكومة بالانصراف إلى الأعمال الإنشائية هو نفسه يسمح للصحافة وغيرها من المؤسسات الشعبية بالاشتراك في العمل على تثبيت الحكم الوطني وتمكين أساس الدولة.
ولا مشاحة في أنّ تثبيت أساس السيادة القومية يتم بإيجاد سياسة اقتصادية مستمدة من حاجة الشعب وموارد البلاد وأسباب ثروتها ووضع خطة سياسية إنترناسيونية توجه مصلحة البلاد الخارجية توجيهاً صحيحاً، وتقرير سياسة إدارية تفي بشروط الكفاءة وتخفف عن المكلفين بهظ تكاليف الموظفين، وتأمين اسباب الاستقلال القضائي وتنزيه القضاء عن التحزبات حتى يأخذ العدل مجراه، فلا يُظلم الأبرياء ويُرهق الشعب من تبادل الظلم. فإن أساس الحكم الوطني يكون في الشعب الحر الذي لا يعوّد القهر ولا تسد دونه أبواب التطور.
على هذا الأساس يكون على الصحافة والمؤسسات الأخرى إبداء رايها في برامج الحكومة ومشاريعها وانتقادها انتقاد المشارك في مسؤوليات الحكم المنبثق من الشعب.
تناول البيان الوزاري الذي تقدمت به الحكومة الائتلافية مقدمة استغرقت أربع فقرات منه جاء فيها أنّ تأليف الوزارة بشكلها الائتلافي تم بناء على النية الحسنة في تجنب المشادة القديمة العتيقة في المجلس وبقصد السماح للحكومة والمجلس معاً بالعمل المفيد. وتلا ذلك إشارة إلى أعباء الحكم المتولدة من انتقال البلاد من عهد انتداب إلى عهد معاهدة.
يبتدىء البيان الوزاري بالموازنة وفيه إشارة إلى أنّ تأخيرها عن الموعد المحدد لها كان ناشئاً عن الأعمال الانتخابية التي استغرقت أوقات الحكومة بكاملها. زد على ذلك هبوط النقد وتوقع انتهاء مفاوضات المصالح المشتركة. وتعد الحكومة بإجهاد النفس للإسراع في إعداد الموازنة وطرحها على المجلس في أول فرصة.
وفي مقدمة الأمور التي ستهتم بها الحكومة “تكثير موارد الخزانة بما تبذله من الجهد”.
وإذا كان هنالك مجال واسع لقبول تأخير الموازنة بناءً على صعوبات “دولة فتية” فإن مسألة تكثير موارد الخزانة تستوقف النظر وتتطلب شيئاً من البحث. فالعبارة الواردة في البيان الوزاري لا تفيد شيئاً ثابتاً يطمئن له الفكر. إذ الواضح من هذه العبارة المقتبسة فوق، أنّ السياسة التي ستتبعها الحكومة لتكثير موارد الخزينة هي سياسة “بذل الجهد: وبذل الجهد لا يعيّن طريقة تكثير موارد الخزانة.
ولكن الكلام الآتي بعد هذه العبارة وفي الفقرة عينها يشير إلى سلفة خمسة وعشرين مليون فرنك تم الاتفاق عليها مع مصرف سورية ولبنان بمناسبة تجديد امتيازه. وإنّ هذا القرض سيصرف في مشاريع الري. ولسنا ندري إذا كان ذكر القرض المذكور يشير إلى أنّ سياسة القروض ستكون في مقدمة الأمور التي يبذل الجهد لجعلها من الموارد الجديدة للخزانة. ويلاحظ القارىء من وقائع الجلسة أنّ هذه النقطة الهامة لم تكن سبباً للاستيضاح والنقاش في المجلس.
يأتي بعد ما تقدم، الإشارة إلى مواصلة المفاوضات لإنهاء قضية المصالح المشتركة بما يضمن حقوق لبنان ويبقي صلات الودّ “مشدودة الأواصر مع القطر الشقيق سورية”، وإلى العناية بتنظيم قوى الدفاع الوطني “متى حان الوقت”، ووالعناية الخاصة بقضية المهاجرين.
وبعد هذه القضايا يجيء دور السياسة الخارجية. فتقول الحكومة إنّ مهمتها ستكون مبنية على أساس الصداقة والتعاون وتبادل المنافع. وهذه العبارة كلها لا تعيّن أي اتجاه سياسي اقتصادي خارجي.
وفي الشؤون الداخلية تعد الحكومة “بالقيام بكل إصلاح ضروري إدخاله على إدارتها العامة وقوانينها السائرة وأنظمتها المختلفة حسبما يرشدها إليه واقع الحال”، وتضنّ الحكومة علينا بمثال واحد من هذا الإصلاح وبقاعدة واحدة من قواعده الأساسية.
وتعد الحكومة أيضاً بالسعي “لتحسين الحالة الزراعية وتكثير مواردها” ولعقد اتفاقات تجارية مع “بقية الدول التي تود الاتفاق معها على أساس تبادل المنافع والمعاملة بالمثل”. “ومن أقصى أماني الحكومة الاهتمام بتشجيع السياحة والاصطياف”.
وتقول الحكومة إنها ستبذل جهدها لتعميم المعارف وستعنى بصيانة الصحة العامة مع الإشارة إلى نوع هذه العناية.
ويختم البيان الوزاري بتقدير موقف فرنسة والاعتراف بفضل المفوض السامي في تحقيق الأماني اللبنانية.
ولو كان البيان الوزاري خطاب عرش، بدلاً من أن يكون برنامج حكومة، لما تصدينا له ببعض النقد الذي نرجو أن يساعد على توخي الوجهة العملية في الأمور.
الواقع أنّ البيان الوزاري قد دل على نيات الحكومة الحسنة أكثر مما اشتمل على برنامج يدعو إلى البحث. وهو من هذه الجهة لا يختلف كثيراً عن نوع البيانات السابقة.
ومع ذلك فإننا إذا كنا نشير إلى موطن الضعف الفنية فلا بد لنا من التنويه ببعض المسائل العملية الواردة في هذا البيان. فإن مسالة مشروع الري تكون غرضاً عملياً محسوساً تشكر الحكومة عليه. وكذلك مسالة المهاجرين والاصطياف.
وسننتظر مشاريع الحكومة في باقي نواحي العمل.

النهضة، بيروت
العدد 26، 12/11/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير