محسن نزها من سورية المجوّفة إلى سورية الطّبيعيّة

كتب الرفيق جان دايه:


يحتلّ حكم الإعدام رأس لائحة سيرة الأمين المجاهد محسن نزها، ولكن هذا الحكم الصّادر في بيروت عام 1962، يُعتبر نقطةً بيضاءً في سجلّه العدليّ. فما هو سرّ صدور حكم من العيار الثّقيل بحقّ إنسانٍ بريء تميّز بسلوكه المناقبيّ على حدّ إجماع عارفيه؟
في زمنِ تقسيم سورية الطّبيعيّة إلى دُويلات، ومتّحدها الأكبر إلى متّحدات صغيرة “مستقلّة”، لم يكتفِ محسن بوحدة (سورية المجوّفة) التي تشمل سهل البقاع العابر حدود سايكس-بيكو باتّجاه سهول حمص. بل هو آمن، كمعظم أقربائه وأصدقائه في النّبي عثمان، بعقيدةِ أنطون سعاده الوحدويّة بمبادئها الأساسيّة الثّمانية، التي تنصّ على وحدة سورية والسّوريّين.
ثمّ إنّ دستور حزب سعاده الذي انتمى إليه محسن، ينصّ على خمسة مبادئ إصلاحيّة، أحدها يؤكّد على فصل الدّين عن الدّولة وليس السّياسة، والفرق كبير، والثّاني يمنع رجال الدّين من التّدخّل في السّياسة والقضاء.
في اللّيلة الأخيرة من العام 1961، قام الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ في بيروت بثورة انقلابيّة ضدّ النّظام النّائي بنفسه عن محيطه الطّبيعيّ والطّائفيّ، الموزّع الوظائف على أساس المذاهب لا الكفاءات، بهدف استبداله بنظام علمانيّ قوميّ.
فشلت الثّورة التي قادها رئيس الحزب الدّكتور عبدالله سعاده، وتولّى محسن قيادة مجموعة عسكريّة في أخطر حلقاتها.
ورغم أنّها جريمة سياسيّة بامتياز، على حدّ تأكيد المرجع الحقوقيّ الفرنسيّ موريس غارسون، فقد صدرت أحكام بالإعدام بحقّ عدد من المتّهمين بينهم محسن، رغم أن السّجن لمدّة 15 سنة هو الحدّ الأقصى لأحكام الجريمة السّياسيّة.
ومن المؤكّد أنّ الإعدام كان خفض إلى بضع سنين سجن لو اقتصرت عقيدة المجرم السّياسيّ على مبادئ التّعايش وإلغاء الطّائفيّة السّياسيّة ولبنان ذو الوجه العربيّ. بل أنّ حكم الإعدام كان وئد في المهد لو قاد الحركة بعض أعضاء الطّبقة السّياسيّة الإقطاعيّة في لبنان، كالأمير نهاد إرسلان والمحامي لويس زيادة اللّذين حاولا في أواخر النّصف الأوّل من القرن الماضي، تغيير النّظام واحتلال مخفر صوفر، ما أدّى إلى مقتل أحد رجال الأمن. وحين فشلت المحاولة، لم يحاكم بطلاها، بل لُفلفت المحاولة الانقلابيّة وكأنّ شيئاً لم يكن.
بعد صدور الأحكام، نُقِل محسن وسائر المحكومين بالإعدام، كالدّكتور عبدالله سعاده، فؤاد عوض، محمد البعلبكي، بشير عبيد وجبران الأطرش إلى سجن الرّمل، مقدّمة لتنفيذ حكم الإعدام الّذي اتّخذ بأكثريّة أعضاء المحكمة.
ولكن مخالفة رئيس المحكمة إميل أبو خير لحكم الإعدام حال دون تنفيذ الحكم، خصوصاً بعد نشره نصّ المخالفة في الصّفحة الأولى لجريدة (النّهار). والجدير ذكره أنّ أبو خير وافق غارسون على أن الجريمة سياسيّة.
بعد أشهر، تحوّل حكم الإعدام إلى المؤبّد.
وفي شباط 1969 صدر العفو العام، باستثناء العسكريّين عوض وخير الله والحاج حسن. وخرج محسن من بوّابة قاووشه في سجن القلعة ليبقى داخل أسوار السجن الكبير، على حدّ تعبير سعاده. وبالطّبع، هو لم يتقاعد، بل استأنف جهاده لتحقيق الهدف الكبير أي الاستقلال الحقيقيّ، والوحدتين الاجتماعيّة والقوميّة، والنّهضة الحضاريّة.
يبقى ما سمعته عن محسن من الدّكتور عبدالله سعاده، وخلاصته أنّ المحكمة قضت بإعدام محسن نتيجة اتّهامه بقتل جنديّ خلال اقتحامه بيوت الضبّاط في رأس النّبع – بيروت. والواقع أنّ القاتل ليس محسن بل رفيقه. ولكن محسن لم يُفصح عن اسمه، لأن إعدامه سيسبّب مأساة لعائلته، كما اعترف لرئيسه الدّكتور عبدالله. فآثر أن يعدم هو بدلاً من رفيقه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى