الرسَــالة 2 – ادويك


حبيبي!
وردتني رسالتك المزدوجة فكانت الحادث الوحيد غير العادي الذي طرأ عليًّ في هذه الآونة الكثيرة المشاغل والمشاكل. قرأتها مرة ومرة ونظرت إليها وإليك مرّات، وعدت فقرأتها الآن من جديد لأنها حديثك. ان عملي جهاد كان لعهد قريب محاطاً بوحشة واسعة. أبدأ منذ الصباح منصبَّاً بكل قواي وكل زخمي على معالجة شؤون الحزب والقضية، وآوي آخر السهرة، وقد تطول إلى نصف الليل، إلى غرفتي، فأضع رأسي في حضن وحدتي وأُعزي نفسي بمثلي العليا وأغمض عينيَّ وأنتظر النوم. وأنهض في صباح اليوم التالي لأفعل ما فعلته في اليوم السابق. أما الآن فتؤنسني صورة أمامي ورسالة الحبيب، ومتى عُدت إلى وحدتي فليست الوحشة ما أشعر بل الشوق.

إني أكتب إليكِ اليوم من الشوير التي عدت إليها مساء أمس بعد أن أتممت كل ما كان في مقدوري فعله لإنقاذ موقف الحزب من الانتخابات التي تجري اليوم وغداً. وقد استغرق ما تطلبته الحالة من جهود كل دقيقة من حياتي. وزاد المتطلب مني صدور الجريدة، فقد حرَّرت معظم العدد الأول منها والعدد الرابع، وإني أكتب لها كل يوم مقالين الواحد في السياسة الخارجية والثاني هو المقال الأول تحت “رأي النهضة”. وهذا هو السبب في أني لم أعد إلى الكتابة إليك بالسرعة التي أودّ. ومع ذلك فأنتِ موجودة في كل ما أقول أو أفعل أو أكتب.

لقد كان جهادي حتى الآن ناجحاً. أما الحكومة فأؤمل أن لا تتخذ شيئاً ضدّنا الآن. وأظن أنها ستجد ما تُشغَل به عنا إلى حين. وقد اكتشفت ضمن الحكم منكشفاً قد أجد فيه ممسكاً قوياً، فإذا توفّقت في ذلك تسهَّلت أمور كثيرة، وإلاّ فإني سأسلك مسلكاً آخر.

يسرّني أن صحتك جيدة وأن هلن لم تفارقك. إنها رفيقة صديقة شاعرة. وسرَّني أم الماما أصبحت أقرب لفهمنا ومجاراة إرادتنا التي آمل أن تكون سبباً في سرورها.
إني لا أشعر بشيء من السأم، لأن حياتي غنية جداً بمُثُلِها وأعمالها وإحساساتها، وقد أصبحت الآن أغنى بالعواطف التي بَعثتِها والدقائق النفسية التي أحييتِها، ولكنني أشتاق وأصبر وأشغل نفسي عن التفكير في طول الثمانية الأشهر والنصف تماماً.

غداً مساءً تنتهي عملية الانتخابات. وقد كتبت بشأنها مقالة في “النهضة” (اسم الجريدة) بتاريخ اليوم بعنوان “تشبيه”، والحقيقة أن لا انتخابات هنالك ولا من يحزنون وإنما يشبَّه للشعب أن هنالك انتخابات.
ومهما يكن من الأمر فآمل أن يكون لنا في المجلس والحكومة المقلبين أصدقاء ومناصرون. وهذا ما فعلت المستطاع للحصول عليه. وقد كتبت في العدد الأول من النهضة حديثاً حول موقف الحزب من الكيان اللبناني من سلاحهم. وقد أرسلت إليك الأعداد الأولى فاقرأيه فيها.

تسالين عن صحتي والذي أراه أني قد أصبحت بحاجة إلى السؤال عنها أنا نفسي. لقد أهملتها وأجهدتها وأسأت إليها ولم أجتهد في تحصينها وحمايتها حين كان معنى الحياة لي إفناءً فقط. ولقد قال لي صديقي الدكتور نسيب(1) آخر مرة أجتمعت به في الشوير، أن تحميل الأعصاب أعباء عظيمة وتركها بدو فرصة للتجديد قد يؤدي إلى شيء يشبه سيل العرم. وأظن أني أحتاج الآن إلى راحة اسبوع أو اسبوعين وبعض العناية والمساعدة المعتدلة. وأرجو أن لا يحصل ما يمنعني من ذلك ابتداءً من بعد غد، إذ أكون قد وقفت على نتيجة الانتخابات والاتجاهات الحكومية وغيرها.

أحب أن تعتني بنفسك وأن تكون ثقتك كبيرة وأن تكتبي دائماً.

سلامي للماما وأمين(2). وإذا كان ميشيل(3) على اطلاع فسلّمي عليه، من قلبي، وسلام خاص لهلن.

ولــكِ أنــتِ

(التوقيع)
في 24 أكتوبر 1937


(1) الدكتور نسيب همام
(2) و (3) ميشال وامين أخواي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير