دروس قومية اجتماعية تفكير أولي مضطرب

نشرت سورية الجديدة في مدة سنتين ونيف من حياتها التي لم تشأ الظروف الإنترناسيونية الغالبة أن تكون أطول مما كانت، طائفة كبيرة من المقالات والرسائل الواردة من الوطن والتعاليق والنداءات والأخبار المتعلقة بالحركة السورية القومية الاجتماعية ومصير سورية.
وجاءت الزوبعة فأضافت إلى الكتابات المذكورة مجموعة كبيرة من الأبحاث المتنوعة، بعضها فلسفي وبعضها علمي وبعضها نقدي، وكلها في الحركة القومية الاجتماعية وقضايا الشعب السوري الكبيرة والصغيرة.
ولو جمعت مختارات الزوبعة وسورية الجديدة لأوجدت كتابين غير صغيرين يحويان من روائع الفكر والعمل ما يهزّ كل نفس متعطشة إلى ماء الحياة القومية.
مع ذلك بقيت أمور كثيرة تريد النهضة القومية الاجتماعية إعلانها للشعب ولكنها أمور مرهونة بأوقاتها.
وهذه الأوقات مقدّرة في زعامة الحركة السورية القومية الاجتماعية التي لها الاطلاع الأوسع والأكمل في دخائل الأمور وخوارجها، وفي صلاحياتها تقرير ما يلزم الواقع ورسم خطط العمل.

بعد توقف سورية الجديدة، بسبب منع الصحف الأجنبية اللغة في البرازيل، بقيت الزوبعة لذلك العهد صحيفة صغيرة ذات إثنتي عشرة صفحة من القطع الصغير وتصدر مرتين في الشهر.
وكان عليها أن تواجه حالة من أصعب حالات الحرب الفكرية والعقائدية والسياسية.
فكان لا بدّ من رسم خطة لعمل الجريدة لتؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.

وكان من حسن الحظ أنّ الزعيم نفسه تمكن من زيادة إشرافه، تدريجاً، على خطة الزوبعة وأبحاثها، على الرغم من القضايا والأعمال والمسائل الكثيرة المختصة بطبيعة مركزه وعمله.
وشيئاً فشيئاً أخذت الزوبعة تحتل مركزها في أوساط السوريين عبر الحدود وتفعل في تغيير نفسية المغتربين ونظرتهم إلى الحياة.

وهو الأمر الأساسي الجوهري الذي لا بدّ منه لكل عمل خطير مرسوم لقضية عظيمة، كالقضية القومية الاجتماعية.

ولا بدّ من القول إنّ خطة الزوبعة وصلت إلى نتائج حيوية عظيمة الأهمية في التقدم نحو أهداف الحركة القومية الاجتماعية وهي نتائج كان يكون مشكوكاً كثيراً بإمكان حصولها لولا الخطة التي رسمها الزعيم لسورية الجديدة وللزوبعة وإشرافه على سير هذه الصحيفة.

بينما الزوبعة تتابع عملها وفاقاً للخطة المرسومة، وتزيل من أمام الحركة القومية الاجتماعية في أوساط السوريين المغتربين العراقيل التي وضعها في طريقها أبناء العهد الذي يلفظ الآن أنفاسه، جاءت في بعض الظروف انتقادات فجة لم تلبث أن ظهر ضعف أساسها، ووصلت في المدة الأخيرة بعض انتقادات على بعض الأبحاث من بعض القوميين الاجتماعيين، وانتقادات في معرض الاقتراح على إدارة الزوبعة الاهتمام ببعض الأمور وترك البعض الآخر الذي تهتم به.

إنّ هذه الانتقادات والاقتراحات التي تأتي أحياناً من عدد غير قليل من القوميين الاجتماعيين، وهي مختلفة عن انتقادات واختلافات الأعداء وغير القوميين الاجتماعيين، تفتح الباب لسلسلة دروس ثقافية في الفكر والنظام والإدارة والعمل. وإننا سنتناول هذه الدروس حسب إثارتها وتعاقبها، لا حسب ترتيبها المنطقي فيكون أسلوبها الأسلوب المباشر الذي ظهر من تحقيقات علماء التربية والنفس أنه الأفْيد في التلقين والتهذيب، وسنجعل ما تعلّق بهذا الأسلوب أول الدروس المباشرة في ما ورد من بعض القوميين الاجتماعيين في صدد نهج الزوبعة.

عندما ابتدأ هاني بعل سلسلة مقالاته الهامّة في الأدب والدين والاجتماع التي نشرها تحت عنوان «جنون الخلود» قال كثير من القوميين الاجتماعيين وغيرهم: «ولماذا هذه الأبحاث الشخصية حول رشيد الخوري؟ أليس الأفضل أن تبحث الزوبعة في شؤون القضية القومية الاجتماعية وتشرح للناس وجوهها؟»، ومراجعة المقالات المذكورة تثبت أنّ كاتب الأبحاث اضطر لإعطاء عدة إيضاحات تبيّن أنّ الأبحاث ليست ذات صبغة شخصية، وأنّ أهدافها ثقافية قومية اجتماعية.
ومع جميع الإيضاحات المذكورة صدرت عدة رسائل من البرازيل وغير أماكن تقول:
«قد طالت هذه الأبحاث والناس يتململون من طولها» في حين أنّ عدداً من الأدباء أبدى إعجابه الكبير بالدرس الأدبي الوارد فيها.
ثم لما تطورت وانتقلت من الموضوع الأدبي والموضوع السياسي إلى الموضوع الاجتماعي الفلسفي في الدين وأغراضه وطبائع الدينين المسيحي والرسولي اهتمت لهذا الموضوع أوساط الخاصة المثقفة، ووردت كتابات كثيرة تظهر الإعجاب بالبحث، ورسائل كثيرة وردت من جميع الأقطار الأميركية طالبة طبعه في كتاب يبقى في أيدي الناس لبقاء فائدته.
وفي الوقت نفسه وردت أخبار من عدة أماكن تقول إنّ معظم الناس لم يفهموا من هذا الموضوع الاجتماعي الفلسفي شيئاً، وإنّ البعض فهموه على عكس حقيقته وأوّلوه تآويل كثيرة متنوعة.

الحاصل من هذه المراسلات يرسم صورة للحالة النفسية ذات وجهين:
الواحد يُظهر الذين فهموا الموضوع الاجتماعي الفلسفي بمظهر من يعتقد أنّ جميع الناس قد فهموا الموضوع كما فهمه هو، وأنّ العالم كله مسرور به.
والثاني يُظهر الذين لم يفهموه كأنهم يرون الدنيا كلها تضيق وتتبرم به.
وكلا الفريقين ينسى أنّ الزوبعة، من حيث هي الآن الجريدة القومية الاجتماعية الوحيدة باللغة القومية التي تصدر في المغترب، هي صحيفة لجميع الأوساط ولجميع الطبقات ولجميع الأماكن.
فالذين ضجروا من البحث الفلسفي «الممل» كانوا يلحّون بوجوب الانتهاء منه، ويقولون إنّ الجريدة يجب أن تهتم بغير هذه المسائل العويصة التي لا علاقة لها، في عرفهم، بالقضية السورية القومية. والذين أحبوا البحث أنكروا على الكاتب تناول ما يرون هم أنه لا علاقة له بالقضية القومية الاجتماعية، كانتقاد نظم أحد الناظمين والكلام على سعاياته في الأوساط ضد الزعيم وضد الحركة القومية الاجتماعية.
ودرسنا الأسلوب المباشر وأهميته يبتدىء بمعالجة نظرة هؤلاء الأخيرين التي خرجوا بها إلى انتقاد له صبغة شبه فكرية.

ادّعى هؤلاء المنتقدون، أولاً، أنّ معالجة منظومات أحد الشعارير هي من الأمور التي لا تلزم غرض الزوبعة أو التي لا تفيد أو التي يجب أن تتنزه عنها صحيفة كالزوبعة.
وأحد المنتقدين المذكورين أرسل مرة ينصح إدارة الزوبعة بترك أسماء الأعلام حين معالجة المواضيع الأدبية والاجتماعية إذ لا حاجة لذكرها في نظره. وأرسل نصيحته بصورة جازمة نهائية لا تترك، في صيغتها، مجالاً للمناقشة.

يجب التأكيد أنّ جميع هؤلاء المنتقدين ليسوا من أهل الاختصاص ولا من أهل الدرس العلمي المنتظم في مسائل الاجتماع الإنساني.
والظاهر أنه لا يهمهم أخذ الدروس من جميع الكتابات الصادرة عن مركز الإنشاء والاختصاص وانتقاد أنفسهم وتفكيرهم على ضوئها بقدر ما يهمهم مجادلة النظرات التقنية بنظراتهم الاعتباطية التي هي من نتائج عهد الفوضى وانحلال النظام الاجتماعي السياسي الماضي.

نأخذ الآن هذه المسألة:
مسألة تناول الأشخاص وذكر الأسماء.
إنّ لهذه المسألة وجهاً لا يراه المنتقدون الاعتباطيون الذين لا يحملون مسؤولية العمل أو الحرب. الوجهة التي نعنيها هي الوجهة السياسية.

عندما يكون هنالك عمل تثقيفي بحت مجرّد عن الحالات السياسية ومعاركها القلمية ومصادماتها الإذاعية، لا تدعو الحاجة كثيراً إلى ذكر الأشخاص والأزمنة والأمكنة الحاضرة، ولكن عندما تكون المسألة مسألة حركة قومية اجتماعية تدخل الميدان السياسي ومعاركه فوجهة النظر التي يبديها المنتقدون غير المسؤولين هي وجهة مناقبية بحتة لا دخل لها في العراك السياسي وتحريك الجماعات الكبرى التي لا كفاءة لها لإدراك المسائل بالتلميح أو بالاستنتاج الذاتي والقياس.

الحركة القومية الاجتماعية تضطر، من الوجهة السياسية والإدارية، لأخذ أمور بعين الاعتبار لا يرى لزوماً لها غير المتخصص في نفسية الجماعات وفي القضايا السياسية الشعبية.
إنها تحتاج للدلالة على الأشخاص الذين يتدخلون في تكوين الرأي العام عند عامة الناس وعند خاصتهم منعاً للالتباس في شأنهم. وإنّ من واجبها إظهار الغلط والصواب الصادرين من الأشخاص المذكورين في وقت صدورهما، فتكون أذهان القرّاء منتبهة للموضوع فتعي التفاصيل وتأخذ النتيجة.
وهذا من قواعد الأسلوب المباشر في الإصلاح وقد أعطى نتائج كثيرة جيدة لا يتنبّه لها غير المتخصصين المفكرين العميقين.

من أهم نتائج هذا الأسلوب الذي استعملته الزوبعة، أنّ الضجيج العظيم الأول الذي أحدثه الكتبة والناظمون الذين تناولتهم هذه الصحيفة بالنقد، وأصمّ آذان الناس عن سماع نداء الحركة السورية القومية الاجتماعية، خَفَتَ وتمزقت عن عيون الناس الحجب التي أسدلها رضاهم وقناعتهم بأباطيل أولئك «الأدباء» ونشأ عند الكثيرين الاستعداد لسماع كلمة النهضة السورية القومية الاجتماعية الذي يكون الكلام بدونه من باب الكتابة على الماء.

لا يقدر خطيب أن يصل بمنطقه وقوة عارضته إلى إفهام الناس وقلوبهم وهم تحت تأثير لغط يملأ المكان.
يجب إسكات اللاغطين أولاً وإفهام الناس أنّ الإصغاء إليهم لا طائل تحته، وأنّ الأَوْلى بهم الإصغاء إلى من يكلمهم بالحق ويدعوهم إلى الحياة والرقي، ثم التكلم إليهم بعد حصول الاستعداد عندهم للسماع والفهم.
وكلما كان الإصغاء تاماً وصوت الخطيب غير معكر باللغط أو بالوزوزة كان الفهم أعمق وأصح.
فلا يظننّ أحد أنّ الزوبعة تذكر أسماء الأشخاص لولع باللهو بها أو بالتعرض لأولئك الأشخاص.
إنّ الزوبعة تذكر الأسماء التي ترى لأصحابها تدخلاً أو تأثيراً يعكر أذهان القرّاء ومحبي المعرفة. وفي الحلقة الأولى من المقالات التي تناولت بها هذه الجريدة «الرابطة القلمية» النيويوركية أظهرت كيف تفهم معالجة الأشخاص وعدم الترفع عن ذكر أسمائهم وعن تناول كتاباتهم مهما كانت دوائرهم كبيرة أو صغيرة.

كان الدكتور خليل سعاده لا يردّ على الذين يتطفلون عليه بكتاباتهم، وكان أنطون سعاده يفعل فعله حين كان مثله غير مسؤول عن إدارة حركة وخوض معارك سياسية وتنظيم عمل جدي لإنقاذ القضية القومية الاجتماعية المقسة، أما في هذه الحالة الأخيرة فالموقف يختلف وضرورة الحركة غير ضرورة الفرد.

كم من المقالات كتب أنطون سعاده في النهضة العظيمة التي أنشأها، وكم من المحاضرات والخطب ألقى وتلا دون أن تصل معانيها وفوائدها إلى سواد الشعب بسبب شغب المشاغبين الذين كان الشعب منخدعاً «بأدبهم» و«علمهم» وكثرة الأباطيل والاختلافات التي لفّقوها ليحوّلوا الناس عن الاهتمام بالحركة السورية القومية الاجتماعية وشخصية زعيمها وشخصيات أركانها وبمبادئها وفلسفتها وأدبها.
فلم يكن بدٌّ للصحيفة المدافعة عن الحركة القومية الاجتماعية من تناول أولئك «الأدباء والعلماء» بأسمائهم، وإظهار عقم تفكيرهم وبطلان ادعاءاتهم وسخافة أدبهم، حتى يفهم الناس أمرهم وينبذوا أباطيلهم، ويُقبلوا على التعاليم القومية الاجتماعية التي فيها حقائق حياتهم ومثلها العليا.

فيكون في ذلك اقتصاد في الوقت والمجهود فضلاً عن إنقاذ قسم كبير من الناس من شعوذة المشعوذين ونفاق المنافقين.

أنطون سعاده
 الزوبعة، بيونس آيرس،

العدد 52، 15/9/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير