هل وقع الاقتصاد في لبنان في مخالب الدّولرة الشّاملة؟

عميد الاقتصاد الرّفيق فادي قانصو

لاشكّ في أّن البلاد تمرّ منذ نهاية العام 2019 بأزمة اقتصاديّة حادّة، تسمّى في علم الاقتصاد بالرّكود التّضخّميّ، وهي تبدو أكثر تشعّباً مما يعتقده البعض، إذ تتمحور أزمتنا في لبنان حول أزمةٍ ماكرو اقتصاديّة حادّة وأزمة ماليّة بشقّيّها المصرفيّ والنّقديّ، وأزمة في الماليّة العامّة، وأزمة في القطاع الخارجيّ مع عجوزات لافتة في ميزان المدفوعات، ناهيك عن التّضخّم المُفرِط في أسعار السّلع والخدمات، بحيث من المتوقّع أن يسجّل لبنان أعلى نسب تضخّم في العالم هذا العام. وبالتّالي من البديهيّ أن تُرخي كلّ هذه الأزمات بثقلها على القطاع التّجاريّ بشكل خاص، لاسيّما وأنّ التّقلّبيّة الحادّة في سعر الصّرف، تضع التّجّار والقطاع التّجاريّ برمّته في حالة من التّخبّط في بلدٍ يعتمِد على الاستيراد بشكل كبير، ليَنتُج عن ذلك فوضى في عمليّة التّسعير تتأتّى بشكل كبير عن غياب فاضح لأيّ دور رقابيّ من قبل الدّولة اللّبنانيّة بشكل عام، وبالتّالي يتعزّز هنا عامل الجشع لدى بعض التّجّار الّذين يتهافتون إلى رفعِ الأسعار مع ارتفاع سعر الصّرف، في حين لا يبادرون إلى تخفيضها مع تراجعه، أو نشهد في بعض الأحيان تراجعات في الأسعار لكنّها لا تتماشى مع التّراجع المسجّل في سعر الصّرف.

في الواقع، إنّ التّفلّت السّائد في سعر الصّرف نتيجة ما نمرّ به من أزمات متراكمة، كان له تأثيراً كبيراً على القدرة الشّرائيّة لدى المواطنين وعلى نسب الفقر في البلاد. فبحسب تقرير أعدّته منظمة إسكوا في شهر أيلول الماضي، تفاقم الفقر ‏في لبنان وأصبح يطال 82% من مجموع السّكّان، مع الإشارة إلى أنّ حوالي مليون و250 ألف عائلة في لبنان تعيش في فقر، منها ما نسبته 70% ‏يتأثّرون بالشّقّ الغذائيّ، في حين يعيش 40% منهم في فقر مُدقع، أي أنّ مدخول ‏تلك العائلات في اليوم أقلّ من دولارين.‏ وبالتّالي في ظلّ هذا الانعدام في القدرة الشّرائيّة وتراجع في الطّلب الإجماليّ على السّلع، من الطّبيعيّ أن يشهد القطاع التّجاريّ تراجعاً حادّاً في حركته الّتي انكمشت بنسبة 85% في العام 2021، وهو ما تجلّى أوّلاً في التّراجع اللّافت في حجم الاستيراد بين عاميّ 2019 و2021 بنسبة 30%، من 19.2 مليار دولار إلى 13.6 مليار دولار، وتجلّى ثانياً بطبيعة الحال في انكماشِ النّاتج المحلّيّ الإجماليّ الحقيقيّ بنسبة 11.0% في العام 2021، مع توقّعات بانكماش إضافيّ بنسبة 6.5% في العام 2022.

وإن يبقى التّعويل اليوم على قدوم المغتربين اللّبنانيّين والسُّيّاح الأجانب خلال موسم الصّيف، إذا ما تأمّن الاستقرار السّياسيّ والأمنيّ المرجوّ في البلاد، لإنعاش القطاع السّياحيّ الّذي كان يوظّف ما لا يقلّ عن 160 ألف عامل قيبل الأزمة، ومعه القطاع التّجاريّ بشكل عام، في أعقاب ظروف تشغيليّة قاسية واستثنائيّة خلال العامين المنصرمين.

من هنا، تجدر الإشارة أوّلاً إلى أنّ لكلّ عملة وطنيّة في أيّ بلد أربعة أدوار تقليديّة هي:
1- أداة للتّداول، أي إجراء التّبادلات التّجاريّة وعمليّات التّسوّق بالعملة الوطنيّة.
2- وحدة محاسبة، أي اعتماد العملة الوطنيّة للأغراض المحاسبيّة
3- عملة ادّخار، أي إقدام المودعين والمستثمرين على الادّخار بالعملة الوطنيّة
4- أداة إقراض، أي إقدام المقرضين على إعطاء قروض بالعملة الوطنيّة.

عليه، فإنّ اللّيرة اللّبنانيّة قد فقدت دورها كوِحدة محاسبة لأنّ تدهور سعر الصّرف جعل قراءة البيانات الماليّة بالعُملة المحلّيّة يفقد مصداقيّته. وفقدت اللّيرة دورها كعملة ادّخار لأنّ دولرة الودائع بلغت ما نسبته 79% نتيجة التّحويلات من اللّيرة اللّبنانيّة إلى الدّولار وانعدام الثّقة في اللّيرة اللّبنانيّة. وفقدت أخيراً اللّيرة دورها كأداة إقراض لأنّ المصارف امتنعت عن إعطاء قروض باللّيرة اللّبنانيّة في ظل سوق قطع متدهور باطِّراد، لأنّ المقرض يخسر والمقترض يربح من تردّي سعر الصّرف. في حين أنّ آخر وظيفة متبقّية، أي أداة للتّبادل، بدأت تحتضر وهي في مرحلة الموت السّريريّ، إذا ما استمرّت التّقلّبيّة اللّافتة في سعر الصّرف. وفي حال فقدت اللّيرة بشكل تامّ دورها كأداة للتّبادل، نكون قد دخلنا حُكماً في المحظور أي في مربّع الدّولرة الشّاملة.

من هنا، ينبغي الإشارة إلى أنّ عدد من الدّول اتّجه فعلاً إلى اعتماد الدّولرة الكاملة خصوصاً الدّول النّاشئة الّتي تريد أن تكافح نسب التّضخّم المرتفعة. وتستفيد هذه الدّول الّتي تعتمد الدّولرة الكاملة من استبعاد عوامل المضاربة على العملة الوطنيّة وعلى أسواق المال فتصبح اقتصاديّاتها أكثر شفافيّة، ناهيك عن قدرتها على ضبط خروج الأموال من البلاد وعلى تسهيل عمليّة الاندماج في الأسواق العالميّة. ولكن في ظلّ هذه الظّروف السّائدة في لبنان، فإنّ للدّولرة الشّاملة انعكاسات خطيرة في بلد يعتمد بنسبة 80% على الخارج، والأهمّ من ذلك أنّه يفتقد في الوقت عينه إلى استقرار سياسيّ واقتصاديّ وإلى الشّفافيّة والثّقة في مقوّمات الاقتصاد الوطنيّ، وبالتّالي إلى مصادر تسمح بتدفّق العملة الصّعبة لتغطية احتياجاته التّمويليّة لعمليّات لاستيراد.

أضف إلى ذلك، فإنّ اعتماد الدّولرة الكاملة يعني فقدان الدّولة خيار طبع عملتها الوطنيّة وما يتضمّنه ذلك من فقدان رمز أساسيّ للسّيادة الوطنيّة، وبالتّالي فقدان التّأثير المباشر للدّولة في المسار الاقتصاديّ الدّاخليّ خصوصاً على مستوى السّياسة النّقدية وسياسات أسواق صرف العملات. كما ويخسر المصرف المركزيّ قدرته على أن يكون الملاذ الأخير للمصارف وبالتّالي سيكون عاجزاً عن تمويل أو إمداد المصارف بالسّيولة في ظروف هروب الأموال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى