رسالة من الزعيم للقوميين 10/1/1947

(من دانرة الإنشاء.. لما علم مجلس عمد الحزب القومي الاجتماعي أن عودة الزعيم ستتأخر عن أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني من السنة الماضية كلّف حضرة عميد الاذاعة الرفيق فايز صايغ الكتابة إليه وسؤاله إرسال رسالة إلى القوميين الاجتماعيين التائقين إلى رؤيته لسماع صوته والاصغاء إلى كلامه المحيي. فكتب الزعيم فى العاشر من يناير/كانون الثاني الماضي رسالة احتوت على أدق الأوصاف وأعمق النظرات السياسية والعقائدية والفلسفية التي تحتاج إليها الحركة القومية الاجتماعية في هذه المرحلة الدقيقة من حياتها وجهادها.

وقد تسلمت عمدة الإذاعة هذه الرسالة التعليمية الممتازة في أواخر يناير/كانون الثاني وعرضتها على أعضاء المجلس الأعلى وأعضاء مجلس العمد، فأشار بعضهم بعدم نشرها في تلك الظروف فأجّلت العمدة نشرها. ولكنها ترى الآن أنّ نشرها ساعة وصولها كان أوفق نظراً لحاجة الحزب إلى التحليل الدقيق الذي اشتملت عليه ويحتاج إليه الحزب القومي الاجتماعي والأمة جميعها كل الحاجة.

وللتعويض عما فات دفعت عمدة الإذاعة هذه الرسالة الخطيرة جدًّا إلى النشر

وهي كما يأتي:)

أيها القوميون الاحماعيون،

هذه رسالة ثانية أوجهها إليكم من أسري القسري في هذا المغترب البعيد، وأنا أرتقب ساعة الفكاك والعودة إلى وسط الحركة في الوطن في حمى هذه النهضة القومية ‏الاجتماعية العظيمة التي تشيدون حقيقتها بأخلاق سيضعها التاريخ في أرفع محل من التقدير وبمناقب ستبقى مثلاً مجيداً على كرور السنين وتعاقب القرون.

تسع سنوات إلا أشهراً قليلة قد مرّت على اغترابي القسري الذي لم يكن في أوّله ‏سوى رحلة اختيارية حد مُدّتها سنتان. فجاءت الحرب العالمية الثانية عجلى وأقامت الحواجز والفواصل وقطعت خط الرجعة عليّ. وما وددت شيئاً إلا أن أكون عدت‎ ‏إليكم قبل نشوب نارها، وقد كدت أعود وأنا بعد في بدء رحلتي إلى هذا العالم الجديد الغريب، لولا حدوث مؤتمر مونيخ الذي دلّ ظاهره على أنّ الحرب قد تأجلت إلى مدة لم يكن منتظراً أن تكون في هذا القصر.

ها هذه السنوات التسع تقارب ختامها وفي كل هذا الوقت الطويل للذي مرّ كانت عيناي ترعيانكم عن هذا البعد، أعرف ما تقاسون وتجهلون ما أقاسي. أنتظر بفارغ صبر فكاك أسري لأعود إليكم، وترتقبون بحرارة متصاعدة عودتي بعد هذا الغياب الطويل، ويقيننا أنّ ما جمعه المثال الحي في نفوسنا لا يفرقه عوارض الزمان وتباعد المكان.

ها سنوات تسع تكاد تنقضي على انقطاع تام، كم قاسيتم خلالها وكم قاسيت!

في هذه المدة عادت أفعى الاستعمار المجروحة جرحها المميت تشد عليكم بكل قوّتها شدها الأخير بعزمها الأخير وعدتم تثبتون لشدّها الأخير كما ثبتّم لشدّها الأول، فكان ثباتكم أقوى من ضغطها، فانحلت عنكم ووثبتم على بقيتها بما فيكم من عزم، وفي هذه المدة كنت أنا أجرّب من إبليس وزمرة الشياطين والأرواح الشريرة الكثيرة. وها التجربة العظيمة قد انقضت وارتدّ إبليس وانخذلت زمرته وهربت الأرواح الشريرة٠

في كل هذه المدة الطويلة، وبعد كل هذه المحن العظيمة، لم يضعف إيماننا بل قوي إيمانكم بي وإيماني بكم. آمنتم بي معلماً وهادياً للأمة والناس ومخططاً وبانياً للمجتمع الجديد وقائداً للقوات الجديدة الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الجديدة إلى النصر وآمنت بكم أمة مثالية معلمة وهادية للأمم، بناءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة لقوات التمدد الإنساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير إلى الأمم جميعها، داعية الأمم إلى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده وعقيدة تفسيره، من الجهة الأخرى، بالمبدأ ‏‏المادي وحده، والاقلاع عن اعتبار العالم ضرورة، عالم حرب مُهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، وإلى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس روحي – مادي (مدرحي) وأنّ الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه. ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها.

‎إن العالم الذي أدرك الآن، بعد الحرب العالمية الأخيرة، مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية – الفلسفات الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب – فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي انتهت في الأخير بالاتحاد مع صنوها المادية الرأسمالية بقصد نفي الروح من العالم، وفلسفة الروح الفاشستية وصنوها الاشتراكية القومية المحتكرة الروح، الرامية إلى السيطرة به سيطرة مطلقة على أمم العالم وشؤونها – هذا العالم يحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها. وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم – فلسفة التفاعل الموحد الجامع القوى الانسانية – هي الفلسفة التي تقدمها نهضتكم.

قد حدثت حوادث فى سياق المدة التي انقضت وتغيّرت مظاهر في وطننا: بعد سقوط فرنسة في قبضة الألمان وقيام حكومة فرنسية في فيشي متفاهمة مع الفاتحين، إغتنمت القيادة البريطانية الفرصة فزحفت قواتها المرابطة فى جنوب سورية على شمالها تصحبها شراذم فرنسية مؤتمرة بأمر الجنرال ديغول. وبعد مواقع حربية معروفة سلمت قوة فيشي للزاحفين وحلّ الجيش البريطاني محل الجيش الفرنسي في لبنان والشام. وقرب نهاية الحرب عادت فرنسة تحاول استعادة مركزها السابق فغضبتم وثرتم ووافقت رغبة البريطانيين ومصالحهم ثورتكم٠ فتخلّى، تجاه هذه الحالة، عن فرنسة حتى عشاق احتلالها وانحازوا إلى حركتكم، وأوعزت الحكومة البريطانية إلى جيشها المحتل في لبنان والشام أن يقف فى وجه الحركات العسكرية الفرنسية. وتم اخيراً الاتفاق على الجلاء العسكري من شمال سورية والاعتراف باستقلال لبنان والشام كيانين قائمين بذاتيهما، فجلت القوات الفرنسية إلى فرنسة ومستعمراتها وعادت القوات البريطانية إلى فلسطين، ولم يبقَ للسيطرة البريطانية مزاحم في شرق المتوسط.

رأيت من الضروري تأدية هذه الخلاصة الواقعية لتعلموا ويعلم الناس علماً لا شك ولا غموض فيه أنّ الكيان الحقيقى الحائز جميع شروط السيادة والاستقلال الحقيقيين هو كيان حزبكم القومي الاجتماعي، فهو الدولة المستقلة استقلالاً صحيحاً، لأن استقلالها كان وليد عقيدتها وإرادتها وعملها وليس وليد الصدف والظروف. ولأنها هي الدولة التي نشأت حرة وعملت، منذ نشأتها، بمطلق سيادتها منذ أعلنتُ سيادتها واستقلالها في خطابي المنهاجي في أول يونيو/حزيران سنة 1935، فحاربت الفرنسيين حرب دولة منظمة ذات سيادة واستقلال وحافظت على هذه الشخصية في جميع الظروف وجاهدت ما أمكنها الجهاد في جميع الجبهات القومية. وفي أشد حروبها حراجة ظلت معنوياتها عالية يصح أن تكون قدوة لدول كثيرة.

أقول ذلك ليكون أيضاً واضحاً أن الترتيبات الوطنية الطائفية والاقطاعية التي حلّت محل الاحتلال والانتداب في الشمال ليست من صنع القوميين الاجتماعيين ولا من نتائج عملهم ولا مما يقبلون باستمراره. ولست أقصد هنا بذلك الكيانات السياسية في ذاتها، ككيان لبنان وكيان الشام وكيان شرق الأردن، لأنني رأيت، منذ البدء، أنّ العلة ليست في هذه الكيانات، وأنّ هذه الكيانات نتيجة لا سبب، بل أقصد نوع الحكم والإدارة والحياة السياسية اللاقومية، الفوضوية، فيها، فكأن الاستقلال ليس، للفئات الانتهازية، سوى غنيمة باردة لمن يسبق إليها “ومن بعدي الطوفان”.

ولست أقصد، من جهة أخرى، إنكار جميل المساعدة البريطانية للتخلص من الاحتلال الفرنسي وبلوغ الحالة الاستقلالية الحاضرة. إن تألمنا من المؤامرة البريطانية اليهودية على حقوق السوريين في فلسطين ومن بيع البريطانيين هذه الحقوق لليهود ظلماً وعدواناً، لا يمنعنا من الاعتراف لبريطانية العظمى بجميل المساعدة على الوصول إلى حالة الاستقلال الحاضرة . ولن نوفي هذا الجميل قبيحاً. ولكننا في الوقت عينه، لا نرى أن جميل المساعدة في الشمال يمحو قبيح المؤامرة في الجنوب. إن فلسطين سوريّة ولن نتخلى أبداً، عن حقنا فيها.

ترون أيها الرفقاء، أن الحالة قد تحسنت نوعاً وأنّ تحسّنها الحقيقي يعود، في الدرجة لأولى، إلى وحدتكم القومية وبثكم الوعي القومي الاجتماعي في الأمة، وإلى جهادكم الحقيقي ووقوفكم في وجه الاحتلال الفرنسي وحيدين، وما يخرج من عملية التصفية والتحليل للموقف هو أنّ الحقيقة الثابتة الوحيدة في شؤون الأمة، وإلى جهادكم القومي الحقيقي ووقوفكم في وجه الاحتلال الفرنسي وحيدين، وما يخرج من عملية التصفية والتحليل للموقف هو أنّ الحقيقة الثابتة الوحيدة في شؤون الأمة الوطن ومصيرهما هي حقيقة حزبكم وعقديته وقوته. في حزبكم تقرر، منذ البدء، مبدأ السيادة القومية ومبدأ عضوية الدولة القومية الاجتماعية ونظامها واستقلالها، وفي حزبكم تحققت السيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي والحرية الحقيقية وفي حزبكم يجب أن تروا السيادة والاستقلال والحرية القومية فلا ضمان لشيء من ذلك إلا به وفيه، وليس للمظاهر الخارجية الأخرى، أية قيمة حقيقية عند الامتحان فكم من استقلال معترف به بيع في الأسواق البيضاء أو السوداء بَيْعَ الأملاك الخصوصية، أنظروا ماذا كانت قيمة استقلال الشام في عهد فيصل بن الحسين وماذا كانت قيمة “الاعتراف” بذاك الاستقلال، وانظروا ما كانت قيمة استقلال بولونية وحدود وطنها ‎وقيمة استقلال لتوانية وأستوزية ولتوية (لتونية). فلا تنخدعوا بشيء من المظاهر الخارجية وافتحوا عيون الشعب لكي لا تكون حالة الاستقلال النسبي الحاضرة أُلهية ساعة وتنقضي لا نعرف كيف انقضت.

إنّ حالة الأمة والوطن لا تزال في معظمها، حيث تحتاج إلى تطبيق المنهاج السياسي الذي أعلنته في خطابي في أول يونيو/حزيران 1935، فقليلة هي التعديلات والزيادات التي يجب إدخالها عليه بالنظر إلى الحالة الحاضرة. في ذلك الخطاب أعلنت أنّ الحزب القومي الاجتماعي هو دولة الشعب المستقل وأننا قد حررنا أنفسنا في الحزب من كل سلطة وكل إرادة أجنبية، وأنه بقي علينا أن نحرر أمتنا بأسرها ووطننا بكامله. ومنذ ذلك الوقت قد جاهدنا كثيراً وحققنا بعض الرغائب ولكن لا يزال أمامنا القسم الأعظم من الطريق الطويلة الشاقة المؤدية إلى الغاية الأساسية الأخيرة التي هي بدورها ابتداء استمرار لحياة مثالية طويلة ولعمل إنساني واسع. فالأمة خارج صفوف النهضة القومية الاجتماعية. تتخبط في فوضى لا مثيل لها، وقد زادت طينها بلّة حالة السيادة والاستقلال الفجائية، فانطلقت الشهوات الحادة ومطامع الحكم من حالة الكبت التي كانت فيها وأصبحت تشكّل شرًّا عظيماً في الشعب وخطراً هائلاً على الأمة والوطن يتمزق بين المطامع اليهودية والتركية وجماعات الغرباء والإرادات الأجنبية.

والأحزاب الطائفية المستمرة من عهد الاستعمار الذي أوجدها لتسد طريق امتداد الوعي القومي إلى جميع فئات الشعب، منصرفة إلى عملية الشقاق والفتنة.

إنّ حالة أمتنا ووطننا الحاضرة، لا تزال الحالة عينها التي تستدعي التوجه بالكلية إلى مزية أولية أساسية من مزايا حزبكم ونهضتكم العظيمة، أعني مزية البطولة المؤمنة. فإن أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحية فلا يكون لها إنقاذ منها إلا بالبطولة المؤيدة بصحة العقيدة، فإذا تركت أمة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قررته الحوادث الجارية والارادارت الغريبة.

إنّ حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية الواعية، المؤمنة المنظمة في أمتكم. فإن عهدكم هو عهد البطولة فلا تتخلوا عن طريق البطولة ولا تركوا إلى طريق المساومة الغرَّارة. قد أكسبت حزبكم مرونة سياسته الأصلية ودبلوماسية مدرسته السياسية الدقيقة الفكر، أنصاراً كثيرين، وألّفت قلوب جماعة كانت بعيدة عن الحزب. ولكن أقول لكم إنّ قوتكم الحقيقية ليست في المؤلفة قلوبهم ولا في المتقربين إليكم في طور نموكم بعد زوال كابوس الاحتلال العسكري الأجنبي، بل في بطولتكم المثبتة حوادث تاريخ حزبكم وفي عناصر رئيسية هي: صحة العقيدة وشدة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة. فإذا فقدتم عنصراً واحداً من هذه العناصر الأساسية انصرف عنكم المناصرون وتفرق المتقربون.

لتفعل إدارتكم العليا كل ما تقدر عليه في ميدان السياسة والدبلوماسية فذلك من خصائصها. أما أنتم فإياكم من صرف عقولكم وقلوبكم إلى السياسة والدبلوماسية.

واحذروا من اختلاط السياسة والدبلوماسية وأغراضهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيوتكم الأساسية،، لئلا تكون العاقبة وخيمة.

كل عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الطبيعية الأولى التي هي:

انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كل ما دون ذلك باطل. وكل عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدد أتباعها.

عوا مهمتكم بكامل خطورتها والهَجُوا دائماً بهذه الحقيقة الكبرى – حقيقة عقيدتكم – ومهمتكم – حقيقة وجودكم وإيمانكم وعملكم وجهادكم.

مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل.

بوينُس آيرس في 10 يناير/كانون الثاني 1947

 نشرة عمدة الإذاعة بيروت،
المجلد العدد 1، 30/6/1947

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير