نثر النظم

إيضاح لا بد منه:
تساءل أناس كثيرون ولا يزالون يتساءلون: لماذا هذه الحملة على رشيد سليم الخوري؟ فكأن جميع الأسباب الأدبية والاجتماعية والثقافية والسياسية الواردة في سياق هذه المقالات ليست سبباً كافياً لاتخاذ هذا الموقف الذي يضع حداً للتدجيل الأدبي والسياسي وللفوضى الثقافية في نطاق واسع في الجوالي السورية.


والظاهر أن هؤلاء المتسائلون لا يزالون يقيسون بالأقيسة العتيقة ويبحثون عن «السبب الشخصي» الذي يبرر إنشاء هذه السلسلة الدراسية. كل مسألة من هذا النوع تقتضي «سبباً شخصياً» عندهم، ولذلك يقولون «إيش عمل رشيد الخوري حتى استحق ها الحملة» وهم يعنون الذنب الذي ارتكبه رشيد الخوري ضد الزعيم شخصياً.


الحقيقة أنه لو بقيت الأسباب شخصية لما كنا نعيرها كل هذه الأهمية ونحن نعلم أن الزعيم لم يبالِ قط بالمطاعن التي توجهها إليه، سراً وجهراً، طائفة من أشكال وطبقات غريبة، من بقية أجيال الانحطاط، وفيها التاجر الأدبي والتاجر السياسي والطامع المغرور والمتعيش الصحافي وغيرهم من النفعيين.

وإننا ما عرضنا في المقالات الثلاث الأخيرة للمطاعن الشخصية التي وجهها رشيد سليم الخوري إلى الزعيم إلا لضرورة كشف ناحية من نواحي نفسية الخوري، لتكمل الدراسة في العقلية المنحطة الفاسدة التي تعرقل نهضة الأمة وسيرها نحو مثل حياتها الجديدة. ورشيد الخوري هو نموذج بارز منها يصح أن يتخذ قياساً لغيره فيها.


فالأسباب الأساسية لهذه المقالات، كما هو واضح، من قراءتها والتمعن فيها، هي أسباب المصلحة العمومية، لا أسباب شخصية.


والآن نتقدم إلى الموضوع.
لم نطل الشرح في المقالات الماضية في تبيان جميع عيوب منظومات رشيد سليم الخوري، والنظر في عيوبها جميعها أمر يطول شرحه. فتكاد لا تخلو قصيدة من قصائده من صورة مشوهة أو فكرة بتراء منتحلة. وقد سبق لنا القول إن الأفكار في منظومات الخوري هي شعث غير ملموم، فليس فيها فكرة واحدة أساسية ترجع إليها الأفكار المتفرقة، أما الصراخ والزحير والتحريض على الاستقلال من غير صورة واضحة أو فكرة صريحة، فلا تمثل غير شأن العاجز الخامل المولول كالنساء الجاهلات.


إذا انتقلنا من نظم رشيد الخوري إلى نثره لم نجد غير ما وجدناه في نظمه، ولعل أهم نثر قاله أو كتبه واجتهد أن يلبسه حلة من سعة الاطلاع ونضج التفكير هو مقدمته لمجموعة (الأعاصير). وقد رأينا في المقالات السابقة ما هي هذه المجموعة التي يقول «القروي» في مقدمته إنها «مختارات من شعره الوطني». ومع أنه نشر قصائد (الأعاصير) في الصحف قبل جمعها فهو يغفل هذه الناحية ويقول إنه «لم يخصها بالنشر» قبل غيرها إلا «لاعتقاده» أن هذه القصائد، التي رأينا في الحلقات المتقدمة كيف تصفع شرف الشعب السوري صفعاً وتطعن الأمة في كرامتها، وكيف تمثلنا كشعبٍ خالٍ من كل كرامة ومن كل شرف، متسكع أمام أي غريب، كما وجدنا ذلك بصورة باهرة في قصيدته، التي حلى بها جيد ديوانه، «تحية الأندلس» هي شي نحتاجه «ليقوي العصبية» فينا. والحقيقة أن هذه القصائد هي لإضعاف عصبيتنا ولبلبلة روحيتنا وأفكارنا، ومراجعة الدورس الماضية في هذه المقالات لا تبقي مجالاً للشك في أنها عامل من عوامل فساد روحية الشعب.

وكما رأينا «القروي» ينتحل أفكار غيره لينظم قصائده كذلك نراه ينتحل أفكار غيره ويمسخها ليجعل منها نثره. ولما كانت حاجة النثر إلى الفكر أكثر من حاجة النظم إليه فقد جمع الخوري أشتاتاً من الأفكار ونثرها في نحو عشر صفحات في مقدمة (الأعاصير).


في الفقرة الثانية من هذه المقدمة الفسيفسائية يمسخ «القروي» أفكاراً وصوراً كثيرة وردت في مقالات عديدة للعلامة المغفور له الدكتور خليل سعاده خصوصاً حيث يقول: «وقد بلغنا من إنكار النفس والتطوع بخدمة الغرباء.. فبدلاً من أن يتكلف القناصون مشقة نصب الفخاخ لنا أو مطارتنا ورهقنا، باتوا وجهادهم محصور في كيف يتقون تهافتنا عليهم ووقوعنا على أقدامهم، إلخ.».


وأية مراجعة مستعجلة لمقالات الدكتور خليل سعاده التي حمل بها على المتزلفين للمستعمرين توضح للقارى من أين أخذ «الشاعر الشهير الأستاذ رشيد سليم الخوري» أفكار هذه الفقرة وصورها غير مجتهد إلا في تغيير بعض الألفاظ.
كذلك قوله في الفقرة الثانية: «ونحن أصح الخلق أبداناً وأرجحهم عقولاً، إلخ»، فهذا القول يكاد يكون مأخوذاً بالحرف الواحد من مقالة فسيولوجية طبية للدكتور سعاده تكلم فيها على السوريين من الوجهة التشريحية وتركيب أجسامهم وحكم، وهو العالم المدقق، بأنهم من أكمل الخلق تركيباً ويمتازون في معظم الأمم من الوجهة التشريحية. ولو لم يكن قال هذا القول عالم كبير كالدكتور خليل سعاده ماذا كانت قيمة هذا الكلام الخطابي الذي يرسله رشيد الخوري من غير تقيد بأصول؟


كان الواجب على رشيد الخوري أن يدرك على الأقل أن الشؤون العلمية لها ضوابط وأصول منها أنه يجب إسناد القول العلمي إلى قائله، بدلاً من طمس اسم القائل وانتحال القول، لأن الانتحال لا نتيجة له غير سقوط القيمة، وإن رجلاً كرشيد الخوري الذي لا دخل له في أي علم اختصاصي يحكم في أي الشعوب أصح أبداناً وأرجحهم عقولاً لا يكون إلا متشدقاً لا يجوز إضاعة الوقت في النظر إلى ما يقول. والحكم في صحة أجسام السوريين ورجاحة عقولهم الذي هو من موضوعات علوم التشريح والإنسان والأقوام البشرية، إذا صدر عن عالم كالدكتور خليل سعاده أو أسند إليه كانت له قيمته العلمية المحترمة، أما صدوره عن رشيد الخوري فماذا يجعل له من القيمة العلمية؟ تخرّص وتبجح لا يليقان إلا بالجهلة من الناس.


في هذه الفقرة التي نحن بصددها يقول «الشاعر الذي ربح الخلود» هذا القول: «أما والله لو كنت شاعراً إفرنسياً أو إنكليزياً لحبست النفس على التبشير بالسلام ووقفت القلم على الدعوة إلى الرأفة والحنان»، وهو في هذا القول يهذي هذياناً كما في أكثر أقواله. وإلا فكيف يوفق بين ما يقول هنا ومدحه الفتوحات العربية التي أخضعت أمماً كثيرة لحكمها، كما لا يزال الإنكليز والفرنسيون مخضعين أمماً كثيرةً لحكمهم؟


وهل صحيح أنه لو أتيح لرشيد الخوري أن يولد في سورية وهي في أوج مجدها وأساطيلها البحرية تسيطر على البحار، وأعلامها الظافرة تسير إلى الهند، وجيوشها تسيطر على إفريقية وإسبانية ويعبر قائدها العبقري هاني بعل جبال الألب الشاهقة ويجتاح إيطالية ويسيطر فيها عقداً ونيفاً من السنين، مهاجماً الرومانيين في عقر دورهم ومحاصراً رومة العظيمة، بائعاً قصورها من على أسوارها بالمزاد العني، أقول أصحيح أنه لو كان الناظم رشيد الخوري أحد أفراد الإمبراطورية السورية الشرقية أو أحد أفراد الإمبراطورية السورية الغربية لكان صار شاعراً يحبس نفسه على التبشير بالسلام والتخلي عن مجد الأمة وحقوق الدولة؟


بعد القول المتقدم من الفقرة التي نحن بصددها بقول الخوري: «أما وأنا سوري، ومن لبنان، فإني لا غرض لي في الحياة أشرف من دعوة شعبي إلى بغض الشعوب ولا مثلَ عندي أعلى من استنهاض أمتي لمحاربة الأمم»، وهنا يعترف الخوري صريحاً إنه، في الوطنية، سوري وأن شعبه هو الشعب السوري وأن أمته هي الأمة السورية، التي يقوم اليوم، لغرض في نفسه، ينكر وجودها ونسبته إليها ويدّعي أنه ليس سورياً من لبنان، بل وطنياً عربياً، من سورية! وأن شعبه هو «الشعب العربي» وأمته هي «الأمة العربية».


وفي آخر الفقرة الثالثة هذه يجاري الخوري المفكرين السوريين فيقول إن شلل سورية هو من «قيود التقاليد الرثة والتعصبات العتيقة». وهذه العبارة تكاد تكون حرفية من بعض أقوال الدكتور خليل سعاده.
وفي الفقرة الرابعة ينادي الخوري «أبناء وطنه» سورية قائلاً «لَكَمْ تجدون بينكم من دعاة الاستعمار نفراً… يجلس واحدهم… ويقول، خافضاً صوته: ما لكم ولهؤلاء الشعراء، إن هم إلا عصبة أغرار يحرضونكم على المطالبة بالحرية ولا سلاح لديهم غير ألسنتهم، إلخ».


الواضح كل الوضوح في هذا القول أن الخوري يحاول أن يكون لبقاً في لفت الأنظار إليه. فهو لم يقل «يقول واحدهم: ما لكم ولهذا الشاعر؟» إلا لكي يتجنب إبلاغ الوقاحة إلى حد يعكس الآية فجعل التخصيص بالمطالبة بالحرية للشعراء وحدهم. ولما كان يعد نفسه «شاعر الوطنية» لم يجد حاجة لتضييق نطاق التخصيص أكثر من هذا الحد، خصوصاً وخطابه موجه إلى الذين يقرأون قصائده. وهكذا نرى رشيد الخوري المثال الصحيح لطائفة من لصوص الأفكار الذين يتوددون إلى عظماء الفكر أولاً ليتمكنوا من ثقة الناس حتى إذا تم لهم ذلك انتحلوا آراء وأفكار أولئك العظماء ونبذوهم وراءهم ظهرياً، وسارعوا إلى نسيانهم بعد وفاتهم!


أليس هذا ما فعله الخوري في مقدمة (الأعاصير) حين أخذ عبارات الدكتور سعاده وعظاته الوطنية وتناسى إسنادها إلى ذلك الوطني الكبير؟، من أين جاء رشيد الخوري بهذه العبارة التهكمية: «كِلوا أمركم إلى ولية الأمر فيكم إنها أمكم الحنون وحاشا لأمكم الحنون أن تريد بكم شراً» أليس من مقالات الدكتور خليل سعاده المشهورة في هذا الباب؟، ولكن الخوري لا يريد أن يعترف بذلك، لأنه يطمح في الخلود كصاحب دعوة ولهذا السبب مزج بعض ألفاظ قرآنية في القسم التالي من هذه العبارة التي هي من أقوال الدكتور خليل سعاده المشهورة فقال متابعاً: إن الأم الحنون «تهيى لكم خيراً جزيلاً، تدربكم على الحرية فإذا صرتم لها أهلاً وهبتها لكم لوجه الله لا تبغي أجراً ولا شكوراً»1 فأدخل لفظتيّ «أجراً وشكوراً» لكي يضلل القرّاء فلا يعرفون أن القول للدكتور خليل سعاده.


ولكن رشيد الخوري قد صدق في التعبير عن نفسه وأمثاله من غير أن يدري، فقد وصف نفسه ورصفاءه النظامين بهذا الوصف الذي أجراه على لسان من يتهكم عليهم: «إن هم إلا صبية أغرار يحرضونكم على المطالبة بالحرية»، فالتحريض على المطالبة بالحرية مع جهل بالعوامل والأسباب والمقتضيات هو الصفة الثابتة في قصائد الناظمين «الوطنيين» الذين ظنوا «الوطنية» قصائد تحريضية، يطعنون بها كرامة الشعب النبيل الذي لم يمنعه من مجد الجهاد غير الانشقاق الداخلي وفساد النظام الاجتماعي ــــ الاقتصادي، وليس ما يقوله الخوري إننا عبيد وإننا «أسلس المطايا» وغير ذلك من أقواله الوقحة التي يقلل فيها من ثقة الشعب بنفسه.


وهذه العبارة: «إن صراخ سورية وعويلها» أليست هذه للدكتور خليل سعاده؟ ووصف هذا الصراخ وهذا العويل أليس هو أيضاً للدكتور خليل سعاده؟ أليست أفكار الدكتور خليل سعاده هي الأفكار الصحيح الوحيدة الموجودة في «مقدمة» (الأعاصير)» وقد أحاطها رشيد الخوري بطائفة من الألفاظ التي شوّهت معانيها وشوشت جلاءها؟


وبعد كل هذه السرقة القبيحة يجيز رشيد الخوري لنفسه التجاوز عن ذكر اسم الدكتور خليل سعاده، والتجاوز حتى عن وجوب عدّه في مقدمة الكتّاب الذين ما كان يجب أن يبخسهم حقهم، وهم الذين كانوا أسبق من النظّامين الذين يعدّهم شعراء ليحسب نفسه شاعراً بينهم، لولا أنانية حقيرة وخشية من أن يضيع «الشعراء» الذين يسرقون مادة الكتاب ليحشوا قصائدهم بها متى ذكر أرباب الفكر؟


أبهذه القدوة في هضم «أدبائنا» غير الأديبين حقوق أدبائنا الحقيقيين يصير السوريون أمة حية ناهضة؟
إن الأمة التي يكثر فيها أمثال رشيد الخوري الذين يطمسون مآثر عظمائها ليشيدوا لأنفسهم عظمة قزمية حقيرة، ويرمون الأمة كلها بتهمة العبودية ليدعوا أنهم «الأحرار» الوحيدون فيها هي أمة من أتعس الأمم حظاً ونهضتها لا تكون بما يقوله رشيد الخوري، بل برفس هذا الأدب المزيف الذي أنشأه لصوص بارعون كرشيد الخوري وأضرابه!
هاني بعل
للبحث استئناف

سورية الجديدة، سان باولو

العدد(110)، 26/4/1942

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى