المستقبل المنشود 2/1


رئيس النّدوة الثّقافيّة الأمين إدمون ملحم

1
المستقبل الّذي ننشده ونتوق إليه جميعاً هو أن نحيا الحياة الكريمة اللّائقة. هو أن نبني لأنفسنا ولأولادنا مجتمعاً حرّاً راقياً نحيا فيه بحريّة وكرامة ومساواة برعاية دولة عصريّة ديمقراطيّة، هي دولة الحقّ والعدل والقانون والمؤسّسات المعبِّرة عن إرادة الشّعب والسّاهرة على تحقيق مصالحه وتأمين عيشه ورفاهيّته وسعادته في الحياة. ولكن السّؤال الّذي يطرح نفسه: أين نحن من هذا الهدف الأسمى؟

إنّ الدّيمقراطيّة والإصلاح والحداثة والتّغيير وغيرها من الشّعارات البرّاقة الّتي تَعِدُ بإقامة مجتمع راقٍ تسود فيه قيم الحريّة والحقّ والعدالة والمساواة وينعم أبنائه بالأمن والطّمآنينة والسّلام. هذه الشّعاراتُ والقيم النّبيلة أمست كلّها أحلاماً بعيدة المنال في ظلّ تطوّرات الأحداث العالميّة المنعكسة على أوضاعنا المعيشيّة المتدهورة وفي ظلّ الأحداث الّتي تشهدها بلادنا والّتي تصبُّ في خانة المشروع الصّهيونيّ التّاريخيّ المعادي لوجودنا وفي خانة القوى الدّولية المتآمرة على أمّتنا والّتي تقودُ هذه الأحداث في اتّجاهات الخراب والدّمار والفوضى والتّقسيم والتّفتيت تحقيقاً لمنافعها ومصالحها الاستعماريّة وتأميناً لسيطرتها على ثرواتنا الطّبيعيّة وعلى كامل العالم العربيّ.

نعم إنّ الدّيمقراطيّة وبناء الدّولة العصريّة أمست حلماً بعيد المنال في ظلّ الغطرسة الأميركانيّة-الصّهيونيّة وطغيان «الوحشيّة» و«البربريّة» و«العنصريّة» والطّائفيّة والرّأسماليّة الجشعة.

الدّيمقراطيّة هي حلمُ الكرامة لكلّ مواطن في الدّولة وهي نظام عدالة وحرّيّة لكلّ المجتمع ولكن نحن الآن على مسافة بعيدة من هذا الحلم لأنّنا نعيش في زمن حالك لا عدل فيه ولا كرامة. هو زمن التّكفير والعصبيّات الدّينيّة، زمن الجهل والتّخلّف والفساد والانحطاط، زمن الحقد والقتل والمجازر والحرب الكونيّة على سورية التّاريخ والحضارة والهويّة. إنّه زمن البربريّة والغطرسة الأميركانيّة.

نحن الآن في زمن صعب لا يرحم نواجه فيه استعماراً عالميّاّ جديداً ومشروعاً صهيونيّاً استيطانيّاً عنصريّاً معادياً يريد إلغاء وجودنا الحضاريّ والقضاء على هويّتِنا القوميّةِ. ونواجه أيضاً ثقافات سلبيّة زائفة تغزو مجتمعنا وتسري في شرايينه ودورة حياته الإجتماعيّة وتحاول تفتيت هذا المجتمع من الدّاخل.

2

ثقافة الفساد

إحدى تجلّيات الثّقافات السّلبيّة الزّائفة الّتي تشكّل حاجزاً منيعاً أمام طموحات الشّعب في الحياة اللّائقة هي عقيدة الفساد المتأصِّلة في صلب نظامنا السّياسيّ الطّائفيّ والمستّشرية في مجتمعنا الّذي بات خالياً من قيمه وفضائله. فماذا نقول عن جرائم الفساد المنظَّم الّتي تمنع قيام الدّولة الدّيمقراطيّة الحديثة، دولة القانون والمؤسّسات الّتي تحمي المواطنين وحقوقهم وحريّاتهم؟ هل نحدّثكم عن الفساد السّياسيّ وعن المُفسدين من أمراء السّياسة والمال والطّوائف وتقاسم النّفوذ والمحاصصة فيما بينهم وسوء استخدامهم السّلطة لمصالحهم الشّخصيّة والعائليّة والمذهبيّة؟ هل نحدّثكم عن قراصنة الفساد الماليّ والإداريّ والأخلاقيّ وعن هدرهم للمال العام وسرقاتهم وإثرائهم اللّامتناهي؟ أم نحدّثكم عن التّوافقيّة على الحصص والمنافع بين المرجعيّات الطّوائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة وعن عبثها بمواد الدّستور وأحكامه؟ الحديث عن الدّيمقراطيّة الكاذبة وعن لبنان المزرعة المسيَّجة بأسوار الطّائفيّة والإقطاعيّة والإنعزاليّة والمحروسة بالمافيات اللّصوصيّة وبشياطين الفساد والإفساد الّذين يستبيحون البلاد بجرائمهم قد يطول إذا ما أردنا أن نتطرّق إلى عمليّات التّزوير والتّهريب والإختلاس الماليّ المنظَّم والمقونن وإلى المحسوبيّات والهدر والفضائح في العديد من ملفّات الغذاء والكهرباء والجمارك والنّفايات والأدوية والمستشفيات والإنترنيت والمرافىء وغيرها من الملفّات في كلّ مرافق الدّولة ومفاصلها. وللإختصار، نقول أنّ السّياسة في لبنان برمّتها قائمة على الفساد. وهذا المرض المُزمن أمسى ثقافة عامّة وظاهرة مستفحلة تزيد في مديونيّة الدّولة وتساهم في انحلالها وتقود المجتمع بأسره إلى الهلاك.

3

حلمُ الدّيمقراطيّة

حلمُ الدّيمقراطيّة لا يمكن أن يتحقّق بوجود ظاهرة الفساد المدمِّرة وبوجود تجمّعات طائفيّة منغلقة على بعضها تقيم الحواجز الرّوحيّة والاجتماعيّة – الحقوقيّة بين أبناء الشّعب الواحد. فتسجنهم في معتقلات الخوف والتّقوقع والانعزال وتوَلِّدُ فيهم التّطرّف والاستعلاء والكراهيّة لذوات الأخرين من أبناء الطّوائف الأخرى. فالطّائفيّةُ من حيث هي شعورٌ بالتّمايزِ عن الآخرينَ لا تؤمنُ بالدّيمقراطيّةِ الفعليّةِ ولا تلتقي معها فإحداهُما تُلغي الأُخرى. أمّا الدّيمقراطيةَّ الّتي تعني التّعبير عن إرادة الشّعب فتقومُ على العدلِ وسيادةِ القانونِ والمساواةِ في الحقوقِ والواجباتِ ولا تعرفُ التّمييزَ بين المواطنينَ على أساسِ الدّينِ أو العِرْقِ أو الجّنسِ أو اللّون.

لا يمكن مواجهة الثّقافات السّلبيّة وكلّ أشكال الفساد بالإعلام المأجور وبالتّحريض والخطابات الكاذبة، بل بالكلام العقلانيّ الصّادق والأعمال المميّزة والنّفسيّة المعطاءة والمواجهة الفاعلة على كلّ الجبهات. نواجهها بالفكر الرّاقي والثّقافة الصّحيحة القائمة علىى المحبّة والتّسامح والحوار والانفتاح والمرتكزة على العلم والمعرفة والعقول النيّرة، ثقافة التّعمير والبناء والإنشاء، ثقافة الحياة الطّامحة إلى الخلق والتّفوّق والإبداع والهادفة إلى قيامة المجتمع ورقيّه وتحقيق الوعي فيه من خلال نهضة شاملة ومتواصلة نحو الأرقى والأجمل.

4

علّة الأمّة: الطّائفيّة

نحن نؤمن بحقيقة هذه الأمّة وبمواهبها وقدرتها على النّهوض وتعلّمنا من أنطون سعاده سياسة الحقّ والصّدق والصّراحة لهذا الشّعب، وهي سياسة تعليمه وإفهامه حقيقة وضعه وتأخّره، حقيقة أسباب انحطاط الأمّة، وعلّة شقائها. وعلّة العلل هي الطّائفيّةَ الّتي تعطِّلُ وحدة المجتمع بكونها مرضٌ سرطانيٌّ قاتلٌ وشرٌّ تفتيتّيّ يُعمي بصيرة الأمّة ويفكِّك جسمها الاجتماعيّ. وتعلّمنا منه أن نرفض سياسة الثّعلبة والتّكاذب والنّفاق وأن لا نستهزىء بأماني الشّعب وآماله. يقول سعاده: “نحن لا نستهزىء، ولا ندوس أماني الشّعب بأقدامنا، بل نرفعها على هامنا ونبذل دماءنا ونفوسنا في تحقيق أماني الشّعب”. بهذه المناقب الجّديدة نحن نعمل للتّغيير ونعتبر أنّ الإصلاح هو مطلب ضروريّ وحاجة ملحّة في كلّ شأن من شؤون حياتنا القوميّة ولا يمكن لأيّ عاقل أن يتنكّر له أو يتغاضى عنه. فكيف يمكننا أن نعالج أزماتنا السّياسيّة ومشاكلنا الاقتصاديّة وأمراضنا الاجتماعيّة إن لم نبادر إلى إجراء إصلاحات جذريّة تعتمد الحلول العلميّة وتؤدّي إلى اجتثاث الطّائفيّة وإسقاط النّظام الفاسد الّذي يشرعن الامتيازات الطّائفيّة ولا ينتج إلّا الحروب الأهليّة؟

كيف لنا أن نواجه الأطماع الصّهيونيّة في سرقة نفطنا ومياهنا ومواردنا وفي ابتلاع وطننا بأكمله ما لم نباشر بإصلاح مجتمعنا وإخراجه من مستنقع الإنحطاط والتّقهقر وتحصينه بثقافة البناء والتّجديد وبالوعي القوميّ الصّحيح الّذي يؤسّس لوحدته وبعث فضائله النّبيلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى