السياسة الخارجية – وجه أوروبة المتجهم


يزداد الاحتكاك بين الدول المجددة والدول المحافظة ويقوى حتى قاربت الحرارة درجة الاحمرار وقدح الشرر.
وتظهر هذه المرة في الخطب الأخيرة المتجاوبة بين برلين وباريس ورومة ولندن. فالدول المجددة أخذت في المدة الأخيرة تقوي لهجتها وتتشدد في مطاليبها على نسبة الضغط القومي الطالب التوسع، وقد كان لخطاب موسوليني الأخير المؤيد لألمانية في مطاليبها الاستعمارية وقع شديد أثار اهتمام الأندية السياسية الإنترناسيونية، وكان موضوع تعليقات كثيرة فيها.
وجاءتنا أنباء فرنسة الأخيرة فإذا فيها أخبار المؤتمر الراديكالي الاشتراكي وما جرى فيه من خُطَب. وقد استرعى نظرنا خطاباً دلبوس، وزير خارجية فرنسة، ودالادية. والخطابان يدلان دلالة واضحة على خطورة الحالة والنفسية الحاضرة في أوروبة.
ختم السيد دلبوس خطابه بهذه العبارة “إنّ فرنسة وألمانية تخطئان إذا لم تتفاهما” وفي ذلك إشارة إلى اشتداد الاحتكاك المتولد بين الدولتين، خصوصاً فيما يتعلق بمطالبة ألمانية بمستعمراتها، فإن هذه المطاليب تتناول مباشرة مصالح فرنسة في المستعمرات التي تناولت السيطرة عليها وكانت تحت سيطرة ألمانية.
أما دالاديه فقال “يجب أيضاً أن يعرف الناس أنّ فرنسة عازمة على أن تحافظ على استقلالها وحريتها وأن تحمي حدودهما ومواصلاتها الامبراطورية. فويل للشعوب الضعيفة وغير المسلحة في أوروبة الحالية التي تصطدم فيها الشهوات الكثيرة”.
ونجد في هذا الكلام أنّ السيد دالادية يسمي تنازع الأمم الشعوب “تصادم شهوات” هي عبارة لبقة تثير غضب المحافظين على ما يملكون على “اشتهاء” المجددين ما ليس يملكون. ويظهر منه أيضاً أنّ الدول الشعبية الاشتراكية ليست أقلّ زمجرة وتهديداً من الدول القومية الاشتراكية الدكتاتورية. فمتى بلغ الأمر إلى المصالح القومية فالزمجرة وإبداء النواجذ أمر عام لا تختلف عنه دولة أو أمة لها ضلع في هذه المصالح.
يقول دالادية قولاً له خطورته فيما يتعلق بالشعوب المستضعفة وغير المسلحة فإن الأمم المجرّدة من السلاح تصبح غنائم للأمم المسلحة مهما كان نوع الأسلوب أو الشكل الذي تصبح فيه هذه الأمم غنائم لغيرها.
إنّ مبدأ الأمة المسلحة هو المبدأ الوحيد الذي يجب أن تتمسك به كل أمة لا تريد الاضمحلال، وتحويل الأمة كلها إلى جيش مجهز بالوسائل الحربية هي القاعدة الأولية التي يجب أن تتبع عند الأمم التي تريد أن تبقي لنفسها سيادتها وحريتها في تصادم المصالح والحاجات.
وليس هذا التصادم واقعاً في المبادىء والنظريات، كما قد يبدو لغير الخبيرين بالشؤون السياسية، بل في الحاجة إلى الإكثار من المواد الأولية، والموارد الطبيعية المتولدة والمتزايدة عند الأمم الآخذة برفع مستواها الاقتصادي وزيادة نسلها.
فالمواد الأولية هو ما تبحث عنه الأمم الناهضة فإذا لم تجده في أوطانها تطلعت إلى الخارج تبحث عن مصادرها الأولية ووسائل الاستفادة منها. وذنب الشعوب الأفريقية هو في وجود مواد أولية في أوطانها، ولكنها ليست أمماً ناهضة تعرف كيف تستفيد من هذه المواد.
ونحن في سورية الطبيعية لا ذنب لنا سوى وجود مواد أولية في وطننا ولكن نهضتنا القومية جاءت في وقت متأخر قليلاً ولا بد لها من بذل جهود جبارة لجعل هذه المواد الأولية ذات قيمة للأمة.
هذه هي النظرة القومية التي لا تزال مفقودة من جميع الهيئات المتطاحنة على السياسة الداخلية. وهذه هي النظرة القومية التي نأمل للنهضة القومية النجاح بها.
إنّ وجه أوروبة متجهم والنزاع على المواد الأولية يشتد يوماً بعد يوم. وفي اشتداد هذا النزاع تبدو أهمية قول دالادية “وويل للشعوب غير المسلحة”.

النهضة، بيروت
العدد 17، 2/11/1937

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير