نظرة في كتاب «أنطون سعاده: رجل سابق لعصره»



بقلم الرّفيقة هالة سبيتي بشير

في كتابه الصّادر عن دار فكر للأبحاث والنّشر باللّغة الإنكليزيّة 2022، الّذي يقدّمه الأمين الدّكتور عادل بشارة، يطرح الأمين الدّكتور إدمون ملحم للقارئ بالإنكليزيّة نظرته نحو الشّخصيّة القياديّة لأنطون سعاده، وأثره الرّياديّ في المجتمع.

يضعنا الكتاب في مقابلة وجها لوجه مع سعاده الزّعيم القائد القدوة، نتلمّس بعقولنا وقلوبنا معاً السّمات المكوّنة لهذه الشّخصية الاستثنائيّة، فنقف عند مفاصل حياتها وتبلور رؤياها لنشهد جدارة تبوّئها أعلى مراتب القيم الإنسانيّة والاجتماعية.

كما يشي عنوان الكتاب، هو محاولة لسبر أغوار الشّخصيّة القياديّة الفذّة الّتي تميّز بها الزّعيم أنطون سعاده وهو رحلة في فهم مراحل تطوّر هذه الشّخصيّة الّتي أتت بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفنّ.

سعاده، رجل سابق لعصره: لماذا و كيف؟

يقول بيتر سنجي في كتابه «الكفاية الخامسة»: «إنّ المفهوم التّقليديّ للقائد كشخص متميّز يحدّد المسارات ويتّخذ القرارات ويُجيّش الفصائل هو مفهوم متجذّر في المنظور العالميّ الفرديّ اللّامؤسّساتيّ حيث القادة هم أبطال يبرزون في أوقات الأزمات، لذا ففي استدامة هذه الأسطورة فهؤلاء «أي القادة الأبطال» يبقون في خانة الأحداث القصيرة الأمد والشّخصيّات الكارزماتيّة عوض أن يشكّلوا قوّة تغييريّة ويؤسّسوا لعلم مجتمعيّ».

في بداية بحثه استعرض الكاتب ثلّة من القادة المعاصرين ممن تحسّسوا مظلوميّة شعوبهم ونذروا أنفسهم للتّغيير، كالمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ وصولا إلى نيلسون مانديللا. وقد فعل ذلك للوقوف على مفهوم القيادة، فرأى أنّ «أولئك الّذين يمتلكون بصيرة متوقّدة هم دائماً يسعون للوصول إلى التّميّز والالتزام بالقضايا المحقّة» فما يجمع بينهم هو امتلاكهم رؤية نذروا أنفسهم من أجلها وذلك لخير شعوبهم وفلاحها».

في التّمهيد لهذا البحث يضع الكاتب مجموعة تساؤلات توصّل إليها بعد النّظر في دراسات حول مفهوم القيادة والفكر الاستراتيجيّ. فهل كان سعاده مفكّراً استراتيجيّاً عبّر عن رؤية استراتيجيّة؟ تلك الرّؤية الّتي كرّسها ودعا إليها في كتابه «الصّراع الفكري في الأدب السّوري» حين قال: «تعالوا نأخذ بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفنّ، وبفهم جديد للوجود وقضاياه، نجد فيهما حقيقة نفسيّتنا ومطامحنا ومثلنا العليا، تعالوا إلى الحرّيّة والواجب والنّظام والقوّة».

ينتقل الدّكتور ملحم إلى بدايات الزّعيم والعوامل المؤثّرة في نشأته، فبالإضافة إلى نبوغه الفطريّ ونباهته وقدرته الخارقة على التّحليل والاستنتاج، كان لوالده الدّكتور خليل التّأثير المباشر على شخصيّته لا سيّما لجهة التّحفيز والتّشجيع والمتابعة. لتتبلور بعدها الأسئلة الفلسفيّة الكبرى إبّان مشاهداته لمآسي شعبه أثناء الحرب العالميّة الأولى فتبدأ رحلة إرساء قواعد الفكر والعقيدة مدفوعة بخصال الشّجاعة والتّفاني والشّغف وتتوجّج عبقريته بوضع المبادئ وفهم أهمّيّة وضع الخطّة الاستراتيجيّة فأرسى المؤسّسات.

يتابع الكاتب رحلة سعاده القياديّة والفكريّة ويتمعّن في مواقفه وخطابه وكتاباته ليجدها مغلّفة بالأخلاق والمناقب، بالإيجابيّة والأمل والحبّ والتّحفيز والصّدق وهي المزايا الّتي وضعها الدّارسون كرائز للقيادة الحديثة. أتقن سعاده فنّ التّواصل حيث ساعدته بلاغته وتمرّسه اللّغويّ من بناء جسر متين مع محازبيه فكان قوله والعمل إلى أن مهّر رسالته بالدّم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى