في الدولة والحرب الدينية


أما النظرة إلى الحياة فقد جرت على خطوط النفسية العربية المماثلة لخطوط النفسية اليهودية لعهد موسى، وقبل دخول اليهود في الحضارة السورية واقتباسهم من نظرتها إلى الحياة وفلسفتها. ونصت آيات صريحة على الاقتداء باليهود واتخاذهم مثلاً، كما بيّنا آنفاً. وقد بيّنا في بعض الحلقات السابقة التماثل التشريعي بين الإسلام المحمدي والإسلام الموسوي (15 و16). ولكن هذه المشابهة ليست كلية، ففي الشرع دخلت الخصائص والضرورات العربية التي كان اليهود آخذين في الخروج منها والاتجاه عنها إلى الحضارة السورية التي أوشكت أن تهضمهم تماماً، حتى إن السريانية صارت، في أواخر عهدهم، اللغة الغالبة على لسانهم. وهذه الضرورات والخصائص لا تبطل الموازاة التامة تقريباً في الخطوط الكبرى للنظرة إلى الحياة، فالوضوء، مثلاً، قد حدد الاغتسال نظراً لقلة الماء في العُربة، بينما التوراة أطلقته جرياً على قاعدة التمدن السوري «اغتسلوا تنقوا»1.


قلنا في الحلقة السابقة وما قبلها إن العهد المدني كان الخطوة الفاصلة لإخراج الرسالة المحمدية من المأزق الذي وقعت فيه، وبيّنا أن القصد من آياته المؤلفة النص الدولي هو إقامة الدين واستئصال الوثنية، وليس محاربة أهل الأديان غير المحمدية حتى يتخلوا عن إسلامهم ويتبعوا الإسلام المحمدي.


وكما أن أول سورة مكيّة دلت على غرض الرسالة الديني وأساسها كذلك دلت سورة البقرة التي هي أول السور المدنية على الغرض الدولي. فأول أمر بالقتال كان قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا}2 فخصّ القتال باللذين يقاومون الدين بالقوة ويقاتلون أتباعه. فالدعوة إلى القتال، في أساسها وغرضها الأخير، لم تكن في صلب الدعوة الدينية إلى الله ، إذ خلا منها العهد المكي خلواً تاماً وليست في العهد المدني مطلقة من كل قيد أو شرط وعامة لمحاربة المسلمين غير المحمدين أيضاً، بل مقيدة بشرط أن تكون ضد الذين يقاتلون المؤمنين ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ليمدوا ظلمة الوثنية.


وقد يقول قائل إن الجهاد مذكور في القسم المكي أيضاً، فنقول صحيح ولكنه هناك ذو معنى روحي فقط، فالقصد منه الجهاد للإقناع والسلاح الكلمة وليس السيف، كقوله: {فلا تقطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}1.


ولما كان الأمر بالقتال هو لإقامة الدين وليس لنقضه، فإن من الكفر بالله والهدم للدين الصحيح القول إن آيات القتال لاستعلاء الملّة المحمدية أو لدفع الشر عنها قد نسخت آيات الدين وحلت محلها، فالقتال فرض لإقامة آيات الدين، لا لمجرد القتال أو لحب القتل ولذلك قالت الآية: {تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}2.


وقد قلنا في سياق ما تقدم من هذا البحث إن الآيات الدولية في الرسالة المحمدية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحوادث الجارية، وهذه الحقيقة يجب أن تظل نصب أعيننا في كل درس صحيح لنصوص الإسلام المحمدي كدولة. ولهذه الحقيقة تخضع آيات [القتال فقد استنزل محمد آيات القتال]3 لأنه وجد من بادأ المسلمين القتال واضطهدهم، فأصبح القتال مربوطاً بشرطية وجود من يطلبون مقاتلة المؤمنين من المشركين.


أما الآيات التي قلنا إنها تقفو أول آية أمرت بالقتال فهي هذه: {واقتلوهم حيث ثقفتوهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}4. وهذه الآيات توضح جيداً أن القتال كان دفاعياً، وليس هجومياً، وضرورة قضت بها عداوة المشركين. وقوله: {الذين يقاتلونكم}5 يعني أعداء الدين الذين يقصدون إبطاله ومقاتلة المؤمنين حتى ولو لم يباشروا القتال رأساً. ذلك لأن عداوتهم واضطهادهم المؤمنين ثابتان. وقد جعل القرآن الاضطهاد أعظم من القتل: {الفتنة أعظم من القتل}6. والفتنة هنا بمعنى المحنة، كالإخراج من الوطن. ولذلك قال: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}7. وأيد غرض القتال الذي أوضحناه بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}8 أي لإزالة الاضطهاد ومنع العداوة المؤذية ولإقامة دين الله والقضاء على عبادة الأوثان. فمتى صار الدين لله لم تبقَ حاجة إلى القتال الديني وصار يجب العودة إلى الفكرة الدينية الصافية الموضحة في القسم المكي: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}1 {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً وعاقبةً للمتقين}2، فهنا الدين. أما القتال فليس للدين بل ضرورة لإقامة الدين أوجبتها حالة البيئة.


وتأييد القرآن هذه النظرة هو تأييد جازم متكرر، فقال: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله …}3 أي إن القصد من القتال ليس الإكراه بل دفع الفتنة والعدوان. ولذلك قفى آية فريضة القتال بهذه: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدٌ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}4. فهو يدل على مقدار استحكام العداوة حتى ضاق محمد ذرعاً بكثرة اضطهاد المشركين لدعوته وأتباعه وإمعانهم في الفتنة، فاستنزل هذه الآية ليجد مخرجاً للضيق الذي وقع فيه أتباعه. ولولا كثرة ظلم قريش ومقاومتهم الكلمة بالاضطهاد لما كان الوحي استوجب الالتجاء إلى هذه المعاملة.. فالآية مربوطة بحالة معينة يبقى حكمها فيها. وجاء في سورة الممتحنة [رقم 60] التي تأتي بعد البقرة [رقم 2] بثلاث سوَر وهي الرابعة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون}5. ومعنى هاتين الآيتين أن الله لا ينهى المؤمنين عن مساواة الذين لم يقاتلوهم وينحازوا إلى مقاتليهم فهؤلاء يمكن حتى توليتهم وتقديمهم وإن كانوا مشركين (وثنيين). وقد أوضحت هاتان الآيتان المقصود من المقاتلة والعداء فهما ضد من «يقاتل في الدين» لا غير.


اقتضت العداوة الموجدة الحرب السير بالملّة على قاعدة العصبية الدينية وجمع كلمة المؤمنين في نظام دولة، فاهتمت الرسالة بشؤون الحرب والسلم وتوزيع الغنائم. وهذا الأمر الأخير كان من الأهمية بمحل خطير، لأن طلب الغنائم كان من أهم قواعد قيام الدولة في بيئة فقيرة جداً، والخلاف على قسمتها قد يستفحل ويؤدي إلى تفرق كلمة الأتباع، كما اختلف المسلمون في واقعة بدر على الغنائم كيف تقسم ومن يقسمها. فكان الاهتمام بهذه الناحية أول ما عرضت له سورة الأنفال [رقم 8] وهي الثانية من العهد المدني، وفي هذه السورة شرع تخميس الغنائم. وكان من ضرورات إقامة الدولة إيجاد مبدأ الطاعة للسلطة العليا التي لا تقوم دولة إلا بها فجاء الأمر بالطاعة في الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون}1 وأيضاً: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم…}2 وجاء النهي عن الخيانة: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}3.


وتعود الرسالة في هذه السورة إلى شأن القتال، فتؤكد مرة أخرى تخصيصه بالكفار الذين لا يؤمنون بالله : {قل للذين كفروا أن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سُنَّة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير}4.

أخرج النهج المدني الدولي الرسالة المحمدية من مأزقها فأخذ المؤمنون يشعرون بوجود نظام يؤمنهم على حصصهم من الأسلاب والكسب، بعد أن كان ذلك خاضعاً للأثرة والقوة، وشرع يزيل معاثرهم ويحدد معاملاتهم. فأخذت شوكة الدولة تقوى بالمغازي والغنائم، وبقوة شوكة الدولة أخذ الدين يتحرر من الاضطهاد ثم أخذت الدولة تعتز بدينها ونظرتها إلى الحياة التي فتحت أمامها طريق التقدم العملي. والحقيقة أن فاعلية الدولة كانت أقوى من فاعلية الدين نفسه، بل صارت آيات الدولة عند العرب في مقام الدين ولم يقدروا أن يفهموه إلا بها، فاهتدت الرسالة إلى منهاجها العملي في بيئتها فسارت عليه بخطوات أكيدة. وبتقدمها لم يعد يجد الوحي حاجة للتودد إلى «أهل الكتاب» العرب والتساهل معهم فصارت لهجة سلطة الدولة تحل رويداً رويداً محل لهجة من لا سند له غير عقيدته. فكثر التحريض على القتال وخرجت الرسالة إلى طلب إعلاء الإسلام المحمدي على الأديان جميعها: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}5 وهذه الآية مكررة في (الفتح)6 وفي (التوبة)7. ولكن هذا القول لم يبطل صحة الإسلام المسيحي والإسلام اليهودي، كما بيّنا في الحلقة السابقة، إذ وردت بعد سورتي الصف والفتح سورة المائدة التي أثبتت وجوب اعتبار التوراة والإنجيل صحيحين لأهلهما. ونظراً لورود هذه الآيات في كتاب واحد فالارتباط بينها وثيق ولا يمكن اعتماد مبدأ النسخ لإبطال الآيات المتعلقة بصحة التوراة والإنجيل، فإن هذا المبدأ ينقلب ضد هذا الاستنتاج ويجعل حكم آيتي (الصف) و(الفتح) منسوخاً بحكم آيات (المائدة)، لأنها بعدهما. أما سورة التوبة فمختلف فيها ويرجح إلحاقها بسورة الأنفال. وهذه السورة عينها، التوبة، تؤكد صحة التوراة والإنجيل بالعودة إلى الاستناد إليهما مع القرآن بقول الآية: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله …}1 وهو يثبت أن ما أعلنه الله في التوراة والإنجيل ثابت عنده. وقد أظهرنا في حلقة سابقة فساد مبدأ النسخ، لأنه يعرّض كلام الله كله والإيمان كله للشك، فلا يعلم المؤمن، على وجه التحقيق ما هو ثابت من كلام الله وما هو غير ثابت. وإذا كان الله يقول قولاً غير أكيد ولا ثابت، فلماذا يقوله؟ ولماذا قال: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب…}2.


الحقيقة في هذه الأمور أن ضروريات قيام الدولة ونفسية العرب هما غير الدعوة الدينية. والدولة قامت لإثبات الدين وآياته وليس لنفيها ولا لنسخها. والقتال فرض ضد الذين «يقاتلون في الدين». أما حيث لا قتال في الدين {فلا تعتدوا}3. وهذا نص واضح لا جدال فيه، فإذا كانت هذه الآيات باطلة، لأنها من سورة البقرة وسورة الممتحنة فلماذا لا تكون هاتان السورتان باطلتين فتحذفان ويحذف القسم المكي كله من القرآن. وما هي حاجة المؤمن إلى وجود كلام باطل في كتاب الله ؟


وإذا كان الإسلام المحمدي يجيز الإيمان ببعض القرآن والكفر ببعضه فكيف يطالِب المسلمين الموسويين أو المسلمين المسيحيين بوجوب إقامة التوراة أو إقامة الإنجيل كاملين؟


وجميع آي القسم المدني لا تنص نصاً صريحاً على إبطال المذهب المسيحي في شي منه، بل بالعكس تطلب الحكم بكتابه. أما ما يتذرع به بعض المنافقين ليوهموا المسلمين المحمديين أنه قد أبطلت المحمدية المسيحية كقوله: {إن الدين عند الله الإسلام}4 وقوله: {ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}5 فهو على غير ما يؤولونه لأغراضهم، فالإسلام ليس مختصاً بالمحمديين، بل يطلق على اليهود والمسيحيين كذلك، لأنه حسب رواية القرآن نفسه، ابتدأ بإبراهيم، ولا يمكن هؤلاء المعوجين للإيمان أن يثبتوا دعاءهم الباطل إلا بإعلان الكفر ببعض القرآن نفسه، فليقولوا قولاً صريحاً أي قسم من القرآن يجب أن يكفر به المؤمنون وينبذوه ظَهرياً نقل لهم حينئذٍ في أي ضلال يعمهون.


ألا أن غرض الحياة الدنيا بغيتهم، يراؤون في الدين، والدين بعيد عن قلوبهم، هو يمنعهم من الفتنة وهم يطلبونها.
قال في القرآن: {كتب لله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}1 وهي من أواخر العهد المدني. ويقول المنافقون: «إنّا قد محونا ما كتب الله » عليهم لعنة الله والناس أجمعين بما يقولون على الله غير الحق.


إن القول: «الديانة الإسلامية وُضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة، ورفض كل قانون يخالف شريعتها ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها»2 هو قول استبدادي لا يعبّر عن حقيقة الديانة الإسلامية بل عن فساد تأويلها ببعض آيها. وكذلك القول: «هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون؟»3 فهو باطل فإن الله وعد بني إسرائيل بتمكينهم في الأرض وذلك في عهده لإبراهيم ويعقوب: «قم امشِ في الأرض طولها وعرضها لأني لك أعطيها»4، {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيــي نساءهم إن كان من المفسدين. ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}5 {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}6 وقال كذلك: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}7، فبأي وعد يجب التمسك؟ فإذا كان الوعد الأخير هو للمسلمين المحمديين فقط فما هي قيمة ما ورد في التوراة وفي سورة القصص؟ هل وعد الله بني إسرائيل بالباطل؟ فإذا كان الأمر هكذا أفلا يجب أن يكون الوعد الأخير من نوع الوعد الأول، لأن الله الذي يعد ويخلف مرة يعد ويخلف أخرى. والذي نراه أن هذا الوعد يتعلق بأرض الجنة، والدليل قوله: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين}1 فالأرض، في القسم الديني المنزه عن الأغراض الدنيوية، هي الجنة لا غيرها. وأهل الدين الصحيح هم الذين يرثون الجنة لا الأرض الدنيا لأن هذه ليست غرض الدين. وأما قوله: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأوها وكان الله على كل شي قديراً}2، فهو من شؤون الدولة والحرب مع المشركين وهو شبيه بخطط اليهود «يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم فترثون شعوباً أكبر وأعظم منكم»3. وها قد مرت آلاف السنين على وعد الله لإبراهيم ويعقوب وموسى، وها الألف الثاني يزول على وعد الله لمحمد ولم يتحقق من هذين الوعدين سوى ما كان ضرورياً لإقامة الدولة الدينية ضمن نطاق بيئتها. واليهود لا يزالون يتشبثون بوعد الله لهم بتمليكهم الأرض كلها، والطامعون بالتملك باسم الدين من المسلمين المحمديين يزدادون تشبثاً بوعد الله المؤوَّل عندهم ليحرضوا المؤمنين على تأييدهم في طلب الملك وإقامتهم في الحكم. ولو شاء الله إيفاء وعده على ما يشتهي المتشبثون لكان فعل منذ زمان في أول عهد الإيمان الصافي المملوء حمية، في زمن فتوة الدعوة، حين كان الإيمان جديداً، قوياً حاراً. وهو أجمله وأفضله. والحقيقة أن الله قد برّ بوعده وأعطى اليهود والمحمديين ما قسم لهم، فنال الأولون نظاماً وشرائع ومرتزقاً؛ ونال الآخرون نظاماً وشرائع ومرتزقاً ونصرة على عبدة الأصنام فورثوا أرضهم وديارهم وتمّ الدين: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}4.

فقد جاء النصر على أهل الشرك ودخلوا في دين الله وبادت عبادة الأصنام من العُربة، فتم العهد المدني وأصبح من اللازم العودة إلى إقامة الدين بالتسبيح والاستغفار التي كانت الأصل والغاية من الدعوة. فما جاء في سورة النور وهو قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليُمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}5 قد حصل بتمامه، فقد استخلف الله المحمديين في أرض الوثنيين وورثوهم وجاء نصر الله والفتح، ولم يبقَ بعد ذلك غير عبادة الله واتقائه حق تقاته: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}6. والذين يبغون وراء ذلك هم الذين يريدون إخضاع الدين لشهواتهم الدنيوية ويرفضون أن يخضعوا لأوامر الدين وتعاليمه العلوية.
هاني بعل
للبحث استئناف

(الزوبعة)، بوينُس آيرس

العدد (35)، 1/1/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير