الحكم بالإرهاب ومصادرة السلاح من الشعب

 بقلم هاني بعل

عادت الحكومة التي دبّرت الانتخابات المزيّفة إلى الحكم، إلا بضعة من رجالها، اقتضت بعض الأسباب بقاءهم خارج الحكم، بعد أن أمّنوا دخولهم المجلس النيابي.

وقد تولى وزارة الداخلية في الوزارة الجديدة التي تألفت قبل التثبت من صحة المجلس النيابي الجديد السيد كميل شمعون أحد أعضاء “الكتلة الدستورية” القديمة المزاحمة لـ”الكتلة الوطنية”، في ذلك العهد، على التعاون مع الاحتلال الفرنسي لما فيه مصلحة الاحتلال الفرنسي، ورئيس اللائحة الحكومية الرابحة في الانتخابات الأخيرة المزيفة والمعترف بزيفها في هذا العهد “الاستقلالي”.

ويشعر السيد كميل شمعون، ويشاركه في هذا الشعور أكثر وأقوى أعضاء الوزارة الصلحية الرابعة، أنّ سوء حالة الدولة اللبنانية وقلق الشعب اللبناني على مصيره من جراء فساد الإدارة والتكالب على الحكم الذي تجلى بأروع مظاهره في التمهيد البارد المستمر للانتخابات وفي حوادث الضغط والإرهاب والشراسة والتزوير والتزييف التي أخذت مجراها قبيل يوم الانتخابات وفي ذاك اليوم التاريخي بصورة طبيعية تقشعر لطبيعتها أجساد النفوس الحرة الأبيّة، قد يجرّان إلى حوادث تقلقل الحالة التي بذلوا جهدهم لإيجادهم وتهدم الوضعية الشاذة التي أرادوا ربط مصير الشعب بها بواسطة التهويل والإرهاب.

يحمل الشعور المتقدم وصفه السيد كميل شمعون، وقد قبض بيده المتقضبة على مقاليد وزارة الداخلية، على طلب “الهدوء والطمأنينة”، ليس بإزالة أسباب سوء الحالة وقلق الشعب، بل بمصادرة وسائل الدفاع عن الحق والشرف من الشعب الخائب الأمل في الحكم والإدارة. فأذاع في العاشر من شهر يونيو/حزيران الحاضر البلاغ الوزاري الآتي نصه:

“يلفت وزير الداخلية نظر الأهلين إلى ضرورة الامتناع عن نقل الأسلحة الحربية واستعمالها مهما كانت المناسبات، مذكّراً بالملاحقات العدلية الصارمة (يعني القاسية) التي يستهدفها (يعني يستهدف لها) المخالفون أمام المحاكم العسكرية، “لقد أعطيت التعليمات المشددة إلى مختلف قوى الأمن بملاحقة كل مخالفة من هذا النوع بشتى الوسائل ومنتهى الشدة. فالأشخاص الذين بحوزتهم أسلحة حربية مدعوون إلى التصريح عنها (أي بوجودها) أو تسليمها فلا يستهدفون (يريد لئلا يستهدفوا) للملاحقات القانونية والعسكرية.

“يأمل وزير الداخلية من الجميع أن يتفهموا الغاية التي لأجلها عمدت الحكومة إلى اتخاذها التدبير القاضي بوضع حد نهائي لنقل الأسلحة الحربية واستعمالها في بلد هو بحاجة إلى الهدوء والطمأنينة”.

وقد بلغنا من مصادر أنّ تعليمات حضرة وزير الداخلية لقوات الأمن، من جيش ودرك وشرطة وتحرٍّ اشتملت على مصادرة الأسلحة ليس فقط في حالة نقلها واستعمالها، بل في حالة وجودها في دور الأهلين، وأنّ تدابير تجري لمحاصرة المناطق بالقوة المسلحة ودخول البيوت في المدن والقرى وقلب أساسها رأساً على عقب بحثاً عن سلاح محتمل الوجود.

يأمل حضرة وزير الداخلية لقوات الأمن، من جيش ودرك وشرطة وتحرٍّ اشتملت على مصادرة الأسلحة ليس فقط في حالة نقلها واستعمالها، بل في حالة وجودها في دور الأهلين، وأنّ تدابير تجري لمحاصرة المناطق بالقوة المسلحة ودخلت البيوت في المدن والقرى وقلب أساسها رأساً على عقب بحثاً عن سلاح محتمل الوجود.

يأمل حضرة وزير الداخلية “من الجميع” أن يتفهموا الغاية من مصادرة الأسلحة وإننا نزولاً عند أمله فقط، نحاول درس الحالة التي دفعت الشعب اللبناني الهادئ المطمئن الذي كان غافلاً عن قضايا الحياة القومية، إلى اقتناء السلاح وتدفع الحكومة اليوم إلى طلب تجريده من سلاحه.

سكتت الأمة السورية واستكانت للسلطات الأجنبية التي استباحت حماها واحتلت بلادها، وكان أشد أجزائها سكوناً واستكانة شعب لبنان. فتعاظم الطغيان الأجنبي الذي أتاح لجمال باشا التركي أن يشنق في سورية كل من فكرّ في تحرير أمته وإنهاض امم العالم العربي، وأن يسرح ويمرح في طول سورية وعرضها غير هياب ولا وجل.

شيئاً فشيئاً أخذ الشعب يدرك أنّ فقْد السلاح وترك الحرب يورث الطمع الأجنبي والذل القومي. وفي توالي حوادث الطغيان طلب الشعب سلامته باقتناء السلاح للدفاع عن حياته وكرامته فاقتناه من قَدِرَ وتركه من لم يكن له به قبل.

مع ذلك لم يستعمل الشعب سلاحه ليفتك بعضه ببعض. والحالات التي استعمله فيها بصورة مجموعية كانت حالات الدفاع عن النفس تجاه الطغيان للمعتدي على حقوقه.

ولم يكن وجود السلاح سبباً في وقوع حوادث الإجرام الاعتيادية التي لا تتمكن من دفعها مصادرة السلاح من الأهلين ولا يخففها غير ترقية نفسية الشعب وأخلاقه وتحسين سلوكيته.

مما لا شك فيه أنّ الحكومة لا تقصد بتدبيرها المشار إليه وضع حد لحوادث الانتحار والانتقام الفردي. فإن جميع هذه الحوادث تجري في العالم بصورة اعتيادية في جميع المناطق المسلحة والمجردّة من السلاح على السواء، ولم يُسمع أنّ تجريد بلاد من السلاح قضى على هذه الحوادث.

يعترف وزير الداخلية في بلاغه بأن البلد في اضطراب وقلق، وهذا الاعتراف واضح صريح في العبارة الأخيرة من بلاغه: “بلد هو بحاجة إلى الهدوء والطمأنينة، فإذا كان الأمر كذلك فهل حاول حضرته أن يتفهم سبب اضطراب البلد وقلقه، كما أوصى “الجميع أن يتفهموا الغاية التي يتوخاها من تجريد الشعب من السلاح عنوة؟”.

لا شك في أنّ سبب اضطراب البلد وقلقه ليس وجود السلاح في أيدي الأهلين الوادعين المحبين السلام والطمأنينة، بل هو شيء آخر: هو فساد الإدارة والتكالب على الحكم. هو الأرض بور!، هو ا لفوضى تدور!، هو تسخير القضاء لأهواء حكّام تمرنوا في عهد الاحتلال الأجنبي على الاستهزاء بالشعب واحتقار أمانيه! هو استصدار مذكرة توقيف وحجز حرية زعيم النهضة القومية الاجتماعية بلا موجب إلا مشيئة من يريدون إبقاء الحرية القومية مكبّلة بالسلاسل عينها التي كبّلها بها الاحتلال الفرنسي، هو تعطيل الصحف الحرة بالطريقة عينها الخالية من المسؤولية التي كان يعتمدها الاحتلال الأجنبي، هو تعطيل حرية الناخبين بهذه الوسائل وألوف غيرها كالمكر والغش والبرطيل والتزوير والتزييف، هو الادعاء بعد ذلك أنّ مجلساً يولد بهذه الطرق هو مجلس تمثيلي صحيح يصح أن تستند إليه وزارة انبثقت منه قبل تمام ولادته هو!

هذا هو، في رأينا وتفهّمنا، سبب اضطراب هذا البلد الهادئ بطبيعته وسبب قلقه. فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فالهدوء والطمأنينة لا يعودان إليه بمحاولة تجريده من السلاح الذي في حوزته بالقوة.

إنّ عملاً من هذا النوع هو أجدر، في هذه الظروف، بترويع أهله وزيادة قلقهم على مصيرهم ومصير حرية جاهد مجاهدو نهضتهم القومية الاجتماعية في سبيلها سنين طويلة وقامت فئة استقلالية تستغلها بعمل مرسحي. بئس الاستقلال، إذا لم يكن مرتكزاً إلى ما هو أصدق تعبيراً عن إرادة الأمة منه!

إنّ سلسلة طويلة من الحوادث أفقدت الشعب اطمئنانه إلى حكم قام عليه الرجال الذين تولوه حتى الآن وإلى أوضاع لا تزال تحمل قيود الأجنبي وسلاسله. فالشعب يشعر أنّ حق الحرية وحق ممارستها مفقودان فقد جرحت القوانين الاستبدادية والتشاريع الاعتباطية والتدابير الجامحة الشعب في شرفه وعزّه وحريته وإبائه فلا يمكنه أن يثق بها ولا أن يطمئن إليها. وطلب تجريده من السلاح بالقوة في هذه الظرف من جيشان النفوس لا يزيد إلا قلقاً على قلق واضطرباً على اضطراب.

إذا كانت الحكومة تظن أنها بمثل تدبير وزير داخليتها تأمن شر تفاقم حالة لم تحسن تدبيرها فظنُّها يدل على مبلغ جهلها سياسة شعب حر قد أيقظته النهضة القومية الاجتماعية إلى حقيقته وحقه، وعلى مبلغ جهلها التاريخ!

طمئنوا الشعب إلى حقه وحريته يُلق إليكم سلاحه من غير طلب!

الشمس، بيروت،
العدد 285، 23/6/1947

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير